المعلم ليس رقماً: حين يغيب الإنسان عن القرار التربوي

-+=

في الوقت الذي يُفترض أن تكون فيه المدرسة بيئة مستقرة للطالب والمعلم، يواجه الميدان التربوي سلسلة من القرارات المتلاحقة والمتشابهة في تخبطها ومغامرتها. وربما تتلخص في هذه القرارات ملامح هذه المرحلة، وهي على النحو الآتي:

  • تغيير المناهج في فترة قصيرة قبل بداية العام الدراسي، وما ترتب على ذلك من تأخر في إنجاز الكتب وتوزيعها.
  • إنهاء خدمات ٧٠١٩ معلماً ومعلمة من غير الكويتيين، ومن بينهم أبناء الكويتيات ومن سُحبت جناسيهم.
  • تأخير تعيين المعلمين حديثي التخرج وتحويلهم إلى معلمين متدربين.
  • نقل ٨٧٠٣ من المعلمين والمعلمات دفعة واحدة بقرار إداري مفاجئ.

وسيكون تركيزنا هنا على قرار نقل المعلمين، وأثره في المعلمين والطلبة والبيئة التربوية.

وقد صدر هذا القرار في اليوم التالي ليوم المعلم، بعد أن بدأ العام الدراسي واستقرت الجداول، بما يخالف ضوابط الوزارة نفسها التي تنص على إصدار قرارات النقل في نهاية كل عام دراسي.

القضية ليست قضية أعداد

فيما يخص احتياجات الوزارة، يبرز السؤال الأهم: هل نعالج نقص الكوادر، أم نعيد توزيع المشكلة من مدرسة إلى أخرى؟

فببساطة، لا يجوز التذرع بنقص الكوادر مباشرة بعد إنهاء خدمات أكثر من سبعة آلاف معلم ومعلمة.

قد يكون لدى الوزارة فائض في تخصصات محددة، وهي نفسها تقر بوجود فوائض فعلية في تخصصات كالتربية الإسلامية والتربية البدنية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة وجود فائض في جميع التخصصات والمدارس، وهو ما يؤكد أن القضية ليست قضية أعداد فقط، بل قضية تخطيط دقيق وتوزيع عادل للكوادر وفق الاحتياج الحقيقي الذي تتذرع به الوزارة في تصريحاتها بينما تتهرب من مواجهته ومعالجته.

حلول متاحة لم تُستثمر

إذا كان هناك عجز فعلي في بعض المدارس والتخصصات، فالأولى أن تبدأ المعالجة بالخيارات المتاحة والأقل تأثيراً في استقرار الميدان.

فهناك معلمون ومعلمات سبق أن تقدموا بطلبات نقل ولم تنفذ وكان بالإمكان الاستفادة من هذه الطلبات لنقل الراغبين إلى المدارس التي تحتاج إلى تخصصاتهم.

وفي المقابل، هناك عدد لا يستهان به من المعلمين الجدد حديثي التخرج الذين اجتازوا الاختبارات في يونيو على أن يباشروا العمل في سبتمبر مع بداية العام الدراسي، ولم يحدث ذلك حتى الآن. وهم كوادر جاهزة يمكن أن تسهم في سد النواقص، بدلاً من إرباك مدارس أخرى بنقل معلمين مستقرين فيها.

نحن لا نعترض على حق الوزارة في تنظيم كوادرها، لكننا نتحفظ بالتأكيد على مدى استيعابها للتحديات التي تواجهها، وفي قدرتها على حل المشكلات، وفي معاييرها، خصوصاً حين تتجاهل جميع الحلول المتاحة التي تحقق الأهداف التي أعلنتها بنفسها.

فالمعايير التي أعلنتها الوزارة لم تتجاوز عناوين عامة: الأولوية في النقل للأحدث تعييناً في المدارس التي تتجاوز نصابها، مع مراعاة قرب المسافة. ولكن لم تنشر الوزارة كيف تم احتساب نصاب كل مدرسة، وأي وزن أُعطي لظروف المعلمين. بل إن التطبيق ناقض حتى هذه العناوين، كما في حالة معلمة يقع سكنها في المطلاع نُقلت من جليب الشيوخ إلى صباح السالم وأمثلة عديدة أخرى تعكس أحادية النظرة وميكانيكيتها في التعامل مع تحديد المشاكل بدقة والتعامل معها ناهيك عن مصائر الناس.

أثر القرار في المعلم والطالب

المعلم ليس رقماً في كشف. وراء كل قرار نقل أسرة تتأثر، والتزامات تتبدل ومواصلات تختل، واستقرار مهني بُني على سنوات. والأهم أن المعلم جزء من بيئة تعليمية يعرف فيها طلابه واحتياجاتهم، ونقله المفاجئ لا ينعكس عليه وحده، بل يمتد أثره إلى المدرسة والطالب.

لا يصح عزل استقرار المعلم عن استقرار المدرسة واستقرار الطالب.

المعلم يدافع عن نفسه

أما باب التظلمات، فقد فُتح ثلاثة أيام فقط لأكثر من ثمانية آلاف قرار، وكأن المطلوب من المعلم أن يتظلم بالسرعة نفسها التي نقل بها أمام نفس الجهة التي أصدرت القرار وهي ذاتها التي ستنظر في التظلم منه، والخصم حين يصبح حكماً لا يحتاج إلى وقت طويل ليحسم أمره.

وأمام ذلك كله، لم ينتظر المعلمون أحداً. ففي اليوم التالي لصدور القرار، توافد عدد كبير منهم إلى مبنى ديوان الوزارة بصورة عفوية، مطالبين بالتراجع عنه، في موقف يعكس وعياً بحقوقهم وإصراراً على الدفاع عنها بالطرق السلمية.

غير أن هذه العفوية نفسها تكشف غياباً لافتاً. فأين جمعية المعلمين، التي يفترض أن تكون صوت المعلم المنظم والمدافع الأول عنه؟ لقد تقدم المعلمون حين تأخرت، وتحركوا بأنفسهم حين اختارت هي أن ترتمي في أحضان الوزارة، فلم يصدر بيانها إلا متأخراً وتحت الضغط، ودون مستوى الحدث. وحين يضطر المعلم إلى أن يكون صوت نفسه، فذلك يعني أن من يُفترض أن يمثله قد تخلى عن دوره.

إعادة ترتيب الأولويات

لذلك، إذا كانت الغاية سد النقص وتحسين جودة التعليم، فالمطلوب ليس مجرد «تدوير» الأسماء وإعادة توزيعها، بل إعادة ترتيب الأولويات: تنفيذ طلبات النقل للراغبين، والإسراع في تعيين المعلمين المتدربين، ومراجعة خريطة الاحتياج، ومعالجة الفائض والعجز بحسب التخصص والمدرسة، ثم اللجوء إلى النقل عند الضرورة وبعد دراسة واضحة.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يستحق إجابة واضحة من أصحاب القرار: إذا كان الهدف سد النقص وتحقيق استقرار المدارس، فهل نقل المعلمين المستقرين هو الحل الأفضل، أم أن هناك حلولاً متاحة لم تُستثمر بعد؟

إن مراجعة القرار ليست تراجعاً والاستماع إلى الميدان التربوي ليس ضعفاً بل هما جزء من التخطيط المسؤول، والتعليم لا يبنى بكثرة القرارات، وإنما بحسن التخطيط… المعلم ليس رقماً في كشف النقل.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

تاريخ التدخلات الأميركية في الصومال

في الذكرى الثالثة والثلاثين لمعركة مقديشو، نعود الى ٣ أكتوبر ١٩٩٣ حين سقطت مروحيتان أميركيتان من طراز بلاك هوك فوق أحياء العاصمة. ولم يسقطهما جيش