لمحة عن مسيرة الحركة النسائية السودانية ونضالاتها

-+=

المتتبع لمسيرة المرأة السودانية خلال الحقب السياسية المختلفة يجدها وقد مرت بمنعطفات صعبة ومتعرجة. فمنذ أيام الاستعمار الذي وضع قيوداً كبلت المرأة السودانية فوق ما كان يكبلها من تقاليد، إذ عمل على الحفاظ على تلك التقاليد التي كانت موجودة بكل ما تحمل من مظاهر العنف والتخلف. فتعليم البنات بدأ في السودان بمجهود أهلي ثم انتبهت إليه الحكومة فيما بعد. حتى عندما سمح بالتعليم للفتيات كان في أضيق الحدود كما كان تعليم البنات مصمماً على أساس يضع المرأة في قالب ربة البيت التقليدية، فوضع منهجاً خاصاً بالبنات يختلف عن منهج الأولاد تدرس فيه مواد محددة مثل اللغة العربية والتربية الإسلامية لنمكن المرأة من أداء الشعائر الدينية وتحسن تربية أطفالها، إلى جانب التدبير المنزلي والخياطة لتخرج الفتاة من المدرسة الابتدائية وقد تم إعدادها لتكون زوجة صالحة في المستقبل. حتى ثارت طالبات مدرسة أم درمان الثانوية ودخلن في إضراب شهير في تاريخ الحركة النسائية في السودان مما أربك إدارة التعليم البريطانية وجعلها تعيد النظر في مسألة تعليم البنات، بعدها سمح بتدريس المواد العلمية في مدارس البنات.

كذلك لم تسع حكومة الاستعمار لمكافحة العادات الضارة بالمرأة مثل الختان وزواج الصغيرات والشلوخ (وهي عبارة عن وسم أشبه بالوشم ينحت بآلة حادة على خد المرأة في شكل ٣ خطوط إما رأسية أو أفقية وفقاً لإرث القبيلة) كنوع من التجميل لكنه يسبب ألماً شديداً للفتاة. كذلك منع خروج النساء لأي سبب نهاراً مع السماح بخروجهن ليلاً للضرورة مثل العزاء في بيوت المآتم بصحبة مرافق من الأسرة حتى لو كان الأخ الأصغر.

استمرار التمييز ضد المرأة في ظل الحكومات الوطنية

بعد خروج الاستعمار لم تجتهد الحكومات الوطنية كثيراً في تحسين وضع النساء فبقيت الكثير من العادات الضارة تكبل حركة المرأة. فبالرغم من التوسع الذي طرأ نسبياً في تعليم البنات إلا أن فرص التعليم لم تكن متساوية بين البنات والأولاد فظلت بعض الكليات حكراً على البنين دون البنات، وحتى المناهج تم تعديلها مؤخراً.

كذلك لم يكن مجال العمل متاحاً للجنسين على السواء إذ كان مسموحاً للنساء بالعمل في مجال التدريس والتمريض فقط مع فوارق في الأجر بين الرجال والنساء حيث كانت المرأة تتلقى ٧٥% من الأجر الذي يتقاضاه الرجل لنفس العمل، كما كان يتعين عليها ترك الوظيفة بعد الزواج أو الخروج من الخدمة المستدامة ليتم التعامل معها بما يعرف بالمشاهرة أي تتعين بعقد لشهر يجدد تلقائياً كل شهر مما يحرمها من فوائد ما بعد الخدمة والعلاوات والإجازات فتضطر لترك العمل مع أول مولود.

أما في ما يخص قانون الأسرة أو الأحوال الشخصية، فلم يطرأ عليه تحسن يذكر حتى بعد الاستقلال. فلم يكن هناك قانون للأحوال الشخصية أو الأسرة وإنما كانت هناك منشورات تصدر عن دار القضاء تضبط العلاقات الأسرية من زواج وطلاق وميراث وغيره. فكان يتم تزويج الفتيات قسراً دون رغبتهن أو مجرد استشارتهن. كما كان سائداً تزويج الصغيرات ومع الأسف لم يطرأ تقدم يذكر في هذا الأمر حتى في ظل الحكومات الوطنية المتعاقبة حيث تضمن قانون الأحوال الشخصية لسنة 1991 الذي وضعه نظام “الإخوان المسلمون” عقب انقلاب 30 يونيو 1989 والذي يعتبر سارياً حتى اليوم تضمن مادة تجيز تزويج بنت العاشرة.

كذلك كان هناك منشور قضائي تضمن ما عرف ببيت الطاعة الذي يجبر المرأة التي تخرج من بيت الزوج نتيجة سوء المعاملة على العودة بأمر الشرطة. لقد أفلح الاتحاد النسائي السوداني بعد نضال طويل في حمل السلطة على إسقاط أمر الشرطة من القانون لكن أبقى القانون على إلزام المرأة على الرجوع لمنزل الزوج وهي كارهة، أيضاً لم تسقط هذه المادة من قانون 1991 رغم ضغط التنظيمات النسائية المستمر.

الاتحاد النسائي الديمقراطي السوداني وإضافته المحورية في نضال الحركة النسائية

أما على صعيد الحراك النسائي فقد ظهرت بعض الجمعيات النسائية التي عملت في مجال تنمية المرأة في نهاية الأربعينات من القرن العشرين لكنها لم تستمر طويلاً ولم تحقق نتائج تذكر، حتى تأسس الاتحاد النسائي السوداني 1952 ليقدم إضافة حقيقية في حركة المرأة مرتكزاً على مسألة الحقوق والمساواة الكاملة بين الجنسين في مجال التعليم والعمل وكل مناحي الحياة كما عمل على مكافحة التقاليد والعادات الضارة ونادى بتوسيع فرص التعليم والعمل.

 أصدر الاتحاد النسائي مجلة «صوت المرأة» عام 1956 كأول مجلة نسائية في المنطقة فكانت إحدى أدوات رفع الوعي وسط النساء وتنوير المجتمع بقضية المرأة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الاتحاد النسائي بذل جهوداً مقدرة في تعليم النساء وفتح مدارس للبنات في المستوى الابتدائي والمتوسط والثانوي إلى جانب فصول محو الأمية للنساء في الأحياء مما أهله للفوز بجائزة اليونسكو لمحو الأمية عام 1970 وتبعاً لذلك تم اختيار السودان مقراً للمركز الإقليمي لمحو الأمية وتعليم الكبار لوسط وشرق أفريقيا برعاية اليونسكو. لكن النظام انقلب على الاتحاد النسائي لرفضه تأييده عند انحراف مساره عام 1970 وتمت مصادرة الجائزة وبالتالي انهارت فكرة المركز، مما أفقد السودان صرحاً تعليمياً هاماً كان من المؤكد أن يحدث نقلة كبيرة في تعليم النساء ومحو الأمية ليس في السودان وحده وإنما في كل دول الساحل الأفريقي والوسط. كذلك عمل الاتحاد النسائي على تحسين وضع الأحوال الشخصية. 

استمر هذا الوضع حتى اندلعت ثورة أكتوبر عام 1994 التي أسقطت الحكم العسكري بقيادة الفريق عبود الذي عمل على مصادرة النقابات والاتحادات ومن بينها الاتحاد النسائي الذي تحول للنضال السري وعمل وسط النساء من خلال الصناديق الاجتماعية والمنشورات السرية التي يوزعها سراً في الأحياء، كما لعبت مجلة «صوت المرأة» – التي تمت مصادرتها أيضاً وتحولت للصدور سراً – دوراً كبيراً في نشر الوعي ومكافحة العادات الضارة كما كانت من أهم أدوات مقاومة النظام العسكري.

انتصرت ثورة أكتوبر ونقلت البلاد إلى مرحلة الحكم المدني في ظل حكومة ديمقراطية. لقد أبلت المرأة السودانية بلاءً حسناً في دعم ثورة أكتوبر إذ شاركت بقوة في المواكب. الأمر الذي مهد لها السبيل لتنفك من إسار القيود والتقاليد التي كانت تضرب حولها لتكتسب مكانة مرموقة في المجتمع والحياة العامة.

كانت ثورة أكتوبر فتحاً قوياً للمرأة السودانية فارتفع صوتها عالياً في كل المرافق نتيجة حضورها الكثيف في المواكب والحراك الثوري بكل فئاتها عاملات موظفات طالبات ممرضات معلمات مزارعات ربات بيوت، كما شارك البعض تحت مظلة النقابات التي كانت في مهدها والبعض تحت مظلة الأحزاب.

لقد كان للاتحاد النسائي دوراً بارزاً في تنظيم المواكب وقيادتها فكان أن أصيبت الأستاذة محاسن عبد العال عضو اللجنة المركزية للاتحاد النسائي آنذاك بكسر في يدها نتيجة طلق ناري، كما استشهدت السيدة بخيتة الحفيان كأول شهيدة في تاريخ الحركة النسائية السودانية الحديث.

لقد كانت ثورة أكتوبر نقلة حقيقية في تاريخ المرأة السودانية تمكنت عبرها أن تحقق الكثير من المكتسبات عبر نضال شاق بقيادة الاتحاد النسائي السوداني مثل الحقوق السياسية التي كانت في السابق حصراً على خريجات المدارس الثانوية فقط حيث كان مسموحاً لهن بالتصويت دون الترشح. فكان أن فازت الأستاذة الراحلة فاطمة أحمد إبراهيم في الانتخابات كأول نائبة برلمانية في المنطقة. ومن داخل البرلمان تمكنت الأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم من كسب التأييد والمناصرة لقضايا المرأة من قطاع عريض من نواب البرلمان بما فيهم القيادات التقليدية من شيوخ القبائل والعمد الذين كان لهم رأي سالب في المرأة بل لا يؤمنون بقضية المرأة إطلاقاً. وفي أوسع جبهة للتضامن مع الاتحاد النسائي تأسست لجنة الدفاع عن حقوق المرأة من القطاعات المستنيرة من نقابات واتحادات العمال والمحامين الطلبة والمعلمين والموظفين وشخصيات عامة دعماً لقضايا المرأة. فكان نتيجة ذلك أن أجاز البرلمان مذكرة الحقوق التي دفعت بها ممثلة الاتحاد النسائي للبرلمان والتي تضمنت:

١- حق الأجر المتساوي للعمل المتساوي.

٢- حق الخدمة المستديمة وفوائد ما بعد الخدمة. (المعاش أو المكافأة).

٣ – حق إجازة الأمومة وساعة الرضاعة مدفوعة الأجر.

٤ -حق التنقل مع الزوج وفقاً لمجال عمله دون أن تفقد الزوجة وظيفتها..

وقبل هذا حققت المرأة الحقوق السياسية حق الانتخاب والترشح إلى جانب حق استشارة الفتاة عند الزواج وذلك بعد أن تكررت حالات انتحار الفتيات عند إجبارهن على الزواج فرفع الاتحاد النسائي مذكرة لرئيس القضاء مطالباً بإلغاء المادة التي تجيز عدم استشارة الفتاة عند الزواج وتأييد حق الاستشارة. فتمت الاستجابة وأصبح للفتيات الحق في المشورة واختيار الزوج.

أجاز البرلمان هذه المطالب جملة ورفعها لرئيس الوزراء الذي أيدها ودفع بها لوزير العمل للتنفيذ حيث ضمنها ميزانية العام القادم 1970. وقبل أن يحل العام حدث الانقلاب العسكري الثاني بعد الاستقلال مايو 1969 بقيادة جعفر نميري الذي جاء في ثوب الديمقراطية ووعد بإكمال المسار الديمقراطي والاتجاه نحو الاشتراكية فكسب تأييداً واسعاً من الشعب فكان أن دفع إليه الاتحاد النسائي بذات المذكرة مشيراً إلى أنها كانت قيد التنفيذ من الحكومة السابقة وأن تأييد الإتحاد النسائي للنظام الجديد مرهون بتأييد السلطة للحقوق المضمنة في المذكرة ووافق رئيس النظام على التو ثم ما لبث أن نكص عن عهده بعد عام حيث انتهج مساراً يمينياً ونكص عن الشعارات التي رفعها. فسحب الاتحاد النسائي تأييده للنظام فتم حله وملاحقة أعضائه اللائي أودعن السجون والمعتقلات إضافة إلى الفصل والتشريد عن العمل.

ومنذ ذلك التاريخ لجأ الاتحاد النسائي إلى العمل السري ومقاومة النظام.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

سلاسل الرعاية المهاجرة: حين يُباع “حنان الفقيرات” في السوق الخليجي

النسوية الحقيقية في منطقتنا هي التي تبدأ من حقوق العاملة المهاجرة، وتطالب بتفكيك نظام الكفالة، وبناء مجتمع يقدر “الإنسان” فوق “السلعة”، ويكشف زيف المناصب حين تُبنى على حساب كرامة العاملات.

تمرد رابعة العدوية: “الحب الإلهي” .. ابن عربي: أهلية المرأة للقطبية

لمعات رابعة العدوية في “الحب الإلهي” وبعض مواقف ابن عربي المتعلقة بالمساواة بين المرأة والرجل، لا تعني أن الفكر الصوفي يمثل ثورة جذرية على الواقع أو أنه البديل الثوري عنه، بل يمثل، ثورة سلبية على الواقع وأيديولوجيته

الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي يحتفل بثمانين عاماً من النضال ويكرّم رموزاً نسائية عربية

جاء احتفال الذكرى الثمانين ليعيد التأكيد على مكانة اتحاد النساء الديمقراطي العالمي كقوة نضالية عالمية داعمة للنساء، ومساندة لقضايا الحرية والعدالة والمساواة والسلام.