ابن رشد: فيلسوف قرطبة

-+=

ابن رشد (١١٢٦- ١١٩٨م) من أبرز الفلاسفة في التراث العربي – الإسلامي كان له أثره الكبير على نهضة أوروبا العقلية، وعلى النتاج الفلسفي، بعامة، من خلال شرحه الوافي لفلسفة أرسطو، لم يكتفِ بالتحليل والشرح بل انتقد أفكاره ووضع رأيه فيها، وكان ابن رشد من البارزين في شرح منطق أرسطو. لذلك له مكانته المحورية في الحفاظ على فلسفة أرسطو ونتاجه من الفقدان، والمعروف أن ابن رشد قد قرأ ما تُرجم من كتب اليونان التي فُقِدَ معظمها.

انتقد ابن رشد العديد من آراء الفلاسفة العرب المسلمين من بينهم ابن سينا والفارابي، وخاض نقاشات مع الفقهاء وعلماء الكلام. 

من كتبه في الفقه “بداية المجتهد ونهاية المقتصد“، و”مناهج الأدلة“؛ أما في حقل تأكيده أهمية التفكير العقلي وأوليته فكان كتابه “فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال” الذي برهن فيه أن الفلسفة لا تتعارض مع الشريعة واعلائه للبرهان العقلاني، أولية العقل. وبسبب مواقفه وآرائه النقدية اضطهد ابن رشد وأحرقت كتبه وتم نفيه بأمر من المنصور إلى “اليسانة” قرب قرطبة. 

خاض ابن رشد معركة في الدفاع عن الفلسفة تجلت بأبرز صورها في كتابه “تهافت التهافت” الذي ردَّ فيه على كتاب أبو حامد الغزَّالي “تهافت الفلاسفة“. ولابن رشد كتاباته في الفلك والرياضيات وغيرهما من حقول المعرفة. وانتقد ابن رشد النظرة “الدونية” للمرأة مؤكداً المساواة بين المرأة والرجل في القدرات العقلية والعملية وهو موقف متقدم لابن رشد خرج فيه على السائد وتأبيده في نظم سياسية تسلب المرأة حقوقها.

نتاج ابن رشد الفلسفي تمت قراءته في ضوء المنهج المادي العلمي التي أبرزت علاقته بالواقع الاجتماعي وتناقضاته، وإبراز النزعات المادية فيه وفي نتاج الفلاسفة العرب – المسلمين؛ المحجوبة بدراسات تلغي، بخلفية منهجية مثالية، ارتباط الفكر بالواقع وتطوره وأشكال المادية وتطورها في تلك المرحلة التاريخية، وارتباط التراث بقضايا التحرر الوطني. من الدراسات التي تناولت نتاج ابن رشد بربطه بالواقع الاجتماعي، وما يحتويه نتاجه من “مواقف” مادية، كتاب الراحل طيب تيزيني “مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط” وهو مبحث من ضمن مباحث الكتاب التي تناولت الفكر العربي – الإسلامي الوسيط. وكان الشهيد حسين مروة يحضر لاستكمال كتابه “النزعات المادية في الفلسفة العربية – الإسلامية” الذي قرأ فيه التراث في ضوء المنهج المادي التاريخي كاشفاً النزعات المادية فيه، بجزء ثالث منه يكون حول الفلسفة في المغرب وبالتحديد حول فلسفة ابن رشد، لكنه استشهد بتاريخ ١٦ فبراير ١٩٨٧، قبل إنجاز الجزء الثالث من “النزعات المادية…”. عن تحضيره لهذا الجزء من كتابه ومنهجيته كتب الشهيد حسين مروة مقالة في مجلة «الطريق» اللبنانية العدد الأول شباط\ فبراير ١٩٨٤، بعنوان: “محاولة قراءة ماركسية في «فصل المقال» لابن رشد – ديالكتيك العلاقة بين الديني والفلسفي. – إعادة الاعتبار الى الفلسفة. – لإعادة الاعتبار الى قوى المجتمع العقلانية“. 

في هذا الإطار الهادف إلى الإضاءة على قراءة جوانب من نتاج بعض الفلاسفة العرب – المسلمين في ضوء المنهج المادي التاريخي لكشف الجديد الثوري في نتاجهم، تنشر منصة «تقدُّم» بعض ما كتبه طيب تيزيني في كتابه “نحو رؤية جديدة….” عن ابن رشد، وبعض ما كتبه حسين مروة في مقاله “محاولة قراءة ماركسية….” بالتركيز، فقط، على المنهجية التي على أساسها تمت قراءة نتاج ابن رشد.

“ابن رشد قمة الفكر المادي العقلاني الوسيط”

درس طيب تيزيني نتاج ابن رشد الفلسفي ومكانته في الفكر العربي – الإسلامي وذلك في القسم الثالث من كتابه “نحو رؤية جديدة….” في مبحث عنوانه: “ابن رشد: قمة الفكر المادي العقلاني في العصر الوسيط، تلاشي الثنائية بين العالم والإله“.

تعرض ابن رشد للنفي وأحرقت كتبه نتيجة مواقفه الفلسفية، أظهر طيب تيزيني ارتباط ذلك بالمرحلة التي حدثت فيها بتحديده “إن الباحث المتقصي لتاريخ ابن رشد لا يسعه إلا أن يأخذ بعين الاعتبار الواقع التاريخي التالي، وهو أن التناقض السياسي والفكري بين قسمٍ كبير من جماهير الشعب – وعلى رأسها رجال الدين المتعصبون – وبين الفلاسفة والمفكرين الأحرار والآخذين بالعقل منطلقاً أساسياً لهم، قد حدد طابع الوضع السياسي والفكري في عصر ابن رشد (…). وإن إستطاع ذلك التناقض أن يطبع التطور الفكري في الأندلس بميسمه، فإنه قد ساهم خلال ذلك في تعبيد الطريق أمام الفلسفة والفكر حتى الحد الأقصى. وقد أصيب ابن رشد، كما أصيب ابن باجة من قبله، بشكلٍ مباشر بسهام النصيين والمتعصبين (…). إنهم، أي مؤرخي الفلسفة أولئك، لا يحق لهم، إنطلاقاً من ذلك الواقع التاريخي، أن يطلبوا من مفكري العصر ذاك أن يكونوا قد قالوا كل شيء أرادوا قوله فعلاً. إن الرمزية، أو الأسلوب الرمزي في الكتابة، والتورية كانا قد احتلا مكاناً هاماً في كتاباتهم الفكرية” (تيزيني طيب، مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط، دار دمشق، الطبعة الخامسة، لا.ت، ص. ٣٥٦). 

الخلفية العقلانية وتشكّلها لدى ابن رشد وعلاقتها بالواقع الذي أنتجها حدَّدها تيزيني بعوامل أربعة مترابطة مع بعضها البعض هي:

“١- التطور البارز والملحوظ للاتجاه الارسطي المادي على يد ابن سينا في المشرق، وابن باجه وابن طفيل في المغرب العربي، هذا الاتجاه الذي اكتسب هنا وهناك مضامين مادية وعقلانية عميقة.

٢- التأثير الفكري الكبير الذي مارسه مؤسس دولة الموحدين ابن تومرت بشكل مباشر على التطور الفكري الثقافي ضمن هذه الدولة (…).

٣- كعامل ثالث يمكننا أخذ الحملة التي اشتهرت ضد مؤلفات الغزالي بإيعاز من المرابطي «علي بن تاشفين». ان الرجل (الغزالي)، الذي زُندقت تحت رايته المعادية للتقدم الفكري والاجتماعي في الشرق العربي الأفكار العلمية العقلانية والمادية، يعتبر هنا، أي في المغرب العربي، «زنديقاً» وتحرق كتبه. هذا يعني أن الحصار الذي احكم ضد الفلسفة هناك لم يكتسب هنا أهمية ملحوظة (…).

إن هذه العوامل الثلاثة استطاعت أن تمارس دورها في إرساء خلفية عقلانية فكرياً وتقدمية اجتماعياً لفكر ابن رشد الفذ فقط حيث كان الوضع الاجتماعي – الاقتصادي والسياسي العام أرضاً خصبة من أجل ذلك.

٤- وهذا يدعونا الى التأكيد الواضح على البنية الاجتماعية – الاقتصادية والسياسية والحقوقية التي ساهمت، كإطار عام وبشكل غير مباشر ومتوسِّط، في تكوين فكر ابن رشد ذاك (…).

ان ابن رشد، الذي تأثر بالاطار الثقافي العام الذي تكون ضمن عوامل عديدة (…) دافع عن أرسطو في جوانبه المادية ضد الغزالي اللاعقلاني المثالي والمعادي للأرسطية، وذلك بالعلاقة مع دفاعه الحماسي العميق عن المعتزلة ” (المرجع نفسه، ص. ص ٣٥٧-٣٥٩).

نظرية المعرفة وشكل المادية لدى ابن رشد

مثلّت نظرية المعرفة كما طرحها ابن رشد، في قراءتها بضوء المنهج المادي “تقدماً عملاقاً في تاريخ الفلسفة على وجه العموم. فالنظرية هذه، التي بمقتضاها «لا تملك الكليات وجوداً خارج النفس… وما يوجد منها خارج النفس، فهو فقط أشخاصها» (ابن رشد تلخيص ما بعد الطبيعة)، إن هذه النظرية قد اكتسبت في العصر الوسيط التسمية المعروفة بـ «الاسمية». لقد كانت هذه الإسمية ليس فقط تقدماً ضخماً في تاريخ الفكر الفلسفي، وإنما أيضاً الشكل الأساسي والرئيسي للفلسفة المادية في العصر الوسيط” (المرجع نفسه، ص. ٣٦٣).

قضية المادية في النتاج الفكري والفلسفي وإظهارها فيه ليست مسألة ميكانيكية، بل هي “قد اجتازت مراحل تاريخية عديدة وهامة، ومن ضمنها المرحلة «الرشدية». فالمادية الفلسفية تعني، في هذا الاطار الرشدي، تطور الفكر الإنساني من خلال عملية ذات شقين مرتبطين ببعضهما عضوياً، هما الانفصال عن التصور الغيبي الديني للعالم، ومن طرف آخر التأكيد على الوجود المادي للعالم” (المرجع نفسه، ص. ٣٧٢).

الظاهرة الرشدية

انطلق حسين مروة في قراءته المنهجية المادية العلمية لابن رشد من أن كتاباته جميعها: “الرشدية الخالصة منها أولاً، والارسطية/ الرشدية ثانياً تتكامل وتترابط في تكوين الظاهرة الرشدية بخصوصها من جهة أولى، وتكوين الملامح البارزة والواضحة للظاهرة الاندلسية/ المغربية نفسها في المستوى الفلسفي والايديولوجي عصر ابن رشد، من جهة ثانية” (مروة حسين، محاولة قراءة ماركسية في «فصل المقال» لابن رشد – ديالكتيك العلاقة بين الديني والفلسفي. – إعادة الاعتبار الى الفلسفة. – لإعادة الاعتبار الى قوى المجتمع العقلانية، مجلة الطريق، ص. ١٦٢). وقد لخص حسين مروة مشروع الجزء الثالث من “النزعات المادية….” ومحاولة قراءته لابن رشد قراءة ماركسية: “نقول: (الارسطية/ الرشدية) بناء على أنّ عمل ابن رشد في مؤلفات ارسطو، شرحاً وتفسيراً وتلخيصاً، هو – في رأينا- عمل لا يدخل في باب الشرح الخالص، بل هو عمل تأليفي أيضاً، يجمع بين حضور الشارح وحضور المؤلف معاً، أي بين حضور ارسطو وابن رشد كليهما في عمل واحد. وسنبرهن على ذلك، تفصيلا في الجزء الثالث من كتابنا «النزعات المادية في الفلسفة العربية – الإسلامية» وهو الجزء الذي نعمل الآن لانجازه” (المرجع نفسه هامش *-٢، الصفحة نفسها).

أسس المنهجية الماركسية في قراءة نتاج ابن رشد وإبراز التكامل والترابط في الفكر الرشدي التي انطلق منها حسين مروة ضاعف تمييزها المادي العلمي بإظهار ارتباطها المادي الديالكتيكي بالسياق التاريخي الذي وجدت فيه، الواقع المادي وتطوره فالقراءة المنهجية الماركسية تستلزم “رؤية نوع آخر من التكامل. فهي لا تكتفي منّا برؤية التكامل بين النصوص المختلفة لفكر ابن رشد، بل تتطلب منّا – مع ذلك- رؤية التكامل بين مختلف دلالات النصوص هذه نفسها. فإن قراءة منهجية علمية، أي ماركسية، لا تقبل وهي تتعامل مع فكر ابن رشد، ان تتعامل معه محاصراً داخل شرنقة الدلالة النصية المباشرة بحد ذاتها. بمعنى أن المنهجية العلمية هذه لا ترى من جدوى في أن نقرأ ابن رشد، مفكراً وفيلسوفاً، دون أن نتعرّف خصوصيته الفكرية/ الفلسفية من بين الخصوصيات المتعددة ضمن الاطار العام للفلسفة العربية / الإسلامية (شرقية ومغربية)، وليس يمكن تعرّف هذه الخصوصية، حقيقة، دون تعرّف العلاقات المضمرة، بموضوعية، بين نصّ القول الفكري/ الفلسفي من جهة أولى، والسياق التاريخي المعيّن الذي في مناخه ولدت الخصوصية، وفي مناخه بالذات تكوَّنت، مع الدلالة الداخلية للنصّ، جملة من الدلالات تتصل كلها بواقع معيّن تتشابك في حركته علاقات الزمان والمكان، المجتمع المعيّن (…). ان رؤية الظاهرة [الرشدية] خلال هذه العملية المركبة من شأنها ان تنتج القدرة على رؤيتها في حركة صيرورتها وتطورها ضمن موقعها التاريخي المحدد نفسه، ومن شأنها أن تكشف جملة العلاقات التي تربط الظاهرة الفكرية / الفلسفية بالواقع الاجتماعي، أي بالأساس المكوِّن للسياق التاريخي الذي تنبت فيه الظاهرة، أو للمصدر الذي منه تنبع الظاهرة وسياقها التاريخي كلاهما. إن انكشاف هذه العلاقة بالذات، أي علاقات الظاهرة الفكرية/ الفلسفية بواقعها الاجتماعي، يساعد القراءة المنهجية العلمية على الوصول الى رؤية العلاقة التفصيلية الملموسة بين المفكر الفيلسوف والوجود الاجتماعي الذي يعيشه، ورؤية مكانه من هذا الوجود، ثم رؤية موقفه بحدوده الواضحة من حركة الصراع الدائرة، ضمناً أو علانية، بين القوى الأساسية المحركة للسياق التاريخي وظاهراته جميعاً” (المرجع نفسه، ص.١٦٣). 

ابن رشد ووجوب النظر في العلوم العقلية

حدَّد حسين مروة ما يميز الظاهرة الرشدية عن سواها باتجاهَيْن “الاتجاه الأول: هو الذي نرى فيه ابن رشد يحشد كل مخزونه الثقافي العربي – الإسلامي، ولا سيّما الفقهي منه، لينتزع من النص الديني (الإسلامي) نفسه، حكماً فقهياً اجتهادياً يقضي بوجوب النظر في العلوم العقلية (الفلسفة، المنطق الخ…)، أي ليستخلص من الشريعة ذاتها حكماً ملزماً لأهل العلم من المسلمين ان يمارسوا بالفعل دراسة الفلسفة والمنطق واستيعابهما، لكونهما المصدر للعلم اليقينيّ، من حيث إنهما وحدهما يقدمان الدليل البرهاني، أي الدليل الموصل الى العلم اليقيني (…).

الاتجاه الثاني: هو الذي ينحو به ابن رشد مَنْحَى الهجوم المباشر على خصوم الفلسفة. وخصوصاً الأشاعرة، وبالأخصّ الغزالي. وهذا الاتجاه يتحدّد بأسلوب الرفض لكل الأدلة التي قام عليها بنيان النظام الفكري اللاهوتي للمتكلّمين بعامة، وللأشاعرة بخاصة. وقد توجه هذا الرفض كذلك الى الفلاسفة الإسلاميين (ابن سينا، الفارابي)، رافضاً الكثير من مقولاتهم ذات الطابع اللاهوتي أيضاً، ورافضاً خلال ذلك نظرية الفيض الآتية إليهم من الافلاطونية المحدثة. وبالاجمال: حاول ابن رشد في هذا الاتجاه هدم الحلول التي اقترحها قبله المتكلمون والفلاسفة الإسلاميون لمشكلات الوجود كما كانت مطروحة أمام الفكر العربي – الإسلامي في العصر الوسيط” (المرجع نفسه، ص. ص ١٦٦-١٦٧).

حول الاختلاف بين اتجاه ابن رشد واتجاه السابقين له بما يتعلق بالعلاقة بين الفلسفة والشريعة فإن الفارق بينهما بتحديد حسين مروة يكمن في ان ابن رشد اجتهد لاستخلاص حكم من نصوص القرآن الكريم يوجب النظر في العلوم العقلية، بينما من سبقه من الفلاسفة فقد اقتصر جهدهم على نفي التعارض بين الفلسفة والشريعة (ابن سينا، الفارابي). ذلك “لم يحدث مصادفة، او عن إرادة ذاتية محضاً من ابن رشد، او من أسلافه، أو من كليهما. ان لهذا الفارق أساسه الواقعي الموضوعي بالضرورة. وهذا الأساس هو الفارق التاريخي بين ظروف كل من الموقفين” (المرجع نفسه، ص. ١٦٨). 

وقد أبرز حسين مروة مفهوم الاتصال/ الانفصال المادي الديالكتيكي في مسألة العلاقة بين العقل والنقل (الشريعة) في كتاب ابن رشد «فصل المقال…»، انطلاقاً من أن علاقة “الإتصال بذاتها تحمل نقيضها ديالكتيكياً. فليس من حاجة للكلام على الاتصال بين أمرين لو لم يكن بينهما انفصال، أي لو لم يكونا امرين اثنين منفصلين احدهما عن الآخر، وإلّا فالكلام على الاتصال يكون من باب تحصيل الحاصل، وهو محال”(المرجع نفسه، ص ١٧٠). وعلى هذا الأساس بحث حسين مروة، ديالكتيكياً، مفهوم الاتصال ما بين الفلسفة والشريعة لدى ابن رشد.

صفة العلمية في منطق ابن رشد العقلاني

في بحثه للظاهرة الرشدية في ضوء المنهج المادي التاريخي وتتبعه لدفاع ابن رشد عن وجوب النظر في العلوم العقلية أضاء حسين مروة على أنه كان لا بد لابن رشد “ان يصل به منطقه العقلاني، في هذا السياق، الى رؤية منهجية تكتسب، بحقٍّ، صفة العلمية. لذلك هي تجد الآن موقعها الراسخ في التفكير العلمي المعاصر. أعني بها رؤيته لواقع كونية العملية الفكرية، أو وحدة المعرفة البشرية، على أساس رؤيته كيف تتكاثف المعرفة البشرية، وكيف تتدّرج في مراحل التطور بتسلسل تاريخي يشارك في صنعه مختلف الامم والملل والنِّحل دون حاجز ديني او مذهبي او قومي يمنع هذا التكاثف والتسلسل والتدرّج، بحيث اصبح النتاج المعرفي المشترك، والمتراكم على مدى العصور، تراثاً مفتوحاً ومشاعاً لكل البشرية” (المرجع نفسه، ص. ١٧٦).

التراث كأداة من أدوات التحرّر الوطني

في ضوء القراءة المادية العلمية للفلسفة العربية – الإسلامية برزت مسألة منهجية محورية في دراسة حسين مروة “النزعات المادية…” ونقد مهدي عامل، استشهد في ١٩ أيَّار/ مايو ١٩٨٧، المادي العلمي للتأويل العقلاني بخاصة عند ابن رشد في كتابه (نقد الفكر اليومي) وهو نقد يستأهل دراسة مستقلة، المسألة المنهجية المحورية هي أن صفة التقدمي ليست صفة ميكانيكية ملازمة للمادي كما ان صفة الرجعي ليست صفة ميكانيكية ملازمة للمثالي، فهما لا تتحددان في التراث على أساس القول الميكانيكي بأسبقية العقل على النقل (تقدمي) أو أسبقية النقل على العقل (رجعي)، بل أساس التمييز بين التقدمي والرجعي يكمن في الموقف من الواقع وتناقضاته والسلطة وأيديولوجيتها في تلك المرحلة التاريخية. 

إنَّ قراءة التراث في ضوء المنهجية المادية العلمية أظهرت الجوانب المختلفة فيه التي كانت محجوبة قسراً. أما المسألة المنهجية الرئيسية في دراسة التراث العربي – الإسلامي في ضوء المنهج المادي التاريخي فتكمن في تمييز كونية القوانين العامة المادية التاريخية. يمكن اختصار تلك المسألة المنهجية بأنها عدم تطبيق متكوِّن على متميز، كشف تناقضات الواقع الاجتماعي وتطوره، وأشكال المادية في تلك المرحلة التاريخية، وكيفية ارتباط النتاج الفكري بالواقع الاجتماعي ديالكتيكياً، وكيف يكون التراث، في ضوء المنهجية المادية التاريخية، أداة من أدوات التحرر الوطني في مواجهة فكر مثالي ليس من مصلحته الطبقية أن يكون التراث أداة تحررية. إنها مسائل منهجية كانت محور قراءة التراث في ضوء المنهج المادي التاريخي لدى حسين مروة، وطيب تيزيني، ومهدي عامل في جزء من كتابه “أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية“. 

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

طيب تيزيني: محطات في مسيرته الفكرية

قرأ الطيب تحولات الشرق من وراء سور برلين الشرقية وكتب لاحقاً مؤلفات منها الموقف الروحي من الإسلام، والصراع بين الظلامية والتنوير مميزاً بين المطلق والنسبي، ومناقشاً مسألة احتكار الحقيقة من طرف على حساب آخر

سعد الله ونوس:” إننا محكومون بالأمل “

سعد الله ونوس أحد أبرز الأصوات العربية في الكتابة المسرحية في القرن العشرين، وأحد أصوات المقاومة والنضال بكتاباته وقلمه، والمثقل بقضايانا وهمومنا العربية والإنسانية على السواء

على العهد باقون: عهد الكلمة الحرّة

تمثّل «تقدُّم» امتداداً تاريخياً للصحافة الوطنية والتقدمية الكويتية، التي انطلقت في النصف الأول من خمسينات القرن العشرين.