وتعاونوا

-+=

قدر الأفكار النبيلة والجميلة أن تنمو وتكبر وتشيع قدراً كبيراً من الفائدة المجتمعية وتعود بالنفع على الجميع، وكذلك هي فكرة الجمعيات التعاونية، تلك الفكرة الرائدة على المستوى الإقليمي التي كانت، ونأمل أن تظل، تهدف إلى تعزيز التضامن الاجتماعي وإيجاد حالة من التكافل والترابط بين أفراد المجتمع وتعميم الفائدة المالية والاقتصادية بينهم، ولكن هذه الأهداف النبيلة حادت، مع مرور الوقت، عن غاياتها وتحولت الجمعيات التعاونية إلى ما هو أقرب إلى المراكز التجارية التي تسعى إلى الربح التجاري والفائدة، ومع الأرباح المالية الضخمة سال لعاب البعض لاستغلالها ، وحين ترك الحبل على الغارب زاد التلاعب والفساد لذا صار من الواجب تقويم الوضع وإعادته إلى جادة الصواب. و هنا تكمن أهمية المبادرة لإصدار قانون تنظيمي جديد للحركة التعاونية، ولكنه بدلاً من العودة إلى الأسس الاجتماعية التكافلية ذات الطابع الاقتصادي جاء القانون – وفقاً لما نشر – لينزع عن الجمعيات سمتها الأهلية ويعالج الموضوع بصورة إدارية وتنظيمية فارضاً مجلس إدارة في أغلبه معين من قبل جهات حكومية لمؤسسة أهلية تقوم على إدارة أموال المساهمين فيها، و يضع شروطاً لأعضاء مجلس الإدارة ومؤهلاتهم، وكذلك فرض عقوبات مغلظة للمخالفات، ولكن ماذا عن تعزيز الطابع الاجتماعي وتسهيل سبل الحياة للجميع وإيجاد قنوات ومراكز ميسرة للبيع والشراء وخلق حالة متوازنة ما بين مصلحة المساهمين والربح التجاري، وتخصيص جزء من العوائد للأنشطة الاجتماعية وأنسنة المدن والمرافق.

نحن ندرك مدى الحاجة هنا إلى دور حكومي إشرافي وتنظيمي لحماية الحركة التعاونية، ولكن في المقام الأول يجب المحافظة على طابعها الأهلي والشعبي، وضبط العمل والعمالة في مرافقها، وإلزامها بتقارير مالية دورية وتدقيقها من قبل مؤسسات محاسبية ومالية مستقلة، ولكن كل ذلك دون المساس باستقلاليتها والأسس الديمقراطية التي قامت عليها، وإبعادها عن كونها مركزاً تجارياً، وذلك بإعطائها صبغتها الاجتماعية التضامنية، والابتعاد عن التعامل معها كمركز تجاري يدر الأرباح المالية فقط.

يجب أن تكون الجمعيات التعاونية إحدى الروافد المالية التي تصب في مصلحة المساهمين وأهالي المنطقة في المقام الأول، إذ يفترض إعطاء الأولوية لمشاريعهم واستثماراتهم، ومن الضروري هنا إخضاع المزايدات والإعلانات بشأن الاستثمار في الجمعيات إلى الرقابة والمتابعة من قبل الأجهزة الحكومية من أجل تحقيق هذه الغاية، وكذلك يجب دعم الأعمال والمنتجات الكويتية وأصحاب المبادرات الكويتية وتقديمهم على من سواهم للاستثمار في الجمعيات.

نحن في أمس الحاجة إلى اقتصاد إنتاجي مواز يحمل طابعاً أهلياً ويوفر الفرص للمبادرين والمستثمرين الكويتيين بشروط ميسرة، وذلك من شأنه أن يعيد معادلة الاستثمار ومستوى المنافسة على الاستثمار وتوفير السلع والمنتجات وبيعها، ويُوجِد قاعدة إنتاجية قادرة على المنافسة وتستقطب المبادرين بعيداً عن احتكار القطاع الخاص وخدماته.

في الحقيقة جملة هذه الأفكار بعيدة عمَّا يحاول البعض تجيير الجمعيات التعاونية إليه، وجعلها مراكز بيع تخضع للشركات الخاصة التي تهيمن على الأسواق الكويتية، لذا نحن بحاجة إلى معالجة قانونية ومالية تعيد للجمعيات التعاونية طابعها المجتمعي وتوفير بيئة استثمارية أهلية تعود بالنفع على المساهمين في الجمعيات و أهالي المنطقة وتشكل رافداً اقتصادياً جديداً يحمي الشرائح الاجتماعية في ضوء تقديم خدمات أهلية ميسرة، وعلى القطاع الخاص الذي يلهث وراء خصخصة الجمعيات التعاونية أن يتكيف مع واقع المنافسة الجديدة التي سوف تفرضها الجمعيات ويقدم التنازلات من أجل أن يحظى بفرصة الاستثمار فيها.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

تاريخ التدخلات الأميركية في الصومال

في الذكرى الثالثة والثلاثين لمعركة مقديشو، نعود الى ٣ أكتوبر ١٩٩٣ حين سقطت مروحيتان أميركيتان من طراز بلاك هوك فوق أحياء العاصمة. ولم يسقطهما جيش