“التكويت”.. من الوظيفة إلى المعرفة والإنتاج والتنمية

-+=

الأرقام التي نشرتها “القبس” في ٢٢ أغسطس الماضي حول ارتفاع نسب التكويت في عدد كبير من مؤسسات الدولة، ووصول بعضها إلى ما يقارب المئة في المئة، تستحق التوقف أمامها، ليس باعتبارها مؤشراً على تقدم سياسة إحلال الكوادر الوطنية – فقط -، وإنما لأنها تفتح أمامنا قضية أكبر تتعلق بمستقبل الشباب الكويتي، والتعليم، وسوق العمل، وطبيعة الاقتصاد الذي نريد بناءه خلال السنوات المقبلة، وذلك من خلال طرح مجموعة من الأسئلة لمحاولة مناقشتها للوصول إلى خمسة مفاهيم لـ “التكويت”: الوظيفة، المعرفة، الإنتاج، التنمية، والقدرة.

“التكويت”، بمفهومه المباشر، يعني إحلال المواطن في وظيفة كان يشغلها غير الكويتي، وهو هدف مفهوم ومطلوب خصوصاً مع دخول أعداد كبيرة من الشباب إلى سوق العمل، وحاجة الدولة إلى توفير الفرص أمامهم والاستفادة من القدرات والكفاءات الوطنية.

لكن ماذا يحدث عندما تصل إحدى المؤسسات إلى نسبة تكويت تبلغ ٩٠ أو ٩٥ أو حتى ١٠٠ في المئة؟

هل يعني ذلك أن مهمتنا انتهت؟

هنا، في اعتقادنا، تبدأ القضية الأهم ولا تنتهي عندها، فالسؤال ليس:

 كم كويتياً يعمل؟ بل: أين يعمل؟ وما طبيعة العمل الذي يقوم به؟ وما الخبرة التي يمتلكها؟ وما مقدار ما ينتجه؟ وهل أصبحت المعرفة اللازمة لإدارة المؤسسة وتطويرها موجودة داخلها؟

وبعبارة أخرى نحن بحاجة إلى الانتقال من الحديث عن “تكويت الوظيفة” إلى مفاهيم أوسع لـ “التكويت”.

كيف وصلنا إلى هنا؟

لا يمكن فهم قضية التوظيف في الكويت بمعزل عن التطور الاقتصادي والاجتماعي الذي شهده المجتمع بعد النفط – فذلك مبحث كبير -، لقد مكّنت الثروة النفطية الدولة من بناء مؤسسات حديثة، وتوسيع التعليم والصحة والخدمات، وتحسين مستوى معيشة المواطنين. ومع توسع مؤسسات الدولة أصبحت الوظيفة الحكومية أيضاً أحد المسارات الرئيسية لعمل المواطنين.

ومع مرور السنوات تشكل وضع نعرفه جميعاً: أصبح القطاع الحكومي يستوعب النسبة الأكبر من العمالة الوطنية، بينما اعتمدت قطاعات واسعة من النشاط الخاص على العمالة الوافدة. لكن لا يمكن تحميل الشباب مسؤولية هذا الوضع.

فالشاب عندما يبحث عن وظيفة مستقرة، وأجر مناسب، وضمان وظيفي، فإنه يتعامل مع الخيارات المتاحة أمامه التي يوفرها له الواقع. وإذا كانت الوظيفة الحكومية أكثر “جاذبية” – من غيرها- لاعتبارات كثيرة، منها: طبيعة العمل السهلة والمريحة في العديد من القطاعات، والاستقرار الوظيفي، وقلة الجهد المبذول، فمن الطبيعي أن يتجه إليها.

لهذا فإن تغيير اتجاه الشباب نحو العمل لا يتحقق بالمطالبة وحدها، وإنما بتغيير الظروف التي تجعل خياراً معيناً أفضل من غيره. فالمشكلة ليست في سلوك الفرد وحده، بل في البيئة الاقتصادية التي تصنع هذا السلوك.

الإحلال وحده لا يكفي

من هنا، فإن إحلال المواطن مكان الوافد رغم أنه يمثل خطوة مهمة، إلا أنه لا يعالج اختلالات سوق العمل

لنأخذ هذه الفرضية:

مؤسسة حكومية وصلت إلى نسبة تكويت تبلغ ١٠٠ في المئة، السؤال التالي يجب أن يكون: ما الذي تغير في هذه المؤسسة؟

  • هل ارتفعت كفاءتها؟
  • هل أصبحت أكثر إنتاجاً؟
  • هل امتلك موظفوها المعرفة والخبرة التي تحتاج إليها؟
  • هل أصبح الشباب فيها جزءاً من اتخاذ القرار والتطوير؟

فإذا تغير اسم الموظف وبقيت طريقة العمل كما هي، فإننا نكون قد نجحنا في الإحلال، لكننا لم نصل بعد إلى التطوير، وهذا هو الفارق الذي ينبغي الانتباه إليه.

فهدف التكويت لا يجب أن يكون مجرد وضع المواطن على الكرسي، وإنما إعداده لكي يمتلك العمل الذي يقوم به معرفةً وخبرةً وقدرةً على التطوير.

الشباب ليسوا مجرد طالبي وظائف

هنا يأتي دور الشباب، فالتعامل مع الشباب باعتبارهم أعداداً من الخريجين ينبغي توزيعهم على الوظائف يحوّل قضية كبيرة إلى مسألة إدارية صغيرة.

الشباب في أي مجتمع يمثلون القوة الأكثر قدرة على التعلم والتجديد والتعامل مع التحولات الجديدة. وهم ليسوا مجرد فئة عمرية، وإنما طاقة اجتماعية لا تتحول إلى قوة فعلية إلا بالتأهيل وإفساح المجال أمامها لتحمل المسؤولية.

لذا فإن تمكين الشباب لا يبدأ عند قرار التعيين ولا ينتهي به.

إنه يبدأ من المدرسة والجامعة، ثم التدريب، ثم المؤسسة التي يعملون فيها، ومدى قدرتها على تطوير مهاراتهم وإعطائهم فرصة للمبادرة وتحمل المسؤولية.

فقد نضخ دماء شابة في مؤسسة قديمة، لكن إذا بقيت طريقة التفكير والعمل والإدارة كما هي، فإننا نكون قد جددنا أعمار الموظفين ولم نجدد المؤسسة.

التعليم.. ماذا نريد منه؟

يقودنا ذلك مباشرة إلى التعليم. ورد في تقرير “القبس” الحديث عن ربط خطط البعثات الخارجية باحتياجات سوق العمل، وهي خطوة مهمة، لكنها تطرح كذلك سؤالاً آخر: أي سوق عمل نقصد؟

هل نعد أبناءنا للوظائف الموجودة اليوم فقط؟ أم نعدهم أيضاً للوظائف والقطاعات التي نريد أن تكون موجودة بعد عشر أو عشرين سنة؟

هناك فارق كبير بين الأمرين.

فإذا كان هدف التعليم هو تلبية الشواغر الحالية فقط، فسوف نبقى نلاحق سوق العمل كما هو. أما إذا كانت لدينا رؤية واضحة للاقتصاد الذي نريده مستقبلاً، فإننا نستطيع تحديد التخصصات والخبرات التي نحتاج إليها من الآن. عندها لا يكون السؤال: لدينا هؤلاء الخريجون، أين نوظفهم؟ وإنما يصبح: ما الذي نريد بناءه، ومن نحتاج لكي يبنيه؟

وهنا يتحول التعليم من طريق للحصول على الوظيفة إلى جزء أساسي من مشروع التنمية.

ماذا يعني تكويت المعرفة؟

عندما نقول “تكويت المعرفة”، فنحن لا نقصد الاستغناء عن الخبرات الأجنبية، ولا الانغلاق على أنفسنا. فلا توجد دولة حديثة تفعل ذلك، فالدول تتبادل المعرفة، وتستعين بالعلماء والخبراء والشركات والجامعات من مختلف أنحاء العالم.

القضية ليست في الاستعانة بالآخر، وإنما في ماذا نتعلم منه، وماذا يبقى لدينا بعد ذلك؟

يمكن لمؤسسة شراء أحدث “جهاز” في العالم، إلا أن شراءه لا يعني امتلاك المعرفة التي أنتجته، ويمكن لها الاستعانة بخبير عالمي، لكن وجوده لا يعني أننا نقلنا خبرته إلى كوادرنا.

يظهر الاختبار الحقيقي عندما يغادر هذا الخبير. هل يستطيع الكويتي الذي عمل معه أن يكمل المهمة؟ ثم بعد سنوات: هل يستطيع تطويرها؟

هنا يبدأ تكويت المعرفة. أي الانتقال من استخدام المعرفة إلى امتلاكها، ثم إلى تطويرها وإنتاجها. وهذه عملية تحتاج إلى سنوات من التعليم والتدريب والبحث والتجربة ونقل الخبرات.

لذلك فإن وجود الخبير الأجنبي قد يكون ضرورياً ومفيداً، لكن ينبغي أن تكون العلاقة معه جزءاً من عملية تراكم للمعرفة داخل المجتمع، لا حالة اعتماد مستمرة عليه.

وماذا عن تكويت الإنتاج؟

الأمر نفسه ينطبق على الإنتاج، لا يعني “تكويت الإنتاج” أن نصنع في الكويت كل شيء نستهلكه، فهذا غير ممكن، ولا توجد دولة تفعل ذلك، كما أن الإنتاج لا يعني المصنع فقط كما يتوهم البعض من عباقرة الإدارة.

فالطبيب ينتج خدمة، والباحث ينتج معرفة، والمهندس ينتج حلولاً، والمبرمج ينتج تقنية، والعامل ينتج سلعة أو خدمة. المقصود – تحديداً – امتلاك المجتمع قدرة أكبر على خلق قيمة من داخله.

وهنا تظهر أهمية النفط من زاوية مختلفة، فالنفط ليس المشكلة، فهو ثروة وطنية كبيرة أتاحت للكويت بناء الكثير مما نملكه اليوم. غير أن السؤال يتعلق بكيفية استخدامه.

هل تذهب عائداتها بصورة رئيسية إلى الإنفاق والاستهلاك، أم نستخدم جزءاً متزايداً منها لبناء مصادر جديدة للقوة الاقتصادية؟

أي: هل نستطيع تحويل جزء من الثروة الموجودة تحت الأرض إلى علم وخبرة وتكنولوجيا وصناعة وقدرات بشرية فوق الأرض؟

هذه هي القضية. فشراء التكنولوجيا شيء، وامتلاك القدرة على التعامل معها وتطويرها شيء آخر، واستيراد السلعة شيء، وبناء القدرة على إنتاج ما نحتاج إليه في المجالات المهمة شيء آخر.

القطاع الخاص أيضاً

لا يمكن أن يتحقق هذا التحول من خلال الحكومة وحدها، فالقطاع الخاص جزء أساسي من المعادلة.

إذا بقيت الحكومة هي المستوعب الأكبر للمواطنين، وبقيت قطاعات واسعة من القطاع الخاص تعتمد على نموذج يقوم على عمالة منخفضة التكلفة، فسوف نستمر في مواجهة المشكلة نفسها.

 مع كل دفعة جديدة من الخريجين، يزداد عدد الباحثين عن العمل، فيزداد الضغط على الحكومة للتوظيف، فتزداد أعداد العاملين في الدولة، ثم تأتي دفعة جديدة ونبدأ الدورة مرة أخرى، لهذا لا يكفي أن نقول للشباب أو نطلب منهم: العمل في القطاع الخاص.

يجب أن نسأل أيضاً: أي قطاع خاص؟ وأي وظائف؟ وأي مستقبل وظيفي؟

المطلوب قطاع خاص أكثر ارتباطاً بالإنتاج الحقيقي والتكنولوجيا والمعرفة، وأكثر قدرة على خلق وظائف نوعية تستقطب المواطن بدلاً من أن نطلب منه الذهاب إليها بقرار أو نصيحة.

وهنا تصبح عملية إصلاح سوق العمل مسؤولية مشتركة بين الدولة، والتعليم، والقطاع الخاص، والمجتمع.

الدولة ليست مكتب توظيف

تقودنا هذه المسألة إلى دور الدولة نفسه، فالدولة أدت تاريخياً دوراً أساسياً في توفير الوظائف والخدمات للمواطنين، وكان ذلك جزءاً من طبيعة الاقتصاد الذي تشكل بعد النفط.

لكن هل تستطيع الدولة الاستمرار إلى ما لا نهاية باعتبارها جهة التوظيف الرئيسية لكل جيل جديد؟

ربما نحتاج إلى إعادة تعريف هذا الدور.

فالمهمة الأكبر للدولة ليست فقط توفير الوظيفة، وإنما بناء الاقتصاد الذي ينتج الوظائف. وهناك فارق بين الأمرين، فالدولة التي تكتفي بالتوظيف تعالج المشكلة عندما تصل إليها. أما الدولة التي تقود التنمية فتحاول منع المشكلة قبل وقوعها، من خلال التعليم والتخطيط والاستثمار وبناء القطاعات الجديدة.

دون أن يعني ذلك تراجع مسؤولية الدولة الاجتماعية أو ترك المواطن للسوق، بل يعني توسيع هذه المسؤولية لتصبح أكثر ارتباطاً بالمستقبل.

ماذا نعني بتكويت التنمية؟

نصل هنا إلى المفهوم الثالث”: تكويت التنمية”. والتنمية ليست بناء طريق أو مستشفى أو مدينة جديدة فقط. هذه كلها أجزاء منها، التنمية الحقيقية هي أن يخرج المجتمع من كل مشروع وهو أكثر قدرة مما كان عليه قبل المشروع.

لنفترض أننا أنشأنا مشروعاً كبيراً بمساعدة شركات وخبرات عالمية. بعد عشر سنوات، ماذا بقي داخل الكويت؟

هل أصبح لدينا مهندسون يستطيعون إدارة مشروع مشابه؟

هل انتقلت التكنولوجيا؟

هل نشأت شركات محلية تستطيع القيام بجزء من العمل؟

هل تكونت خبرة داخل مؤسسات الدولة؟

هل استفادت الجامعات ومراكز البحث؟

إذا حدث ذلك، فإن المشروع لم ينتج مبنى أو منشأة فقط، وإنما أنتج قدرة وطنية جديدة.

أما إذا انتهى المشروع وغادرت معه الخبرة والمعرفة، فسوف نحتاج في المشروع التالي إلى البدء من النقطة نفسها. وهذا هو الفارق بين تنفيذ مشروع وبناء تنمية.

من تكويت الوظيفة إلى تكويت القدرة

لذلك ربما نحتاج اليوم إلى توسيع مفهوم “التكويت”، فالتكويت الذي احتجناه خلال مرحلة سابقة ركز بصورة طبيعية على الوظيفة وإعطاء المواطن الأولوية فيها. أما المرحلة المقبلة فتحتاج إلى إضافة مفهوم آخر: “تكويت القدرة”، ونعني بها أن يمتلك المجتمع القدرة على إدارة مؤسساته. والقدرة على إنتاج المعرفة. والقدرة على استخدام التكنولوجيا وتطويرها. والقدرة على إنتاج جزء أكبر من القيمة داخل اقتصاده. والقدرة، قبل كل ذلك، على إعداد أجياله للمستقبل لا للحاضر فقط. عندها لن تصبح نسبة التكويت ١٠٠ في المئة نهاية الطريق، وإنما نقطة نبدأ منها مرحلة أخرى. مرحلة لا نقيس فيها النجاح فقط بعدد الكويتيين الذين حصلوا على الوظيفة، بل بما أصبح المجتمع يمتلكه من معرفة وخبرة وإنتاج نتيجة وجودهم فيها.

فالمسألة في النهاية ليست أن يصبح كل من يعمل في الكويت كويتياً، ولا أن نستغني عن العالم والخبرات الموجودة فيه. المسألة أن تكون علاقتنا بالعالم علاقة تعلم وتبادل وتطور، لا علاقة اعتماد دائم. وأن تتحول الثروة النفطية، بالتدريج، إلى ثروة أخرى أكثر بقاءً: الإنسان والمعرفة والقدرة على الإنتاج.

عندها يصبح لتكويت المعرفة والإنتاج والتنمية معنى واضح وبسيط:

-تكويت المعرفة أن نتعلم كيف نعرف ونطور.

-وتكويت الإنتاج أن نمتلك القدرة على خلق قيمة بأيدينا وعقولنا.

– وتكويت التنمية أن تصبح الخبرة والمعرفة والقدرة التي تنتجها مشروعات الدولة جزءاً دائماً من المجتمع.

وهنا يصبح السؤال مختلفاً.

فبعد سنوات من السؤال: كم بلغت نسبة “التكويت”؟

ربما حان الوقت لكي نضيف إليه سؤالاً آخر:

ماذا أضاف “التكويت” إلى قدرة الكويت نفسها؟

Author

  • علي العوضي

    كاتب وصحفي كويتي حائز على جائزة الدولة التشجيعية في العلوم السياسية (2019) - مدير عام شركة قرطاس للنشر والتوزيع - رئيس تحرير صحيفة الديمقراطي الإلكترونية

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

تاريخ التدخلات الأميركية في الصومال

في الذكرى الثالثة والثلاثين لمعركة مقديشو، نعود الى ٣ أكتوبر ١٩٩٣ حين سقطت مروحيتان أميركيتان من طراز بلاك هوك فوق أحياء العاصمة. ولم يسقطهما جيش

صناعة السعادة الصحية بين الشك واليقين

ظاهرة انتشار “عيادات” وأندية للاستشفاء النفسي، ازدادت بشكل ملحوظ، وذلك منذ أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. بل وقد وصلت هذه الظاهرة إلى أروقة الحكومات، وفي مقرات كبريات الشركات. فما هي جذور هذه الظاهرة الجديدة؛ النفسية الاجتماعية الاقتصادية، التي سميت لدى البعض بصعود “صناعة” الصحة والسعادة.