العنف ضد المرأة: ما الذي لا تقوله الدراما الكويتية؟

-+=

تُعدّ الدراما من الوسائل التي تسهم في تشكيل نظرة المجتمع إلى العلاقات الأسرية والاجتماعية، وهو ما يجعل طريقة تناولها لقضايا المرأة أمراً يستحق النقاش. ومن بين هذه القضايا، نختار العنف ضد المرأة، الذي لم يقتصر حضوره في الدراما الكويتية على تصويره بوصفه واقعاً تعيشه بعض النساء، بل ظهر غالباً في مشاهد يُقدَّم فيها ضرب الأب لابنته أو الزوج لزوجته باعتباره نوعاً من التوبيخ أو التأديب، بما يسهم في تطبيع العنف وتصويره كأنه سلوك مقبول داخل الأسرة. ورغم تراجع هذه المشاهد في بعض الأعمال المعاصرة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة تطور معالجة القضية، وهو ما يدعونا إلى التوقف عند نماذج من الدراما الكويتية، وتحليل الطريقة التي تناولت بها العنف ضد المرأة.

مسلسل “العائلة”: العنف داخل العلاقة الزوجية

في مسلسل “العائلة” (١٩٩٠)، تظهر بشاير (هدى حسين) بوصفها امرأة مستقلة مهنياً، لكنها تعيش علاقة زوجية سامة مع زوجها جمال (جمال الردهان). تتسم العلاقة بالشك والغيرة والسيطرة، وتتطور هذه الممارسات إلى عنف جسدي يمارسه الزوج ضد زوجته. وعلى الرغم من استقلال بشاير المهني، فإنها تجد نفسها في مواجهة تسلط زوجي ينتقص من حريتها وأمانها داخل حياتها الخاصة.

وفي نهاية المسلسل، تتجه بشاير إلى منزل أهلها، في خطوة توحي برغبتها في الابتعاد عن العلاقة، لكن الأحداث لا توضح ما إذا كانت ستتمكن من إنهائها نهائياً، أو ما الذي سيضمن عدم تكرار العنف إذا قررت العودة. وهنا تبرز إحدى محدوديات المعالجة الدرامية، إذ تبقى القضية محصورة إلى حد كبير في إطار العلاقة الزوجية، من دون إظهار واضح لدور المؤسسات في حماية المرأة وضمان سلامتها. فالعنف ضد المرأة ليس مجرد خلاف عائلي يمكن حله بالمصالحة أو تدخل الأهل، بل هو انتهاك لحقوقها يستدعي توفير الحماية وضمان قدرتها على العيش بأمان.

مسلسل “ريحانة”: دور الإيواء وحماية النساء المعنّفات

في مسلسل “ريحانة” (٢٠١٤)، تتجاوز معالجة العنف ضد المرأة عرض معاناة النساء داخل أسرهن، لتتناول سبل حمايتهن من خلال شخصية ريحانة (حياة الفهد)، مديرة دار لإيواء النساء المعنّفات. وتكمن أهمية هذا الطرح في أن المسلسل قدّم تصوراً لآلية التعامل مع بلاغات العنف، حتى قبل التفعيل الرسمي لدور إيواء النساء المعنّفات في الكويت. إذ تظهر الشرطة وهي تستقبل بلاغات النساء بجدية وتوجّههن إلى دار الإيواء، في طرح يؤكد أهمية توفير بدائل آمنة للنساء اللواتي يتعرضن للعنف، بدلاً من إعادتهن إلى البيئة التي تهدد سلامتهن.

ويتسع نطاق القضايا التي يعرضها المسلسل ليشمل صوراً متعددة من العنف والتسلط، لا تقتصر على العلاقة الزوجية. فمن بين الشخصيات امرأة تتعرض للعنف بسبب الخلافات المتعلقة بالميراث، وأخرى أرملة يحاول والدها فرض الزواج عليها، إلى جانب امرأة غير كويتية يستغلها رجل كويتي بالزواج منها سراً، ثم ينكر زواجه منها بعد حملها، خشية انكشاف الأمر لزوجته الأولى. وتكشف هذه القصص عن اختلاف الظروف التي تتعرض فيها النساء للعنف والاستغلال، وعن دور العلاقات الأسرية والاجتماعية، فضلاً عن الهشاشة القانونية والاجتماعية، في تعميق معاناتهن.

أما قصة ثريا (أسيل عمران)، وعلاقتها بحسين (عبد الله بوشهري)، فتطرح قضية عضل الولي، إذ يرفض والدها زواجها من حسين بسبب الفوارق الاجتماعية بينهما. وعندما تلجأ ثريا إلى المأذون الشرعي، يوضح لها أنه لا يستطيع تزويجها من دون موافقة وليّها، وينصحها بمحاولة إقناع والدها. كما يوضح لها أنه إذا استمر والدها في الرفض من دون مسوّغ مقبول، فيجب عليها اللجوء إلى القضاء لرفع قضية عضل، باعتبار ذلك حقاً من حقوقها. وتكمن أهمية هذا المشهد في أنه لا يكتفي بعرض المشكلة، بل يعرّف المشاهد بحق المرأة في مواجهة تعسف وليّها عبر المسار القانوني، ويؤكد أن رفض الولي لا ينبغي أن يحرمها من حقها في اختيار شريك حياتها.

ومع ذلك، تثير بعض تفاصيل المسلسل تساؤلات حول مفهوم الحماية نفسه، إذ تُفرض على المقيمات في دار الإيواء قيود تشمل منع استخدام الهواتف والتلفاز وتقييد الخروج بحجة حمايتهن. وهنا يظهر التناقض بين توفير بيئة آمنة للنساء وبين فرض قيود إضافية على حريتهن، بما يطرح تساؤلاً حول الحدود التي ينبغي أن تقف عندها إجراءات الحماية، حتى لا تتحول إلى شكل آخر من أشكال السيطرة.

الدراما وقضايا المرأة اليوم

تناول مسلسلا “العائلة” و”ريحانة” العنف ضد المرأة بوصفه قضية محورية في أحداث كل منهما. ورغم أن المعالجة في كليهما لم تكن مكتملة، فإنهما أسهما في طرح القضية وفتح الباب أمام تناول قضايا نسوية أعمق في الدراما الكويتية، وهو ما يجعل تجربتهما جديرة بالتوقف عندها.

أما اليوم، فتتطلب معالجة قضايا المرأة مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتراب من تجارب النساء كما يعشنها، بعيداً عن المبالغة أو تقديم حلول سهلة لمشكلات معقدة. كما أن مخاطبة الأجيال الجديدة تستلزم شخصيات مقنعة وحكايات تنطلق من واقع المجتمع وتفاصيل الحياة المعاصرة. فلم يعد كافياً الاكتفاء بتراجع مشاهد العنف المباشر، بل بات من الضروري أن تتناول الدراما قضايا المرأة بعمق، وأن تمنح المساحة لتجاربها وتحدياتها، بما يجعلها أكثر قدرة على ملامسة الواقع وطرح الأسئلة التي تستحق النقاش.

ومن الأمثلة اللافتة تجربة الدراما المصرية خلال السنوات الأخيرة، وتحديداً مسلسل “تحت الوصاية” (٢٠٢٣)، الذي تناول معاناة أم أرملة تسعى إلى إعالة طفليها، في مواجهة قيود قانونية تحدّ من سلطتها في إدارة أموالهما بعد وفاة والدهما. وقد تجاوز أثر المسلسل التفاعل الجماهيري، ووصلت القضية إلى نقاشات في مجلس النواب المصري حول قانون الوصاية على أموال القاصرين، بما أظهر قدرة العمل الدرامي على تسليط الضوء على إشكالية قانونية تمس حياة النساء وأسرهن، ونقلها إلى المجال العام.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

سلاسل الرعاية المهاجرة: حين يُباع “حنان الفقيرات” في السوق الخليجي

النسوية الحقيقية في منطقتنا هي التي تبدأ من حقوق العاملة المهاجرة، وتطالب بتفكيك نظام الكفالة، وبناء مجتمع يقدر “الإنسان” فوق “السلعة”، ويكشف زيف المناصب حين تُبنى على حساب كرامة العاملات.