الجيل الرقمي والمقاومة الحديثة: الشباب .. التكنولوجيا .. وإحياء الوعي العالمي

-+=

لم يعد النضال الفلسطيني اليوم محصوراً في الجغرافيا، ولا مقيداً بحدود المكان أو أدوات المواجهة التقليدية. لقد أفرزت التحولات الرقمية جيلاً جديداً من الفاعلين السياسيين، أعادوا تعريف معنى المقاومة، ووسّعوا ساحتها لتشمل الوعي، الذاكرة، والسردية العالمية. في هذا السياق، يبرز “الجيل الرقمي” بوصفه خط الدفاع الأمامي في معركة الرواية، حيث أصبحت الكلمة، الصورة، والبث المباشر أدوات مواجهة لا تقل أثراً عن أي وسيلة أخرى.

في زمن تتحكم فيه الخوارزميات بالرأي العام، لم تعد المشاهدة عبر الهاتف فعلاً سلبياً أو ترفاً رقمياً، بل تحولت إلى ممارسة مقاومة واعية، خصوصاً لدى الشباب الفلسطيني. مع بداية الإبادة في قطاع غزة، وغياب الصحفيين الأجانب والعرب، لم يمنع التعتيم الإعلامي الحقيقة من الانتشار، بل فتح المجال أمام جيل حمل هاتفه ليكون شاهداً وموثقاً.

وقد كشفت دراسة صادرة عن DAWN بعنوان Accounting for the Biases in U.S. Media Coverage of Gaza  أن الصحف الأميركية كانت تنشر مقالاً واحداً عن وفاة إسرائيلية مقابل أربع وفيات فلسطينية في بعض المنافذ. كما أظهر تقرير آخر أن ٧٦ ٪ من المقالات المصنفة على الإنترنت وُصفت الإبادة بأنها “حرب إسرائيلية ضد حماس”، بينما لم يُذكر مصطلح “فلسطين/فلسطيني” سوى في ٢٤ ٪ فقط من التغطيات، وفق تقرير Muslim Council of Britain.

أمام هذا الانحياز الواضح، تحوّل الشباب من متلقين إلى فاعلين، كاشفين التزييف، ومستخدمين الأدوات ذاتها التي يوظفها الاحتلال، ولكن لصالح الحقيقة.

تاريخياً، كان النضال يعتمد على المسيرات، الصحف المطبوعة، والإذاعات المحلية. أما اليوم، فقد انتقل إلى الهاشتاغات، البث المباشر، والمنصات الرقمية. هذا التحول لم يكن اختياراً تجميلياً، بل ضرورة فرضها تغيّر الواقع الإعلامي.

تقرير Centre for Media Monitoring حلّل ١٧٦,٦٢٧ مقطعاً تلفزيونياً و٢٥,٥١٥ مقالاً من ٢٨ موقعاً إلكترونياً خلال الفترة من ٧ أكتوبر إلى ٧ نوفمبر 2023، وأثبت تشويهاً ممنهجاً للسرد الفلسطيني. كما أظهرت دراسة أخرى أن شبكتي CNN وMSNBC تعاملتا مع الوفيات الإسرائيلية بإنسانية أعلى، رغم أن الوفيات الفلسطينية كانت أعلى بنسبة ٥٠٠ ٪ خلال أول ١٠٠ يوم من الإبادة، وفق The Nation. في مقابل هذا الانحياز، ملأت منصات التواصل هذا الفراغ الأخلاقي، حيث قاد “جيل زد” و”جيل الألفية” عملية نقل الرواية الفلسطينية إلى المجال العام العالمي.

غزة ليست مجرد منطقة محاصَرة، بل مختبر قسري لأكثر أشكال المقاومة الرقمية ابتكاراً. وفق تقارير، ٩٧.٣ ٪ من الأسر في غزة تمتلك هاتفاً جوالاً، بينما تصل نسبة الوصول إلى الإنترنت إلى ٧٢.٧ ٪، رغم التدمير شبه الكامل للبنية التحتية.

أمام انقطاع الكهرباء والإنترنت، لجأ الشباب إلى حلول بديلة مثل: الشحن بالطاقة الشمسية وبطاريات السيارات، استخدام شرائح رقمية وشبكات اتصال بديلة ولم تعد “الصحافة الشعبية” خياراً إضافياً، بل أصبحت النافذة الوحيدة لمعرفة ما يجري على الأرض. مبادرات مثل We Are Not Numbers مكّنت الشباب من نشر قصصهم بالإنجليزية والعربية، وضخها إلى العالم، مؤكدة أن الحصار لا يمكنه خنق الصوت الإنساني، وفي المقابل لا ننسى بأن الى جانب هذا الابتكار، الشباب الفلسطيني أصبح معرضاً للاستهداف من قبل الاحتلال من خلال اختراق الهواتف والرقابة الالكترونية، مما يشكل تهديداً حقيقياً على حياتهم.

ما بدأ في غزة لم يبقَ محلياً، بل تحوّل إلى موجة عالمية يقودها “جيل زد”. تحليل بعنوان:
Gen Z and Palestine: how social media activists are changing journalism forever أظهر أن شباب “جيل زد” أصبحوا بديلاً فعلياً للصحافة التقليدية في تغطية فلسطين.

كما أشارت بيانات ACLED إلى أن ١٧ ٪ من نحو ٤٨.٠٠٠ مظاهرة مؤيدة لفلسطين خلال السنتين الماضيتين جرت في أوروبا وآسيا الوسطى، مقابل ٤٦ ٪ في الشرق الأوسط. هذا التحول يعكس قدرة الشباب على ربط القضية الفلسطينية بقضايا العدالة الاجتماعية، من المناخ إلى مناهضة الاستعمار والرأسمالية والطبقية.

وفي سياق تعاون الأجيال في سبيل النضال، لا تمثل الفجوة بين الأجيال قطيعة، بل اختلاف أدوات. فبينما تمتلك الأجيال السابقة الذاكرة والتنظيم والخبرة، يمتلك الشباب السرعة، الانتشار، والقدرة على التكيّف الرقمي. المطلوب ليس الاستبدال، بل التكامل.

من بين مقترحات الشراكة:

  • حلقات توجيه بين ناشطين قدامى وصناع محتوى شباب.
  • برامج تدريب مشتركة على نقل الرسائل دون فقدان العمق.
  • تحويل أرشيف الحركات القديمة إلى محتوى رقمي مرئي ومسموع.

يبقى الوعي ناقصاً إن لم يتحول إلى ممارسة. تقرير UNESCO Digital Literacy for Youth 2024 أشار إلى أن دمج التربية الإعلامية خفّض انتشار الأخبار المضللة بنسبة ٣٨ ٪.

كما أظهرت دراسة لمركز 7amleh 2024  أن أكثر من ٦٨ ٪ من النشطاء الفلسطينيين عانوا من أعراض إرهاق نفسي بسبب التعرض المتكرر لمحتوى العنف. لذلك، يصبح الأمان الرقمي والدعم النفسي جزءاً لا يتجزأ من المقاومة.

ما نعيشه اليوم ليس معركة أرض فقط، بل معركة سرد وذاكرة. حاول الاحتلال محو الصورة، لكن الشباب أعادوا رسمها. حاول إسكات الصوت، لكن كل هاتف تحوّل إلى منبر.

لقد أثبت الجيل الرقمي أن المقاومة ليست فقط بالبندقية، بل بالكاميرا، بالكلمة، وبالإصرار على أن يُقال “لا” حين يُراد للحق أن يُطمس. هكذا يصبح الوعي بذرة، والمعرفة جذراً، والفعل ثمرة تتوارثها الأجيال.

Author

  • جواهر الرويعي

    فنانة تشكيلية وناشطة بحرينية في مجالات الوعي الاجتماعي والسياسي. تهتم بدمج التكنولوجيا والإعلام الرقمي في الحراك الحقوقي.

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

جريمة دفن الآثار.. محو ذاكرة بيروت

تدمير وطمس آثار بيروت ومحو ذاكرة شعبها وتهجيره وتحويل هذه القلعة الأثرية إلى شركة خاصة تعتبر جريمة العصر. هذا ما يسميه باحثو التراث والآثار بـ “الهندسة السياسية للذاكرة”.

المنتدى الإعلامي الدولي في موسكو:” الحقيقة ضد الفاشية الجديدة “

القوة الاقتصادية والسياسية المتنامية لدول الجنوب العالمي تجعل الفضاء الإعلامي العالمي متعدد الأوجه بشكل متزايد. لقد ولّى عهد الدول الغربية التي كانت قادرة على تضليل الرأي العام العالمي دون عقاب

محو ذاكرة الشعوب مخطط أميركي لإعادة تشكيل الوعي الاجتماعي

مواجهة محاولات القوى الأجنبية لإضعاف الهوية الوطنية تتطلب تكامل جميع الأدوات الوطنية، بدءاً من التوعية والتعليم، مروراً بالحفاظ على الثقافة والاستقلال الاقتصادي، وصولاً إلى صيانة القرار السياسي