حرية الكلمة ليست ترفاً

-+=

حرية الرأي… حرية التعبير… حرية النقد والاعتراض… حرية النشر… حرية الحصول على المعلومات… حرية الصحافة… حرية الإعلام… حرية البحث العلمي، هي مفردات يمكن عنونتها إجمالاً بحرية الكلمة، وهذه الحرية لا يجب التعامل معها وكأنها ترف فكري زائد عن الحاجة بحيث يمكن الاستغناء عنها، وإنما هي متطلبات واحتياجات أساسية لأي مواطن وإنسان حر يعيش في أي مجتمع إنساني معاصر.

إنّ حرية الكلمة لا تنحصر في مجموعات مهنية محددة من الإعلاميين أو الصحافيين أو كتّاب الرأي أو المشتغلين في الكتابة والناشطين في ميدان السياسة أو الأكاديميين من ذوي الصلة المهنية المباشرة بالكتابة والبحث والنشر، ذلك أنها تتجاوز أولئك وتعني عموم المجتمع بأسره… تعني القراء وتعني المستمعين والمشاهدين والمتابعين… تعني الرأي العام، إذ لا يمكن بحال من الأحوال أن يتشكّل رأي عام حيّ ومستنير ومتفاعل في أي مجتمع ما لم تتوافر حرية الكلمة بأشكالها المختلفة: المعلومة والخبر والرأي والتعليق والنقد والبحث عبر الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي والتلفزيون والإذاعة والكتاب والندوة والمحاضرة والحلقات النقاشية والمجموعات البحثية والدراسية وغيرها من قنوات الإعلام والمعرفة والاتصالات.

وهنا لا يكفي أن تنص الدساتير على إعلان كفالتها لهذه الحرية، بل لا بد من أن تتوافق القوانين واللوائح والممارسات التنفيذية ذات الصلة معها نصاً وروحاً، فلا تكبّلها بالقيود، ولا تنتقص منها بذريعة تنظيمها، ولا تصادرها بحجة منع إساءة استخدامها.

 نقول هذا بعد اطلاعنا على مشروع مرسوم قانون تنظيم الإعلام، الذي يفترض بعد إقراره أن يحلّ مكان القوانين الثلاثة المعمول بها الآن، وهي: المطبوعات والنشر، والإعلام المرئي والمسموع، والإعلام الالكتروني، ليتم وضعه موضع التطبيق بعد سنة ونصف السنة من تاريخ صدوره.

وللأسف، فإن المشروع الجديد لا ينطلق من هذه القوانين الثلاثة على علاتها، وإنما يستحدث قيوداً جديدة على الحريات الإعلامية، فهو على سبيل المثال يشترط للترخيص بإصدار الصحيفة أو المجلة أن يتم تأسيس شركة، بحيث لا يمنح الترخيص للأفراد كما كانت الحال ولا تزال… وهناك بالطبع حدّ أدنى لرأسمال هذه الشركة بالإضافة إلى ايداع كفالة مالية، وهذا ما يؤدي إلى حصر ملكية الصحف والمجلات بأصحاب الثروة وحدهم من القادرين على تأسيس الشركات وحرمان أفراد الطبقات الاجتماعية الأخرى، بمن فيهم أفراد الطبقة الوسطى من هذا الحق الذي يفترض أنه حق مكفول للأفراد.

ومن جهة أخرى يستحدث المشروع الجديد آلية الرقابة المسبقة على الكتب المطبوعة في الكويت، وليس فقط الكتب المنشورة في الخارج… ولنا أن نسترجع في أذهاننا حكايات الرقابة، وما أدراك ما الرقابة!

ومن جهة ثالثة يضيف المشروع الجديد قائمة جديدة من المسائل المحظور نشرها أو بثها أو تداولها على القائمة الحالية، التي تتضمّن العديد من القيود الثقيلة على حرية النشر، ومن بينها على سبيل المثال استحداث حظر نشر مضمون أو محتوى للمؤلفات أو المطبوعات أو المصنفات أو أجزاء منها، التي سبق أن تقرر عدم إجازتها للنشر أو التداول، وهذا القيد المستحدث سيسري بالضرورة على استشهادات الباحثين والكتّاب، بمن فيهم الأكاديميون، بمقتطفات ونصوص من مؤلفات أو مطبوعات سبق منعها.

ومن جهة رابعة ينص المشروع على أن تشمل المسائل المحظورة أي معايير أخرى تحددها اللائحة التنفيذية للقانون، التي ستصدر بعد ستة أشهر على صدور القانون… وهنا نجد أنفسنا أمام تجاوز غير مقبول لمبدأ سمو القانون على اللائحة التنفيذية، التي يفترض أن ينحصر دورها في الشرح والتوضيح وبيان الآليات والإجراءات، إذ أنه كما هو معروف فإنّ اللائحة لا تستحدث قيوداً وأحكام إضافية لم ينص عليها القانون نفسه.

ومن جهة خامسة يستحدث المشروع عقوبة إضافية غير واردة في القوانين الحالية، بل هي عقوبة غير مسبوقة، تتمثّل في المنع من الظهور أو التفاعل أو النشر بأي حساب أو موقع أو برنامج الكتروني.

ومن جهة سادسة يمد المشروع الفترة الزمنية لسقوط الدعاوى الجزائية المتصلة بما يتم نشره بالتقادم من ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر، وهذا توسع غير مبرر في إبقاء احتمال تحريك الدعاوى سيفاً مصلتاً على الإعلاميين والصحافيين والكتّاب والناشرين مدة طويلة.

هذه الملاحظات الست إنما هي غيض من فيض نوردها على سبيل المثال لا الحصر لما يفترض تداركه في مشروع مرسوم قانون تنظيم الإعلام قبل إصداره… ولعله من المهم أن تبادر مؤسسات المجتمع المدني ذات الصلة مثل جمعية الصحافيين ورابطة الأدباء لفتح جلسات نقاش حول المشروع ولإبداء الملاحظات عليه.

خلاصة الأمر، فإنّ حرية الكلمة ليست ترفاً، وفرض المزيد من القيود عليها أمر لا يتناسب مع معايير الحريات التي لا يصح تجاوزها أو الانتقاص منها.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

تحديات ضاغطة ومتطلبات ملحّة

في ظل تحولات عالمية متلاحقة ومتناقضة يتفكك فيها النظام العالمي، الذي تسيدته الولايات المتحدة الأميركية لنحو أربعة عقود، وتتفسخ فيها ضوابطه وقوانينه ومؤسساته وموازين قواه…

ماذا تبدّل بعد ٣٦ عاماً على الغزو؟

مضى ستة وثلاثون عاماً على غزو النظام العراقي البائد الكويت واحتلالها…وها هي الكويت كدولة صغيرة في هذا الإقليم المضطرب والمنطقة المشتعلة من العالم لا تزال

نحو مبادرة عربية بديلة ومختلفة

عندما نتحدث عن الحاجة إلى إطلاق مبادرة عربية بديلة ومختلفة فنحن هنا لا نتحدث عن إحياء ما كان يُسمى “المبادرة العربية”، التي أطلقتها قمة بيروت