«تقدُّم»… نتاج مباشر للديمقراطية

-+=

مجلة «تقدُّم» ليست مجرد محتوى يتناول السياسة والثقافة والفكر وقضايا الساعة وشؤون الوطن، بل هي تعبير عن إفرازات ثرية لمسيرة الكويت الديمقراطية التي ترسخت عبر تاريخ الكويت، يتوّجها إعلان دستور ٦٢، وبَدء عمليات الانتخابات والترشيح وما رافقها طوال هذه السنوات من حوارات، ونقاشات، وعمل وطني، وصحافة حرة، ومواطَنَة صادقة ومخلصة وغيرها من حراك فكري وثقافي ومؤسسي وسياسي وأدبي وفني ووطني.

الشباب القائم على إصدار مجلة «تقدُّم» هم نتاج وانعكاس مباشر لعملية طويلة امتدت لأكثر من مئة عام من المُمارَسَة الديمقراطية، والحرية، والمشاركة الشعبية، والمسؤولية الوطنية، ولتُتَوّج هذه المسيرة بمواطَنَة صادقة استقرت في قلب كل كويتي وكويتية، وأفرزت لنا عقولاً وضمائر حية ومسؤولة يشترك فيها شباب مجلة «تقدّم» مع شباب الكويت كافة.

المُمارَسَة الديمقراطية عملية تراكمية، وليست موسمية، هي ليست رفاهية بل أساس من أسس بناء الدولة والمجتمع بشكل عادل ومستقر، وإذا ما هي استقرت في وعي أي مجتمع، فإنها تؤدي إلى نتائج مذهلة عبر تراكمها لسنوات ولأجيال. أما اختزالها في عمليات تصويت واقتراع، على أهمية ذلك، فإنه يُفقدها قدراً كبيراً من قيمتها، فالديمقراطية نهج ومسار ومُمارسة مستمرة تعزز قدرة الفرد على التفاوض وبناء التحالفات السياسية، وترسّخ مهارته في صنع القرار، وتوطّد علاقته بمؤسسات الدولة، وتُنمّي لديه الإحساس بالمسؤولية الوطنية.

لطالما شكّلت مسيرة الديمقراطية في الكويت حالة خاصة، وإن كانت جدلية عند البعض، وذلك في ظل صراعها الطويل بين الانفتاح والانكفاء. لكن، وبالرغم من كل العثرات التي واجهتها، يبقى الانخراط فيها ومن كافة أطياف الشعب الكويتي، كافياً وشاهداً على أننا نحصد اليوم نتاجاتها على هيئة وعي شبابي بالمسؤولية، وقيمة الحرية، ومكانة التعبير الحر عن الرأي. هذه القيمة الوطنية لمسيرة الكويت الديمقراطية، ما كانت لتصبح واقعاً نراه في شباب «تقدُّم» وغيرهم من شباب وشابات الكويت، ما لم تكن هنالك بدايات رسّخها الآباء في مجالس مُنتَخَبَة منذ عشرينيات القرن الماضي.

نحن اليوم نحصد مسيرة آبائنا الأولين، ونحصد معها إقرار دستور ١٩٦٢ الذي وهب الكويت شأناً خاصاً جعل العالم يقف له احتراماً ابان احتلاله لأنه دولة تستحق الحرية، فهي تملك دستوراً ومجلساً مُنتَخَبًا، وحرية تعبير. فالتجربة الديمقراطية الكويتية، وبالرغم من كل التحديات التي واكبتها في مسيرتها، تعتبر فريدة في المنطقة من حيث قدرتها على تشكيل بُنية ثقافية جعلت من الحريات والحقوق والانتخابات والحوارات والندوات جزءاً من الهوية الكويتية.

الكويت اليوم تقف على مفترق طرق يتطلّب جهوداً ملموسة ومن كافة الأطراف لتحويل الديمقراطية فيها من ديمقراطية قائمة على استنزاف لأدوات دستورية كالاستجواب والمساءلة والمراقبة، إلى ديمقراطية انجاز وعمل وتطوير وبناء، وذلك باستخدام أدوات مُعتَمَدَة عادة في مثل هذه التحولات، مثل ربط المساءلة بالمسؤولية، وتنظيم العمل الحزبي، وترتيب العلاقة بين المؤسسات، ورسم برامج انتخابية حقيقية، وتحقيق مثل هذه الأهداف لا يكون إلا من خلال إرادة سياسية ومجتمعية حريصة على تطوير المسار الديمقراطي في الكويت. لكن تبقى في النهاية نتاجات الديمقراطية محسوسة وملموسة نلمسها في تشكّل الوعي العام وحرصه على مواكبة كل القضايا، محلية كانت أم إقليمية أم دولية، ونحسها كل يوم في وعي شبابي وطني تحركه مشاعره بالمسؤولية تجاه أرضه وأهله. نراها كل يوم في مواطن كويتي منحته تجربة كهذه وعياً مختلفاً جداً وإحساساً حاضراً دوماً بالمسؤولية تجاه مستقبله وأرضه وأهله.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

عن السؤال المتكرّر والمسموم: مَن بدأ أوّلاً؟

لا ينبغي أن نجيب عن سؤال “مَن بدأ أوّلاً” بشروطهم. الإجابة عنه أيّاً كانت، هزيمة سابقة لأوانها؛ لأنّها تسليم ضمنيّ بأنّ للتاريخ أن يبدأ حيثما شاءت القوّة أن يبدأ. المطلوب ليس الفوزَ في مسابقةٍ حول نقطة الصفر، بل رفض السؤال ذاته، واستعادة السؤال الحقيقيّ الذي يحاول أن يدفنه: ليس “مَن أطلق الرصاصة الأولى في هذه الجولة؟”، بل “مَن فرض الشرط الذي يجعل الرصاص حتميّاً؟”.

جنوب أفريقيا: كيف أعادت النيوليبرالية إنتاج الأفروفوبيا؟

تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه الخطابات إلى وقود لصراعات أهلية ذات طابع عرقي وإقليمي، بما يخدم مصالح النخب الساعية إلى الحفاظ على امتيازاتها. وتقتضي مواجهة هذه النزعات أن يبدأ التنظيم الشعبي من الواقع المادي الذي يعيشه الناس، ومن المشكلات التي تشكل حياتهم اليومية، وهو ما عبر عنه أميلكار كابرال حين أكد أن الجماهير تتحرك انطلاقًا من احتياجاتها المادية لا من الشعارات المجردة

كأس العالم: أفراح وخيبات أمة

أن تحمل آمال أمة وطموحها وفي نفس الوقت تحاول أن تزيل همومها وشقاءها فتلك مهمة عسيرة جداً، هذا ما حاول المنتخب المصري ونظيره المغربي أن