
“سوفا ٥٣” .. ليست الأرض فقط.. وليست المياه فقط
واهم من يعتقد أن مستجدات دولية وإقليمية دفعت قادة الكيان الصهيوني إلى إخراج ملفات احتلال وقضم الأراضي العربية من خزائنهم، ومنها بطبيعة الحال مشروع “سوفا
جاءت نتائج انتخابات البرازيل عكس ما تشتهي سفن ترامب نتانياهو، وشكلت صفعة لأحلامهما في إطباق الهيمنة على أميركا الجنوبية بعد تحقيقهما لإنجاز استراتيجي في كل من فنزويلا وكولومبيا. إن عدم سقوط البرازيل، أكبر دول جنوب القارة مساحة، وعملاقها الاقتصادي، وتمكنها من الحفاظ على موقعها إلى جانب قوى التحرر والتقدم، يعطي فرصة أخرى لحزب العمال، من يسار الوسط الإصلاحي، ولكل مكونات القوى السياسية والاجتماعية التي منحت أصوات جماهيرها للرئيس لولا، لتقيم المرحلة التي سبقت الانتخابات، واستخلاص العبر الضرورية من أجل وضع خطة استراتيجية تغلق الأبواب أمام عودة اليمين الفاشي الرجعي إلى سدة الحكم. هذا يستدعي إحداث التغيير الجذري الضروري في البنية الاقتصادية – السياسية والاجتماعية بما يتلاءم والدور الذي تطمح أن تلعبه البرازيل إقليمياً ودولياً كقوة مؤثرة في أحد أهم الأقطاب العالمية: البريكس.
هذا المطلب وهذه الرغبة تصطدم بواقع حزب العمال البرازيلي، الذي ينتمي عملياً للاشتراكية الديمقراطية، ذات الإيديولوجية البرجوازية الإصلاحية. هذا الحزب، الأكبر في البلاد والقارة تتعايش داخله، منذ تأسيسه عام ١٩٨٠، تيارات أيديولوجية مختلفة، عرقلت تطوره باتجاه تبني الفكر الاشتراكي العلمي. رغم ذلك أدى تبنيه لبرامج سياسية واقتصادية مناهضة “للرأسمالية المتوحشة” ودعوته للعدالة الاجتماعية ودعمه للقوى التقدمية والتحررية في القارة والعالم، وخاصة للقضية الفلسطينية، ووقوفه مع الرئيس التقدمي والثوري الفنزويلي، هوغو شافيز، ودفاعه عن النظام البوليفاري الجديد المعادي للإمبريالية والصهيونية وتضامنه مع كوبا ونيكاراغوا، أدّى إلى تدعيم شعبية لولا وحزب العمال بين الأوساط الشعبية ومهد لعلاقات وثيقة مع كافة القوى اليسارية في البلاد، ساهمت هذه السياسة في وصول لولا وحزب العمال إلى الحكم عام ٢٠٠٣. وقد استمر حكم حزب العمال مع حلفائه من العام ٢٠٠٣ حتى الثلث الأخير من العام ٢٠١٣.
طوال هذه الفترة في الحكم لم يتبنَ لولا وحزبه أي استراتيجية تتعاكس مع النظام الرأسمالي، ولم يطرح كما فعل شافيز بناء ” الاشتراكية ” في البرازيل، ولم يعلن العداء للإمبريالية كسياسة رسمية للدولة. لذا، رغم اتساع وشمولية علاقاته مع القوى المعادية للإمبريالية ومع قوى التحرر، لم تعلن الإدارات الأميركية، بمختلف ألوانها العداء لنظامه بل كانت تتعامل معه بحذر، وكانت تعتبره منافساً لها في القارة، يهدد مصالحها وبعض مشاريعها واستراتيجيتها للهيمنة على القارة.
أما الآن، وفي هذه المرحلة من مراحل تطور الأزمة العامة للمجتمع والنظام الأميركي، في عالم معقد ومتحرك، يشهد انحساراً لنفوذ أميركا وأفول ” قيادتها ” للعالم، مما يوفر كافة الشروط الموضوعية لميلاد عالم متعدد الأقطاب، تصبح البرازيل ذات موقع هام جداً فيه، ليس فقط للولايات المتحدة بل لمجمل النظام الامبريالي الغربي. البرازيل، رغم موقعها الجغرافي الأميركي – اللاتيني تذهب إلى الانتماء السياسي الاقتصادي الآسيوي من خلال انتمائها الى دول البريكس التي هي آسيوية (روسيا ثنائية الانتماء الجغرافي) صاعدة بامتياز، فهي تحتوي على أهم مصادر الطاقة والمعادن وتملك أهم وأكبر الأسواق الاستهلاكية. هذا بالضبط ما يقلق الإدارة الأميركية الحالية التي تعتبر أن البرازيل التي يحكمها لولا و”اليسار” هي البوابة التي من خلالها تتسرب الصين، العدو رقم واحد، الى أميركا اللاتينية مما يفقد الولايات المتحدة إمكانية السيطرة على كل القارة ويبقي الأبواب مفتوحة لعودة حكم اليساريين إلى بلدان أخرى. هذا ما أشارت إليه رسالة التهنئة التي أرسلتها القيادة الكوبية للرئيس المنتخب لولا دا سيلفا والتي جاء فيها ” إن فوز لولا دا سيلفا وإعادة انتخابه يحيي الأمل من جديد لإعادة بناء وتوحيد الوطن الكبير اللاتيني – الكاريبي واستمرار النضال من أجل العدالة والسلام”.
لم تكن كوبا هي المهنئ الوحيد، لقد أرسلت كافة الحكومات في القارة تهانيها للرئيس لولا، مؤكدة على أهمية التعاون والشراكة الاقتصادية مع البرازيل، ما عدا الرئيس السلفادوري أبو كيلة، والرئيس الأرجنتيني هافيير ميليي، كلاهما يميني ويدعمان الكيان الصهيوني، عبرا شكوكهما بنزاهة الانتخابات، ووقفا إلى جانب الرئيس الأميركي ترامب الذي هو أيضاً شكك بنزاهتها، وهرَّب المرشح الخاسر إلى الولايات المتحدة لتجنيبه المحاكمات في بلاده بتهم غسيل الأموال والفساد.
إذاً، الولايات المتحدة تحاور مرغمة على إعادة ترتيب أوراقها في القارة، وفق المعطيات الحالية، وتعمل على استثمار إنجازاتها السياسية في كل من فنزويلا وكولومبيا، بوضع خطط وبرامج لا تسمح بعودة القوى اليسارية والتقدمية إلى الحكم من جديد. ولكن شتان ما بين الرغبة والتمني والواقع الحقيقي، لأن شعوب القارة استفاقت ولن تستطيع أي قوة أن تعيدها إلى “الكهف” الذي أحرقته بعد أن خرجت منه وأحرقت معه أحلام أميركا بأن تجعل من جديد السيطرة على أميركا اللاتينية منصتها للهيمنة على العالم.
إن شعوب القارة وقواها التقدمية مطلوب منها أن تسقط مبدأ هينري كيسنجر الذي يقول “بأن أميركا اللاتينية، حديقتنا الخلفية، ليست مهمة لنا فقط اقتصادياً وسياسياً، بل ضرورية من أجل أن نفترض هيمنتنا على العالم. فإذا لم نستطع أن نهيمن على حديقتنا الخلفية ونقودها لن نستطيع قيادة العالم”، هنا يكمن التحدي التاريخي للهيمنة الأميركية. إن إفشال استراتيجية الهيمنة تحتاج إلى تراكمات، وتحالف وثيق بين القوى الأكثر تضرراً من هيمنة الإمبريالية وأداتها الحركة الصهيونية، في الوطن العربي وأميركا اللاتينية.
إن التحالف الاستراتيجي بين شعوب المنطقتين وقواها التحررية هو أكثر من ضرورة تاريخية بل بات ملحاً؛ لأن المنطقتين هما آخر معاقل النظام الرأسمالي الإمبريالي الآخذ في الترنح تحت ضربات الأزمات القاتلة.

واهم من يعتقد أن مستجدات دولية وإقليمية دفعت قادة الكيان الصهيوني إلى إخراج ملفات احتلال وقضم الأراضي العربية من خزائنهم، ومنها بطبيعة الحال مشروع “سوفا

الدعوات إلى التحرك التي لم تقابل بالهدوء والتفهّم؛ بل، على العكس من ذلك، كان رد الحكومة على مطالبتها بوضع حد للتقصير أن عمدت إلى قمع الإضراب والتظاهرات بعنف لم يسبق له مثيل

ربما سيفترض كثيرون أن الحديث عن تفكيك البرجوازية الكويتية وإعادة تركيبها وتعزيز رأسمالية الدولة هو موضوع نظري نخبوي أقرب ما يكون إلى الترف الفكري، ولكن

من جوف المآسي يوجد اﻷمل” فإننا نجد بصيص النور في تحرك ضمير البشرية في وجه الظلم والطغيان الصهيوني ما يؤصل قيم الكرامة والعدالة والمساواة الإنسانية ويؤكد أن القضايا العادلة ﻻ تسقط بالتقادم



