تحديات ضاغطة ومتطلبات ملحّة

-+=

في ظل تحولات عالمية متلاحقة ومتناقضة يتفكك فيها النظام العالمي، الذي تسيدته الولايات المتحدة الأميركية لنحو أربعة عقود، وتتفسخ فيها ضوابطه وقوانينه ومؤسساته وموازين قواه… وضمن مشرق عربي مشتعل يشكّل الكيان الصهيوني العدواني التوسعي فيه بؤرة التوتر الرئيسية ومصدر الاضطراب الأساس، الذي لا يقتصر على الفلسطينيين ولا يستثني أحداً من العرب… ووسط إقليم خليجي عانى منذ العام ١٩٨٠ ولا يزال يعاني من مسلسل الحروب المدمرة المتتابعة، فإنّ هناك مجموعة من التحديات الضاغطة على الكويت، منها ما هو مستجد، ومنها ما هو امتداد لتحدٍّ قائم، لا يمكن تجاهلها أو التهوين من انعكاساتها السلبية على استقلال البلاد وأمنها واستقرارها واقتصادها، بل يمتد تأثيرها حتى على واقع الحياة اليومية فيها، ناهيك عن التحديات والتناقضات والمشكلات الداخلية وتداعياتها، التي ليس هنا مجال تناولها.

إذ يأتي في مقدمة هذه التحديات الضاغطة تحوّل الحرب الأميركية على إيران إلى حرب استنزاف ممتدة منذ أكثر من نصف عام، وذلك على خلاف الحسابات الخاطئة، التي افترضها مشعلوها بأنها عملية عسكرية لن تتجاوز الأسبوعين… وربما أصبح من الضروري توقع استمرار هذه الحرب بأشكالها المختلفة وتصعيداتها وهدنها الهشّة وانسداد آفاق التسوية فيها واتساع ميادينها، وذلك لفترة يصعب تقديرها، مثلما هي الحرب الروسية – الأوكرانية الممتدة منذ أربع سنوات.

ويليها التحدي المتصل بالضغط الاقتصادي الذي تتعرض له الكويت وبلدان مجلس التعاون الخليجي ليس فقط جراء الضربات التي تعرضت لها منشآتها النفطية من جهة، وعواقب إغلاق مضيق هرمز وتقلص حركة تصدير النفط وحركة الاستيراد وخطوط إمدادات السلع من جهة أخرى، وإنما يضاف إليها انعكاسات قرار الولايات المتحدة الأميركية بنقل مركز ثقل الحرب على إيران إلى جبهة الحرب الاقتصادية، وهي حرب، شأنها شأن الحرب العسكرية، لا يمكن أن تنحصر تداعياتها على إيران وحدها.

وبعدها يأتي التحدي الثالث المرتبط بإشعال الجبهة اليمنية مجدداً، الذي لا يزال محدوداً ولكنه عرضة للتوسع ما لم يتم التوصل لتسوية سياسية، خصوصاً في حال الارتباط مع تصعيد الحرب على الجبهة الإيرانية وإغلاق مضيق باب المندب.

وفي هذه السياقات يبرز تحدٍّ مستجد ضاغط رابع على الكويت بشكل خاص يتمثّل في تحديد نهاية شهر سبتمبر/ أيلول الجاري موعداً للانسحاب العسكري الأميركي من العراق، بالتزامن مع الحديث عن مستقبل القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة بعد الحرب، بل قبلها عندما طرحت وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركية في نوفمبر ٢٠٢٥ التوجّه الأميركي لتقليص الوجود العسكري في المنطقة… صحيح أنها ليست المرة الأولى، التي يتم فيها إعلان الانسحاب ثم يجري التراجع عنه أو استبدال الوجود العسكري الأميركي في العراق بأشكال مختلفة منه، وصحيح أنّ النفوذ الأميركي في العراق لن ينتهي بالانسحاب في حال تحققه… ولكن ما نتوقف أمامه هو آثار هذا الانسحاب على الوضع الجيوسياسي للكويت في علاقتها مع العراق، خصوصاً في حال تفجّر بعض الملفات العالقة مثل عدم استكمال ترسيم الحدود البحرية، أو افتعال بعضها مثلما حدث عند إلغاء اتفاقية “خور عبدالله”، والتصعيد عند منع التجاوزات على المياه الإقليمية الكويتية، واستحداث العراق خرائط جديدة للمياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية البحرية العراقية المتجاوزة للمياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية البحرية الكويتية، ناهيك عما تعرّضت له الكويت من اعتداءات كان أخطرها قصف المركز الحدودي الكويتي في العبدلي.

وإزاء هذه التحديات الضاغطة فإنّ هناك ثلاثة متطلبات ملحة لا يمكن تجاوزها لتعزيز منعة الكويت وتأمين حدودها واستقرارها ومصالحها، وهي:

  • تأمين جبهة داخلية متماسكة قائمة على الوحدة الوطنية والمشاركة الشعبية في صنع القرار.
  • استراتيجية دفاع وطني معتمدة على الذات، وقائمة على تعبئة الطاقات الشعبية عبر التجنيد الإلزامي وتدريب قوات الاحتياط وتنويع مصادر التسليح.
  • مشروع تنموي وطني بديل مرتبط بمشروعات تنمية خليجية وعربية لبناء اقتصادات مستقلة ومنتجة ومتطورة.

وغير هذا عبث ولعب في الوقت الضائع!

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

ماذا تبدّل بعد ٣٦ عاماً على الغزو؟

مضى ستة وثلاثون عاماً على غزو النظام العراقي البائد الكويت واحتلالها…وها هي الكويت كدولة صغيرة في هذا الإقليم المضطرب والمنطقة المشتعلة من العالم لا تزال

نحو مبادرة عربية بديلة ومختلفة

عندما نتحدث عن الحاجة إلى إطلاق مبادرة عربية بديلة ومختلفة فنحن هنا لا نتحدث عن إحياء ما كان يُسمى “المبادرة العربية”، التي أطلقتها قمة بيروت

مجزرة لبنان تؤكد الطبيعة الإجرامية للكيان الصهيوني ومحاولته إفشال اتفاق وقف النار

مرة أخرى يؤكد الكيان الصهيوني طبيعته الإجرامية المتأصلة ونزعته العدوانية المتوحشة، عندما أضاف إلى سجله الإرهابي الغادر مجزرة جديدة استهدفت حياة المئات من المدنيين الآمنين