قضية تحرّر المرأة هي ركن رئيس من أركان النضال من أجل إلغاء التمييز ضدها في سبيل مجتمعات تتحقق فيها المساواة بينهما في الحقوق والواجبات. في هذا الحقل نتوقف سريعاً عند قضية المساواة بين المرأة والرجل في لمعات بالفكر الصوفي، من خلال إبراز “الحب الإلهي” عند رابعة العدوية، ورأي ابن عربي في المساواة بين المرأة والرجل في الإنسانية وأهليتها الفكرية والعلمية والدينية، مع لمحة سريعة حول غزله بنظام بنت الأصفهاني.
رابعة العدوية
هي رابعة بنت إسماعيل العدوي من المعروفات بـ “الزهد”، ارتبط اسمها بـ “الحب الإلهي” الذي يعتبر من أبرز المفاهيم في التصوف. نُسبت إلى رابعة العدوية أقوال عديدة وحيكت حولها قصص أسطورية كثيرة. وهي أقوال ومواقف تحمل الكثير من الشك الموضوعي حول صحة ارجاعها إلى رابعة العدوية، ويمكن تركيز ذلك في مسألة منهجية لخصها الشهيد حسين مروة في ملحمته الفلسفية “النزعات المادية….” بـأنه “اذا استبعدنا عن هذه الشخصية كل العناصر الأسطورية المضافة اليها في تاريخ التصوف، وكل العناصر الغريبة عن عصرها، تبقى بأيدينا منها، مع ذلك، حقيقة تاريخية تسجل انه برز عبر هذه الشخصية بالدرجة الأولى، في النصف الأخير من القرن الثاني الهجري، احد اهم مفاهيم التصوف، وهو مفهوم «الحب الالهي». ونحن لا نجادل في هذا وانما نجادل في تحميل هذا المفهوم في عصر رابعة وفي شخصها وجيلها اكثر مما تسمح طبيعة ذاك العصر وذاك الجيل ان تحمل” (مروة حسين، النزعات المادية في الفلسفة العربية – الإسلامية، ج٢، ص. ١٨٤).
لا تتفق معظم الروايات التاريخية على سنة محددة لولادة رابعة العدوية ووفاتها التي اختلفت ما بين عامَي 135هـ و185هـ، ولا يوجد أي أعمال مكتوبة لرابعة العدوية تعبر فيها عن آرائها. من ناحية حياتها الاجتماعية عانت رابعة من الفقر ومآسيه، أما المأساة الكبيرة التي وقعت عليها، بحسب الروايات، فهي تعرضها للأسر من قبل أحد قطاع الطرق الذي باعها لرجل عاملها بقسوة وفرض عليها العمل المضني.
وجدت رابعة في مناجاتها سبيلاً للتمرد على الواقع ومعيناً لتحمله عبر ما يعرف بـ “العشق الإلهي” أو “الحب الإلهي”، الذي ميز زهدها ويمكن اختصاره بأنه “الفناء في الحب” للخروج، بالوهم، من الواقع الموضوعي، وتطوّر في ما بعد مع المتصوفين. ومن شخصيات “الزهد” التي تأثرت بها رباح بن عمرو القيسي وكان له دوره في قلب حياة رابعة نحو الزهد، وإبراهيم بن أدهم وهو من شخصيات الزهد المعروفة.
من أشهر قصائد الشعر المنسوبة إلى رابعة في “الحب الإلهي” والفناء فيه:
أحـبّــكَ حُــبــَّيـن؛ حـــبَّ الــهَوَى .. وحُـبّاً لأنـكَ أهْـلٌ لـذَاكَ
فأما الذي هو حُبّ الـهَوى ..فشُغْلي بذكرِك عمَّن سوَاكَ
وأما الذي أنتَ أهلٌ لهُ..فـكَشْفُكَ للحُجْبَ حتى أرَاكَ
ترجمان أشواق ابن عربي
لخَصَ ابن عربي (1164م- 1240م) مذهبه بقوله: “أدين بدين الحبِّ أنَّى توجَّهت، ركائنهُ فالحب ديني وإيماني”.
المعروف ان ابن عربي تتلمذ على نساء منهن فاطمة بنت المثنى القرطبي، وشمس “أم الفقراء”، وزينب القلعية وغيرهن من النساء، ما يدل على مكانة المرأة في الحياة الفكرية وموقعها فيها. وقد أحبَّ ابن عربي نظام بنت الشيخ أبي شجاع بن رستم الأصفهاني وهو من العلماء البارزين في مكة. تعرَّف ابن عربي إلى نظام «قرة العين»، «عين الشمس»، في بيت والدها، وكَتَبَ ديوانه “ترجمان الأشواق” وصف في مقدمته نظام «عين الشمس» فقال:”وكان لهذا الشيخ بنت عذراء، طفيلة هيفاء، تقيد النظر، وتزين المحاضر، وتحير المناظر، تسمى بالنظام وتلقَّب بعين الشمس والبهاء، من العابدات العالمات السابحات الزاهدات… ساحرة الطرف، عراقية الظرف، إن أسهبت أتعبت، وإن أوجزت أعجزت، وإن أفصحت أوضحت، إن نطقت خَرِسَ قُسُّ بن ساعدة، وإن كرُمت خَنِسَ معن بن زائدة، وإن وَفَتْ قصّر السموأل خُطاه…”. يلاحظ، بشكل سريع، أن وصف ابن عربي لنظام «عين الشمس» لا يقتصر على وصف جمالها بل إنه إلى جانب ذلك يشير إلى انها عَالِمة ولها قدرات بلاغية وفكرية…
تعرض ابن عربي للنقد حول ما كتبه في “ترجمان الأشواق” وغزله بنظام ووصفه لجمالها… لذلك شرح ما “قصده” في “ترجمان الأشواق” في كتاب عنونه بـ “ذخائر الأعلاق في شرح ترجمان الأشواق“، عمل فيه، على جري عادة المتصوفين، على تأويل شعره بمعنى أن ما ورد فيه عبارة عن رموز تأخذ معاني الظاهر لتعبر عن الباطن وتأخذ إليه بالمفهوم الصوفي الميتافيزيقي. وبالتالي عمل ابن عربي في “ذخائر الأعلاق….” على تأويل حبه الحقيقي لـ «عين الشمس» النظام تأويلاً باطنياً وهو شكل من أشكال التعبير عن الواقع، عن الحقيقي، وحجبه بلغة الرموز ومضمونها الميتافيزيقي كشكل من أشكال الخروج السلبي عليه… رموز من مثل الأنوار، والأسرار الروحانية وغيرهما من الرموز الصوفية التي تعكس، وإنْ كانت رمزية، الواقع المادي وحالة النفس البشرية وأشواقها بمحاولة “تجاوز” الواقع بالوهم الميتافيزقي، برموز حمَّالة أوجه لإبقاء ثنائية ظاهر\ باطن بما يحول دون تحقيق الخروج على الواقع.
ابن عربي: “الذكورية والأنوثية إنما هما عَرَضان، ليستا من حقائق الإنسانية”
يعتبر ابن عربي أحد أبرز أعلام الفكر الصوفي الذين قالوا بالمساواة بين المرأة والرجل، ففي رسالته “عقلة المستوفر” باب “الكمال الإنساني” حول الخلافة والنيابة، كتب ابن عربي أن الخلافة “ليس مخصوصاً بها الذكورية فقط. فكلامُنا إذاً في صورة الكامل من الرجال والنساء. فإن الإنسانية تجمع الذكر والأنثى؛ والذكورية والأنوثية إنما هما عَرَضان، ليستا من حقائق الإنسانية”.
ووصل ابن عربي إلى قول أنه لا يوجد أي عائق لوصول المرأة إلى أعلى مراتب الولاية و”القطبية”، المقصود بالقطبية (صاحب الزمان، الغوث إلخ… في الفكر الصوفي)، فكل “ما صح أن ينال الرجل من المقامات والمراتب والصفات يمكن أن يكون لمن شاء الله من النساء” (ابن عربي، الفتوحات المكية، ج2). في نص ابن عربي يتجلى الخروج على الأيديولوجية المسيطرة ونظامها السياسي، في تلك المرحلة التاريخية، وما تفرضه من تمييز ضد المرأة بما يجعلها في منزلة دون الرجل، والخروج، في الوقت نفسه، على العادات والتقاليد الذكورية، كما أقرَ ابن عربي بالأهلية السياسية للمرأة بتأكيده إمكانية وصولها إلى خلافة الدولة الباطنة. ولكن ابن عربي في قوله بالمساواة بين المرأة والرجل لا يقول بوصول المرأة إلى النبوة؛ وهي، في الوقت نفسه، مساواة في دولة الباطن (الميتافيزيقا).
ما تقدم من عرض سريع، للمعة من لمعات رابعة العدوية في “الحب الإلهي” وبعض مواقف ابن عربي المتعلقة بالمساواة بين المرأة والرجل، لا يعني أن الفكر الصوفي يمثل ثورة جذرية على الواقع أو أنه البديل الثوري عنه، بل يمثل، كما حدَّد الشهيد حسين مروّة ثورة سلبية على الواقع وأيديولوجيته، مرتبطة بالشروط المادية التاريخية “الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، التي كانت ظاهرة التصوف احد انعكاساتها الفكرية” (مروة حسين، النزعات المادية في الفلسفة العربية – الإسلامية، ج٢، ص. 146) التي وجدَ فيها، وقد لجأ الفكر الصوفي في تأويله النص إلى القول بباطن للنص. من دون أن يعني ذلك إلغاء الجوانب الثورية فيه. ومن تجلياته البارزة المفهوم الصوفي للمعرفة المباشرة، الذي لا يميز فيه بين المرأة والرجل، ولكن هذه اللمعة “الثورية”، يغيب فيها مفهوم الدولة على أرض الواقع التي يستبدل بها “الدولة الباطنة”، أي أنه فكر يشطح – الشطح مفهوم صوفي- ينادي بالتغيير باستبداله الميتافيزيقا بالأرض، ويغيب فيها، أيضاً، العقل. لذلك لا يمكن نقض الأيديولوجية الميتافيزيقية بأيديولوجية تنطلق من تربة الأيديولوجية الميتافيزيقية نفسها، فهذا الشكل من النقض “باستحالته نقضاً روحياً، في عجزه أن يكون نقضاً مادياً، يتعطل النقد هذا في تحققه نفسه، ويتحقق في تعطله (…). إذ ينتقل من الأرض إلى الغيب، فينقلب استبداداً غيبياً (…). هذه النقلة من الأرض إلى الغيب، تجد في الأرض لا في الغيب تفسيرها” (عامل، مهدي، نقد الفكر اليومي، ص. ٢٦٨).
إن إبراز قضية المساواة بين المرأة والرجل عند ابن عربي، وبوح رابعة العدوية بـ “الحب الإلهي” الذي هو شكل من أشكال التمرد على الصورة النمطية للمرأة، وما يحمله الفكر الصوفي من لمعات “ثورية”، وإنْ كانت سلبية، هي محاولة لإظهار المنهجية المادية العلمية في قراءة التراث، التي افتتحها الشهيد حسين مروّة في “النزعات المادية ..”، منهجية تضيء على كل ما هو “ثوري”، وإن كان ميتافيزيقياً، في التراث وقابل للحياة انطلاقاً من المفهوم المادي العلمي الديالكتيكي للنفي بما هو نفي إيجابي يثبت تاريخية المعرفة الإنسانية المرتبطة بالواقع المادي الذي وجدت فيه وتطورت على أرضه. إنه تجاوز وإبقاء بالمفهوم المادي العلمي الديالكتيكي للنفي النقيض لمفهوم السلب الميكانيكي، المرتبط بالممارسة “البراكسيس”، كي يكون التراث أحد روافد حركة التحرر الوطني العربية، التي من صلبها قضية المساواة بين الرجل والمرأة، فهي ثورة في مواجهة الأيديولوجية البرجوازية المحنطة للتراث لتحويله، بالقسر، إلى سند أيديولوجي لها.