عقل الحداثة

-+=

يتناول هذا المقال العلاقة بين العقل والحداثة تأسيساً على أن العقل ليس جوهراً معزولاً عن التاريخ، بل نتاج تاريخي اجتماعي يتشكل في صيرورة الواقع وتحولاته. ومن منظور ماركسي، يسعى المقال إلى تحرير مفهوم الحداثة من الالتباسات التي أحاطت به، وبيان طابعه العالمي بوصفه ثورة ثقافية ارتبطت بنشوء الرأسمالية وتحوّل أنماط الإنتاج.

نشأت الحداثة في أوروبا الغربية، ولذلك شاع تصورٌ يختزلها في كونها ظاهرة أوروبية خالصة، فُرضت على مجتمعاتنا بفعل الاستعمار، ولا صلة لها بنا بدعوى خصوصيتنا الثقافية والحضارية. غير أن هذا التصور خاطئ؛ فالحداثة وإن نشأت في سياق أوروبي، فإنها ارتبطت تاريخياً بمرحلة الانتقال من نمط الإنتاج الإقطاعي إلى نمط الإنتاج الرأسمالي، أي أنها ظاهرة ملازمة لنشوء الرأسمالية. وبما أن الرأسمالية ظاهرة عالمية، فإن الحداثة كذلك ظاهرة عالمية.

بهذا المعنى، تكون الحداثة ثورة ثقافية داخل الرأسمالية، حطمت الأطر الثقافية القروسطية والإقطاعية، لا في أوروبا وحدها، بل في العالم كله، متجاوزة البنى التقليدية السابقة على الرأسمالية. ومن ثم، فإن استيعاب الشعوب العربية للحداثة وتملّكها لا يعني التماهي مع المركزية الأوروبية، بل يعني الانخراط في ثورة عالمية شبيهة، من حيث أثرها، بابتكار الكتابة في بلاد الرافدين.

أما في تناول مفهوم العقل، فينبغي التمييز بين مرحلتي ما قبل الحداثة وما بعدها. فقد برز العقل في نقائه البرهاني في اليونان القديمة ضمن نمط الإنتاج العبودي، ثم استأنف مسيرته بقوة في الحضارة العربية الإسلامية، ومنها انتقل إلى أوروبا الوسيطة. غير أن العقل في مرحلتي العبودية والإقطاع ظل عقلاً ميتافيزيقياً، وكان أرسطو المثال الأبرز له، إذ قدم منهجاً معرفياً متكاملاً يقوم على الربط بين اليقين الحسي واليقين العقلي عبر القياس المنطقي. وقد سيطر هذا المنهج على الإنتاج المعرفي في الحضارة العربية الإسلامية، ثم انتقل إلى أوروبا واستمر قروناً طويلة.

لكن الحداثة دشنت عقلاً مختلفاً: عقلاً علمياً لا ميتافيزيقياً. وفي هذا السياق جرى تحطيم العقل الأرسطي، لا سيما في مجال المعرفة الطبيعية. ففي العالم العربي جرت محاولات للتوفيق بين العقل الميتافيزيقي والنص الديني، لكنها فشلت، وانتصر الفقه الظلامي على محاولة ابن رشد. أما في أوروبا الغربية، فقد نجحت المصالحة بين الدوغما المسيحية والعقل الميتافيزيقي على يدي توما الأكويني، وهو ما مهّد لاحقاً لتجاوزه.

ما حدث في أوروبا لم يكن مجرد قمع أيديولوجي للعقل الميتافيزيقي، بل تحطيم برهاني له بوصفه موروثاً قروسطياً وإقطاعياً لم يعد يفي بحاجات البرجوازية الصاعدة. وفي هذا المناخ، أُعيد إحياء تيارات فكرية همَّشها العصر الوسيط، مثل الأفلاطونية والفيثاغورية والمادية الذرية والريبية الشكوكية، وكان لها دور كبير في التمهيد للثورة العلمية الكبرى وبناء منهج جديد في مقاربة الطبيعة.

لقد كانت الثورة العلمية الكبرى، لا التجريد الفلسفي وحده، هي التي وجهت الضربة الحاسمة للعقل الميتافيزيقي. فعلى الرغم من أهمية محاولات فرانسيس بيكون، فإن التحول الحاسم تحقق على يدي جاليليو، الذي أسس بمنهجه الجديد لبروز العقل العلمي الحديث.

هنا يمكن القول إن الثورة العلمية الكبرى الكوبرنيكية، التي نقلت مركز الكون من الأرض إلى الشمس، لم تكن قدراً أوروبياً خالصاً؛ إذ كان من الممكن أن تولد في الصين أو في العالم العربي الإسلامي، في بغداد أو دمشق أو القاهرة أو الأندلس، حيث توفرت إرهاصات علمية مهمة، غير أن البيئة التاريخية والاجتماعية لم تكن مهيأة لانفجارها. وقد اندلعت هذه الثورة في أوروبا الغربية والوسطى مع صعود قوى اجتماعية جديدة فقدت ثقتها بالموروث الثقافي السائد، واستمرت لأكثر من قرن، منذ عام 1543، عام نشر كوبرنيكوس كتابه حول دوران الأفلاك، حتى بلغت ذروتها مع نيوتن سنة 1687 في كتابه المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية. وخلال هذه المرحلة برزت أسماء كبرى مثل كوبرنيكوس، وبرونو، وكبلر، وجاليليو، وديكارت، وبويل، ونيوتن، ولايبنتز.

لقد حطمت الثورة العلمية الكبرى العقل الميتافيزيقي، ومهّدت الطريق لظهور فكر جديد في المعرفة والسياسة والاجتماع والجمال، بحيث لم يعد العقل الحديث مجرد امتداد للعقل اليوناني أو الوسيط. وهنا يبرز جاليليو بوصفه الشخصية المركزية التي فتحت المجال أمام العقل العلمي الحديث، إذ لم يكتفِ بنقد العقل الأرسطي كما فعل فرانسيس بيكون، بل قام بتحطيمه منهجياً. صحيح أن إرهاصات علمية سبقت جاليليو، كما عند أرخميدس وابن الهيثم والبيروني وغيرهم، إلا أنها بقيت تدور داخل الإطار الميتافيزيقي دون أن تتجاوزه.

تمثلت الثورة المنهجية لدى جاليليو في عدة مبادئ أساسية. أولها نقد الحواس؛ فبينما رفض أفلاطون الحواس وعدّها خادعة، وقبلها أرسطو بوصفها يقيناً يرتبط بالعقل عبر القياس المنطقي، رأى جاليليو أن الحواس ضرورية لكنها غير دقيقة، ولذلك تحتاج دائماً إلى أدوات قياس أكثر تطوراً. ومن هنا جاء تطويره للتلسكوب وفتح الباب أمام العلم الحديث القائم على التوسّع المستمر في أدوات القياس. وثانيها التمييز بين الذات والموضوع، إذ اعتبر أن للطبيعة خصائص موضوعية قابلة للقياس الرياضي، مثل السرعة والكتلة والقوة، في مقابل خصائص ذاتية تصنعها الحواس كالألوان والروائح والطعم. وقد سمح هذا التمييز بترييض الطبيعة وتحويلها إلى موضوع للعلم الدقيق. أما المبدأ الثالث، فهو التمييز بين الضروري والعرضي في الظواهر، بحيث يُعزل العامل الجوهري عن المؤثرات الثانوية، وهو ما مكّن جاليليو من دحض فيزياء أرسطو وصياغة نماذج علمية جديدة. ومن مجموع هذه المبادئ تبلورت الثورة المنهجية التي حطمت العقل الميتافيزيقي وفتحت المجال أمام عقل الحداثة.

وأخيراً، ورغم مركزية جاليليو في هذا التحول، فإن ديكارت يبقى فيلسوف الحداثة الأبرز ومؤسسها الفلسفي، حتى وإن كانت الإشكالات التي تركها لم تجد حلولها الكاملة إلا لاحقاً مع هيجل وماركس.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

«رواية كيم جي يونج … مولودة عام ١٩٨٢: الخدوش الصغيرة التي تصنع القهر»

إن “كيم جي يونج، مولودة عام ١٩٨٢” ليست مجرد عمل أدبي، بل وثيقة إدانة لكل نظام يرى في طموح المرأة عبئاً، وفي صوتها ضجيجاً. إنها تضعنا أمام سؤال لا يمكن تجاهله: كم من هذه “الخدوش الصغيرة” نحتاج قبل أن ندرك أنها ليست تفاصيل، بل البنية نفسها؟

محنة العقل في ثقافتنا 

نعيش اليوم أزمة عميقة تتمثل في غياب العقل بوصفه سلطة اجتماعية تاريخية. نلمس هذا الغياب على المستوى السياسي، حيث لا تزال الدولة العربية الحديثة عاجزة عن التحقق حتى في شكلها البرجوازي

«أكره اللامبالين»

صدر عن منشورات «تكوين» “أكره اللامبالين” أنطونيو غرامشي، ترجمة مينا شحاته، تقديم وتحرير ومراجعة محمد آيت حنا. تقديم: ضدّ اللامبالاة       «كلّ شيءٍ يحدث، لا يحدث