
في الذكرى الرابعة والسبعين لثورة 23 يوليو 1952 بمصر
وضعت ثورة يوليو بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر نصب عينيها الاهتمام بتحقيق مصالح الأغلبية من الشعب المصري وعملت على تضييق الفوارق بين الطبقات
لا يُختزل غسان كنفاني في ذكرى، لأن الشهداء لا ينتمون إلى الماضي بقدر ما يستمرون في الحضور؛ فالأفكار الكبرى لا تموت بموت أصحابها، بل تواصل فعلها في الوعي. وليست كل المعارك وقعت بالأمس أو اليوم تُخاض على الخرائط، كما ليست كل الهزائم والانتصارات تُقاس بتبدل خطوط السيطرة على الأرض.
فثمة جبهة أكثر عمقاً وأبعد أثراً، هي جبهة الوعي؛ الجبهة التي تتحدد عليها صورة الذات، ومعنى الوطن، وشكل العلاقة بين الماضي والمستقبل. وفي هذه الجبهة تحديداً خاض غسان كنفاني معركته الكبرى، مدركاً أن الاحتلال لا يسعى إلى الاستيلاء على الأرض فحسب، بل إلى مصادرة الرواية التي تمنح الأرض هويتها، وإلى تفكيك الذاكرة التي تمنح الجماعة شخصيتها، وإلى تحويل الشعب من فاعل في التاريخ إلى موضوع يُكتب عنه تاريخ الآخرين.
من هنا لم يكن كنفاني مجرد مبدع فلسطيني أو صحفي ثوري أو قائد سياسي، بل كان نموذجاً للمثقف الذي جعل من الثقافة شكلاً من أشكال المقاومة، ومن الأدب أداة لإنتاج الوعي الوطني. كانت الحروف في كتابته أشبه بمشط محشو بالرصاص، وكان الحبر يتحول إلى دمٍ يجري في شرايين الذاكرة الجمعية. لم يكتب عن الثورة بوصفها حدثاً عابراً، بل بوصفها شرطاً أخلاقياً وثقافياً لوجود الإنسان الفلسطيني، ولذلك لم تكن الرواية عنده تروي المأساة بقدر ما كانت تقاوم تحول المأساة إلى قدر.
لقد أدرك مبكراً أن الثقافة ليست زينة للحياة الوطنية، بل أحد شروط بقائها. فالمجتمعات لا تُهزم فقط عندما تخسر معاركها العسكرية، بل عندما تفقد قدرتها على رواية نفسها. لذلك لم يكن مشروعه الأدبي منفصلاً عن مشروعه السياسي، ولم يكن انخراطه في العمل الوطني منفصلاً عن إنتاجه الثقافي. ففي شخصيته التقت السياسة بالفكر، والتزم الأدب بقضايا الناس دون أن يفقد استقلاله النقدي. كان عضواً في المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وناطقاً باسمها، ورئيساً لتحرير مجلة «الهدف»، لكنه ظل في الوقت ذاته المثقف النقدي الذي يرفض أن يتحول إلى مجرد مبرر للسياسة أو تابع لها.
وفي هذا تكمن إحدى أهم دلالات تجربته. فالسياسة حين تُترك للسياسيين وحدهم تصبح عرضة لأن تفقد بعدها الأخلاقي والتاريخي، بينما يشكل المثقف العضوي الضمير النقدي القادر على مساءلة السلطة والأفكار السائدة في آن واحد. كان كنفاني يدرك أن السياسي، غالباً، ما يحاول تطويع الزمن الجماعي لمقتضيات اللحظة، بينما ينشغل المثقف بصناعة زمن أبعد من عمره الشخصي، زمن يمتد في الوعي الجماعي للأمة. ولهذا تبدو سلطته الثقافية أكثر رسوخاً من سلطات كثيرة تعاقبت ثم اندثرت، لأنها سلطة تستمد مشروعيتها من قدرتها على إنتاج المعنى لا من امتلاك النفوذ.
غير أن المعنى نفسه لا يعيش خارج الهوية، والهوية ليست معطى ثابتاً ومغلقاً كما قد تبدو للوهلة الأولى. فالهوية الحية لا تُبنى على التكرار الآلي للماضي، ولا على القطيعة معه، بل على جدلية دقيقة بين الاستمرار والتجدد. وهنا تكتسب مقاربة بول ريكور أهميتها حين يميز بين الهوية الثابتة والهوية المتحولة. فالأولى تمثل جوهر الاستمرارية التاريخية للجماعة، بينما تمثل الثانية حضور هذا الجوهر في أشكال جديدة تفرضها شروط الزمن المتغير.
بهذا المعنى لا يكون التراث نسخة تُستعاد، بل طاقة تُعاد صياغتها باستمرار. فالأصل لا يحضر في التاريخ إلّا من خلال تجسداته المتجددة. وكل جيل لا يرث الهوية كما يرث شيئاً منجزاً، بل يعيد إنتاجها في ضوء أسئلته وتحدياته الخاصة. ولذلك فإن الاستمرار لا يعني التطابق، كما أن التجدد لا يعني القطيعة. فالشمس تشرق كل يوم، لكنها لا تكرر نفسها، والنهر يحتفظ باسمه رغم أن مياهه لا تتوقف عن الجريان. وهكذا هي الهوية الثقافية؛ تبقى لأنها تتغير، وتتغير لأنها تبقى.
ومن هنا تصبح الثقافة الحاضنة التاريخية لهذه الحركة الجدلية. فهي التي تحفظ عناصر الاستمرار، وهي التي تمنحها القدرة على التجدد. ولذلك لا يمكن الحديث عن الهوية بمعزل عن السرد، لأن الجماعات تعرف نفسها من خلال القصص التي ترويها عن ذاتها، كما يعرف الأفراد أنفسهم من خلال سرديات حياتهم الخاصة. ولهذا احتل مفهوم الهوية السردية موقعاً مركزياً في فلسفة بول ريكور، الذي رأى أن الهوية الشخصية هي في جوهرها هوية زمنية، تتشكل عبر الرواية المستمرة للعلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل.
في ضوء ذلك يمكن قراءة تجربة كنفاني كلها بوصفها مشروعاً لبناء الهوية السردية الفلسطينية. فالرواية والقصة والمقالة والدراسة السياسية لم تكن أجناساً منفصلة في مشروعه، بل مكونات مختلفة لسردية وطنية كبرى تحاول أن تحمي الذاكرة من التبعثر، وأن تمنح التجربة الفلسطينية وحدتها ومعناها التاريخي. كان السرد عنده أكثر من تقنية أدبية؛ كان فعلاً أخلاقياً ومعرفياً، ينقل الخبرة من جيل إلى آخر، ويحفظ استمرارية الوعي الجماعي في مواجهة محاولات المحو.
ولعل سؤاله الشهير بعد هزيمة حزيران، «لماذا هزمنا؟»، يكشف جوهر هذا الدور. فالسؤال لم يكن بحثاً عن تفسير سياسي فحسب، بل كان دفاعاً عن حق المجتمع في التفكير النقدي. السياسي يحتاج إلى الإجابات كي يحكم، أما المثقف فيحتاج إلى الأسئلة كي يحافظ على شرعيته المعرفية والأخلاقية. ولهذا ظل كنفاني يفتح الأسئلة كلما أُغلقت، ويعيد مساءلة المسلمات كلما تحولت إلى يقينيات جامدة.
بعد أكثر من نصف قرن على استشهاده، ما زال غسان كنفاني حاضراً لأن حضوره لم يكن حضور فرد بقدر ما كان حضور مشروع ثقافي كامل. مشروع يرى في الثقافة الذاكرة الأخلاقية للجماعة، وفي السرد وعاء هويتها، وفي الأدب شكلاً من أشكال المقاومة، وفي الوعي جبهة لا تقل أهمية عن أي جبهة أخرى. ولهذا فإن استعادته اليوم ليست استعادة لذكرى شهيد فقط، بل استعادة لسؤال ما زال مفتوحاً: كيف نحافظ على هوية قادرة على البقاء دون أن تتجمد، وقادرة على التجدد دون أن تفقد ذاكرتها؟
ذلك أن الثقافة، كما علمنا غسان كنفاني، ليست حراسة للماضي بقدر ما هي صناعة للمستقبل. والهوية ليست ميراثاً نتسلمه مكتمل البناء، بل رواية جماعية نواصل كتابتها جيلاً بعد جيل. وما دامت هذه الرواية مستمرة، وما دام الوعي قادراً على تجديد نفسه، فإن معركة الثقافة ستظل جبهة متقدمة من جبهات التحرر الإنساني والوطني.
غسان كنفاني الشهيد من صنف أصحاب الذات المتعددة ليس بوسعهم أن يموتوا؛ فهم لا يرحلون عنا بل يرحلون إلينا، يسكنون وعينا وذاكرتنا، ويتكاثرون في المعرفة، ويتجذرون في التجربة، ويكبرون أفكاراً فينا حتى نصير امتدادهم الحيّ، وتغدو الكتابة ذاتها شكلاً من أشكال استمرارهم في الوجود.

وضعت ثورة يوليو بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر نصب عينيها الاهتمام بتحقيق مصالح الأغلبية من الشعب المصري وعملت على تضييق الفوارق بين الطبقات

لم تكن ثورة 14 تموز/ يوليو حدثاً عابراً أو رد فعل انتقامي أو إرادوي لحفنة من الثوار، بل جاءت كضرورة موضوعية وحاجة ملحة أملتها الظروف الصعبة آنذاك، وهيمنة أقلية حاكمة مستبدة، ربطت العراق بالأحلاف العسكرية والتبعية للاستعمار، وانتهجت سياسة معادية لشعبنا ولشعوب المنطقة

الحسن بن هانئ المعروف بأبي نواس هو أحد أشهر شعراء العصر العباسي، تميز بفصاحته اللغوية، ويُعد من المجددين في أساليب الشعر، كما تميز بتنويع موضوعات الشعر الذي نظمه وخروجه على التقاليد الشعرية القديمة

راؤول الرجل الذي أمضى حياته في خدمة فكرة آمن بأنها ستبقى بعده وبعد جيله، لأن قوتها الحقيقية لا تكمن في القادة، بل في الشعب الذي يحملها



