شهدت جنوب أفريقيا منذ نهاية نظام الفصل العنصري “سياسياً” موجات متكررة من الاعتداءات الجماعية ضد العمالة المهاجرة الأفريقية، ولا سيما في أعوام 2008 و2015 و2019 و2021 و2022، ثم تصاعدت هذه الأيام لتأخذ طابعاً أكثر تنظيماً واستمرارية، بعد أن انتقلت من أعمال عنف متفرقة إلى حملات تقودها حركات شعبوية فاشية معادية للعمالة الأفريقية المهاجرة، وفي مقدمتها منظمة أو حركة عملية دودولا Operation Dudula التي نظمت مداهمات للمحال التجارية، وعمليات تفتيش ذاتية، وحملات لطرد المهاجرين من الأحياء والأسواق وأماكن العمل، مدعيةً أنها تطبق القانون في مواجهة “الأجانب غير الشرعيين”، كما مارست ضغوطاً على المستشفيات والمدارس والدوائر الحكومية لمنع تقديم الخدمات للمهاجرين، بالتوازي مع تصاعد الخطاب الذي يحملهم مسؤولية البطالة والجريمة وأزمة السكن وتراجع الخدمات العامة. وقد أسهم هذا المناخ في إضفاء قدر من الشرعية الاجتماعية على ممارسات الإقصاء والعنف. اليوم غالباً ما تصور وسائل الإعلام العالمية الأفروفوبيا في جنوب أفريقيا على أنها مجرد صراع بين “السكان المحليين” و”الأجانب السود”، بوصفه نتيجة طبيعية للاختلافات الثقافية أو للمنافسة على فرص العمل والموارد المحدودة. هذا التصور يتجاهل حقيقة أن العداء للعمالة الأفريقية المهاجرة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأزمة الاقتصاد السياسي في مرحلة ما بعد الفصل العنصري، وما رافقها من تعثر تنموي، واتساع فجوة اللامساواة، وتراجع الثقة في مؤسسات الدولة. وفي هذا السياق، تحولت الخطابات الشعبوية وكراهية الأجانب إلى أداة لتوجيه الغضب الشعبي نحو المهاجرين من العمال الأفارقة.
تستند الحركات التي تستهدف المهاجرين على توظيف الخطاب القومي الزولوي والرموز الثقافية المرتبطة به ويظهر ذلك في اختيار اسم “دودولا”، وهي كلمة من لغة الزولو isiZulu تعني “ادفع إلى الخارج” أو “اطرد بالقوة”، وتبني شعارات تدعو إلى إعطاء الأولوية لـ”الجنوب أفريقيين أولاً “. وقد أسهم هذا الخطاب في بتصوير العمالة الافريقية المهاجرة بالآخر الغريب الذي يهدد حقوق السكان الأصليين وفرصهم الاقتصادية، وهو ما منح الحركة بعداً شعبوياً وقومياً يتجاوز مجرد المطالبة بتطبيق قوانين الهجرة.
النعرات الشوفينية الفاشية
تُعد هذه النعرات الشوفينية الفاشية غريبة عن تاريخ أفريقيا الجنوبية، التي برزت فيها حركتان قدمتا بدائل لمفهومي “القبيلة” و”الأمة”. جاءت الأولى نتيجة الاستعمار البرتغالي وتجارة الرقيق في جنوب شرق أفريقيا، وتمثلت في إعادة التشكيل الروزفية بقيادة تشانغاميري دومبو في منتصف القرن السابع عشر، حيث جرى توحيد عدد كبير من المجتمعات الأفريقية في كونفدرالية واسعة ضمّت مجتمعات صغيرة متعددة، وهي التي يسميها الأوروبيون “قبائل”. أما الحركة الثانية، فهي إعادة التشكيل الكونفدرالي خلال فترة المفكاني (والمفكاني تعني، بلغة الزولو، “التشتت”، وهي فترة من التحولات السياسية والعسكرية الكبرى شهدتها أفريقيا الجنوبية بين نحو 1815 و1840، وتميزت بإعادة تنظيم المجتمعات الأفريقية في اتحادات وممالك أكبر نتيجة الصراعات الداخلية وضغوط التوسع الاستعماري الأوروبي)، بقيادة شاكا زولو، والتي جاءت استجابة للتوسع الاستعماري الهولندي والبريطاني بين عامي 1810 و1860. غير أن هاتين التجربتين الثوريتين فقدتا، مع مرور الزمن، هدفهما الأصلي، وتحولتا في النهاية إلى مجموعات قومية إثنية أكبر، مثل الشونا والزولو، اللتين أصبحتا اليوم هويتين إثنيتين حديثتين. وعند تفكيك هوية الزولو، يتضح أن أبناءها ينحدرون من جذور متنوعة تشمل التوا (السان)، والخوي، والبوكوني، والهلوبي، والسواتي، والتسونغا، والموتابا، والروزفي، والتمبي، والمثيثوا، والندواندوي، وغيرها من الشعوب الكثيرة. وتشمل هذه الجذور شعوباً من مختلف أنحاء أفريقيا الجنوبية، وليس فقط سكان جنوب أفريقيا الحاليين. وبسبب عقود طويلة من التاريخ المشوَّه والمغلوط، فإن معظم سكان جنوب أفريقيا اليوم لا يعرفون تاريخهم الحقيقي بوصفهم شعوباً متنوعة تنتمي إلى فضاء أفريقيا الجنوبية الأوسع.
ينتمي معظم المهاجرين الأفارقة الذين يتدفقون إلى جنوب أفريقيا في الوقت الحاضر إلى الشرائح الدنيا من الطبقة العاملة والبرجوازية الصغيرة الفقيرة، وليسوا من أصحاب رؤوس الأموال أو العمالة الماهرة ذات الدخل المرتفع. ويأتي هؤلاء من بلدان مثل زيمبابوي وموزمبيق ومالاوي وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولاتسيو وإثيوبيا ونيجيريا، مدفوعين بمزيج من الأزمات الاقتصادية، والبطالة، وانخفاض الأجور، والصراعات المسلحة، وعدم الاستقرار السياسي. وبعد وصولهم إلى جنوب أفريقيا يتركز معظمهم في الاقتصاد غير الرسمي، حيث يعملون في متاجر السبازا، والبيع المتجول، والمطاعم الصغيرة، والحلاقة، وغسيل السيارات، وأعمال البناء، والعمل اليومي، وخدمات النقل، وغيرها من المهن منخفضة الدخل التي يتجنبها كثير من العمال المحليين أو التي لا توفر عقود عمل مستقرة. ويعيش كثير منهم في أوضاع عمل غير مستقرة، ويتقاضون أجوراً منخفضة، ويفتقرون إلى الحماية القانونية والضمانات الاجتماعية، مما يجعلهم جزءاً من البروليتاريا الهشة أو البروليتاريا غير الرسمية أكثر من كونهم منافسين اقتصاديين لان اندماجهم يتركز أساسًا في القطاع غير الرسمي والاقتصاد منخفض الأجور.
هناك نقطة مهمة أيضاً، وهي أن العداء المعاصر تجاه المهاجرين الأفارقة يحجب حقيقة تاريخية تتمثل في أن التنمية الاقتصادية في جنوب أفريقيا لم تكن يوماً مشروعاً وطنياً خالصاً، وإنما نشأت ضمن اقتصاد إقليمي مترابط اعتمد مادياً على العمالة الأفريقية القادمة من خارج حدودها. فمنذ اكتشاف الماس في كيمبرلي عام 1867، ثم الذهب في ويتواترسراند عام 1886، قام الاقتصاد الصناعي في جنوب أفريقيا على نظام العمالة المهاجرة، الذي استقدم مئات الآلاف من العمال الأفارقة من موزمبيق، وليسوتو، وإسواتيني (سوازيلاند سابقاً)، ومالاوي، وبوتسوانا، وزيمبابوي، وغيرها من بلدان الجنوب الأفريقي، للعمل في المناجم والزراعة والصناعات المرتبطة بها. ولتنظيم هذا النظام، أنشأت غرفة المناجم أجهزة متخصصة، مثل Witwatersrand Native Labour Association WNLA أو Wenela لتجنيد العمال عبر الحدود، وضمان استمرار تدفق قوة عمل رخيصة ومنضبطة إلى المناجم..
أتقن نظام الأبارتهايد الهيكل الاجتماعي والسياسي الذي أرسته الإمبريالية البريطانية، والذي انبثقت منه لاحقاً ظاهرة كراهية الأجانب. فقد استخدم الاستعمار سياسة تأليب الجماعات الإثنية الأفريقية بعضها ضد بعض خلال حروب الغزو ونزع الأراضي. وعندما وصل نظام الفصل العنصري إلى السلطة عام 1948، حوّل احتياطيات العمالة الريفية التي أنشأتها الإمبريالية البريطانية إلى نظام البانتوستانات، الذي أضفى طابعاً مؤسسياً على التجزئة الإثنية. وفي الوقت نفسه، أبقى على نظام العمالة المهاجرة الذي كان ينقل كتلاً بشرية من المناطق الريفية داخل جنوب أفريقيا ومن البلدان المجاورة، ولا سيما لتزويد صناعة التعدين بعمالة رخيصة من خلال نظام Wenela (WNLA) بعقود مؤقتة، مع منعهم من الاستقرار أو اصطحاب أسرهم، بهدف إبقائهم معزولين عن المجتمع والحيلولة دون تشكل حركة عمالية موحدة. ومع ذلك، أفضى هذا النظام، على نحو غير مقصود، إلى نشوء وعي مشترك بين العمال داخل المناجم، إذ واجهوا الظروف نفسها من الاستغلال والقهر. ولم يقتصر دور العمالة المهاجرة على تلبية احتياجات سوق العمل، وإنما كانت إحدى الدعائم الأساسية في تطور الرأسمالية في جنوب أفريقيا. وقد اعتمدت شركات التعدين على إبقاء أجور العمال الأفارقة عند مستويات متدنية عبر توسيع نطاق التجنيد ليشمل مختلف أنحاء الجنوب الأفريقي، الأمر الذي خفّض تكاليف الإنتاج وعزّز معدلات الربح. وفي الوقت نفسه، ظل العمال مرتبطين بقراهم وأسرهم في بلدانهم الأصلية، فتولت تلك المجتمعات جانباً كبيراً من تكاليف إعادة إنتاج قوة العمل، في حين استفادت الشركات ونظام الأبارتهايد من اليد العاملة من دون تحمل أعباء الاستقرار الاجتماعي أو الرعاية طويلة الأجل. وهكذا غدا هذا النظام عنصراً حاسماً في تشكل الرأسمالية التعدينية، ثم في ترسيخ نظام الفصل العنصري لاحقاً.
العمالة الأفريقية المهاجرة ومشاركتها في القتال ضد نظام الأبارتهايد
شاركت العمالة الأفريقية المهاجرة أيضاً في القتال ضد نظام الأبارتهايد. فقد ضمت نقابات عمال المناجم والاتحادات العمالية، مثل الاتحاد الوطني لعمال المناجم NUM ومؤتمر نقابات عمال جنوب أفريقيا COSATU عمالاً من ليسوتو، وموزمبيق، وإسواتيني، ومالاوي، وزيمبابوي، شاركوا في الإضرابات والاحتجاجات التي هزّت النظام العنصري. وخلال ثمانينيات القرن العشرين، أصبحت الحركة النقابية أحد أهم أعمدة المقاومة، وكان آلاف العمال المهاجرين جزءاً أساسياً من هذه التعبئة الجماعية، رغم تعرضهم للطرد، والترحيل، والاعتقال. ويُعد إضراب عام 1987 أكبر إضراب في تاريخ صناعة التعدين في جنوب أفريقيا، إذ شارك فيه نحو 300 ألف عامل بقيادة الاتحاد الوطني لعمال المناجم NUM وكان من بينهم عشرات الآلاف من العمال المهاجرين القادمين من موزمبيق، وليسوتو، ودول أخرى. وطالب هؤلاء معاً برفع الأجور، وتحسين ظروف العمل، والاعتراف بالنقابات، فأصبح الإضراب إحدى أقوى الضربات التي تلقاها نظام الفصل العنصري والرأسمالية التعدينية في سنواتهما الأخيرة. وانخرط عدد من هؤلاء العمال في المؤتمر الوطني الأفريقي ANC والحزب الشيوعي الجنوب أفريقي SACP في حين وفرت دول الجوار، مثل موزمبيق، وزامبيا، وأنغولا، وزيمبابوي، قواعد خلفية لمعسكرات أومخونتو وي سيزوي MK الجناح العسكري للمؤتمر الوطني الأفريقي. كما أن شخصيات بارزة في الحركة المناهضة للفصل العنصري جاءت من خلفيات عمالية مهاجرة أو من أسر انتقلت إلى جنوب أفريقيا للعمل في المناجم، وهو ما يعكس الطابع الإقليمي للنضال ضد نظام الفصل العنصري، ويؤكد أن هذا النضال شاركت فيه شعوب الجنوب الأفريقي بأسره، ولم يقتصر على جنوب أفريقيا وحدها.
ونرى أن كراهية العمالة الأفريقية المهاجرة (الفروتوبيا) في جنوب أفريقيا ليست سوى إحياء لشعار الفصل العنصري Swart Gevaar (الخطر الأسود)، شعار سياسي استخدم لإثارة الخوف في أوساط السكان البيض من نضال حركة التحرر المطالبة بحكم الأغلبية. واعتمد نظام الفصل العنصري وشركات التعدين على اختلاف الجنسيات واللغات لإضعاف التضامن بين العمال، فكانوا يوزعون داخل المجمعات السكنية وفقاً لأصولهم الوطنية أو الإثنية في محاولة لمنع تشكل حركة عمالية موحدة. ومع ذلك، لم تحقق هذه السياسة أهدافها بصورة كاملة، إذ شهدت المناجم منذ سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين تناميًا في التعاون بين العمال الجنوب أفريقيين والعمال المهاجرين داخل الإضرابات والنقابات.
اليوم أُعيد توظيف هذا الشعار علي يد حكومة الوحدة الوطنية بقيادة المؤتمر الوطني الأفريقي ANC التي تعتمد أساليب مشابهة لصرف الأنظار عن مسؤوليتها تجاه الفقر والبطالة وانهيار الخدمات العامة. ويكشف هذا الامتداد بين الهندسة العرقية التي انتهجها نظام الفصل العنصري والافروفوبيا المعاصرة عن الوظيفة المشتركة التي تجمع بينهما، والمتمثلة في حماية رأس المال من خلال إعادة توجيه الغضب الاجتماعي بعيداً عن أسبابه الحقيقية نحو الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها المهاجرون واللاجئون. ويفسر ذلك صعود تنظيمات مثل Operation Dudula وMarch on March التي حظيت بدرجات متفاوتة من الشرعية لدى بعض الساسة، مع ورود تقارير واتهامات بشأن حصولها على تمويل من مصادر غامضة، يرجح أن يكون بعضها مرتبطاً بشبكات إجرامية، إلى جانب اتهامات بتساهل بعض الأجهزة الأمنية مع أنشطتها، إذ تُستخدم لتحويل الأنظار عن التفاوت الاجتماعي المتفاقم الذي يميز جنوب أفريقيا في مرحلة ما بعد الفصل العنصري، حيث تتركز ملكية الأراضي والثروة في أيدي أقلية صغيرة، بينما يكافح ملايين الجنوب أفريقيين يومياً من أجل تأمين سبل العيش والسكن والرعاية الصحية وفرص العمل. وعلى الرغم من أن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي يتبنى مواقف تقدمية على الصعيد الدولي، فإنه يتجه بوضوح نحو اليمين على المستوى الداخلي، إذ يطبق سياسات نيوليبرالية تقوم على تقليص الإنفاق على الاحتياجات الاجتماعية الملحة، ولا يفعل عملياً شيئاً لوقف تفكيك القاعدة الصناعية للبلاد. فقد كانت جنوب أفريقيا في السابق تفتخر بصناعاتها في مجالات النسيج والصلب والسيارات، إلا أن هذه القطاعات تشهد اليوم تراجعاً حاداً أدى إلى فقدان مئات الآلاف من فرص العمل، حتى تجاوز عدد العاطلين عن العمل عشرة ملايين شخص، ويرتبط ذلك بدرجة كبيرة بتدهور القطاع الصناعي. وقد أصبح الاقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على تصدير المواد الخام، وهي موارد تتسم بتقلب أسعارها وضعف مردودها، وتُصدر إلى أوروبا مصحوبة بفرص العمل. وأنتج هذا الوضع أزمة اجتماعية عميقة، إذ تغذي البطالة المرتفعة الجريمة واليأس وتفاقم تدهور الأوضاع الاجتماعية. وفي ظل هذه الظروف، يصبح توجيه الإحباط الشعبي نحو المهاجرين وسيلة سياسية لتجنب مساءلة المسؤولين عن السياسات النيوليبرالية التي أسهمت في ترسيخ التفاوت الطبقي وإعادة إنتاجه.
في 27 أبريل، الذي يوافق يوم الحرية، المناسبة الوطنية التي تحيي ذكرى أول انتخابات ديمقراطية متعددة الأعراق أُجريت عام 1994 وإسقاط نظام الفصل العنصري، قال الرئيس سيريل رامافوزا إن جنوب أفريقيا ليست بلداً للكراهية، وحذر من اتخاذ إجراءات غير قانونية ضد المهاجرين، مع إقراره في الوقت نفسه بأن كثيراً من المواطنين يشعرون بالاستياء من الضغوط المرتبطة بالهجرة غير النظامية. ويكشف هذا التردد من جانب رامافوزا عن إحجام مقلق من جانب المؤتمر الوطني الأفريقي ANC عن مواجهة مسؤوليته في صعود الحركة المعادية للأجانب داخل جنوب أفريقيا، ويكمن جوهر هذا الانعطاف نحو كراهية الأجانب في التراجع المستمر لثقة المواطنين بالمؤسسات التي كانت في طليعة النضال ضد نظام الفصل العنصري. فقد المؤتمر الوطني الأفريقي جانباً كبيراً من رصيده الشعبي، إذ كشفت النقاشات التي أجريتها مع عدد من الأصدقاء في جوهانسبرغ والمناطق الريفية في كوازولو-ناتال عن حالة عميقة من السخط تجاه التنظيم الذي قاد حركة التحرير، وكان على رأس التحالف الثلاثي الذي ضم مؤتمر نقابات عمال جنوب أفريقيا COSATU والحزب الشيوعي الجنوب أفريقي. ومع مرور الوقت، اتجه جزء من المواطنين إلى التصويت لأحزاب سياسية أخرى، في حين اختار آخرون الامتناع عن المشاركة في الانتخابات تعبيراً عن فقدان الثقة في النخبة الحاكمة. وأصبحت المفارقة التاريخية واضحة، إذ تحول التنظيم الذي قاد الكفاح ضد نظام الفصل العنصري إلى جهة تُتهم بتهيئة الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أسهمت في ترسخ الخطاب المعادي للأجانب. واستثمرت جماعات مثل Operation Dudula، وأحزاب سياسية مثل Patriotic Alliance هذا الغضب الشعبي ووجهته نحو المهاجرين واللاجئين، عبر تصويرهم على أنهم المسؤولون عن البطالة والجريمة وتدهور الخدمات العامة. على الرغم من تأكيد جاكينتا نغوبيسي-زوما أن حركة March on March “غير منحازة لأي حزب سياسي”، فإن هناك روابط واضحة بينها وبين حزب أومخونتو وي سيزوي MK بزعامة جاكوب زوما، الرئيس السابق لجنوب أفريقيا والقيادي السابق في المؤتمر الوطني الأفريقي.
اليوم يحرض العامل الجنوب أفريقي العاطل عن العمل على تحميل المسؤولية لبائع متجول من زيمبابوي، أو صاحب متجر سبازا من غانا أو نيجيريا لأن الطبقة الحاكمة تخشى أن يتحول التمرد الانتخابي الذي شهدته انتخابات عام 2024، احتجاجاً على الكوارث التي خلّفتها سياساتها النيوليبرالية طوال أكثر من ثلاثة عقود منذ نهاية نظام الفصل العنصري، إلى حراك جماهيري في الشوارع، والأحياء، وبين الطلاب والشباب، وفي مواقع العمل. يكشف توقيت موجات العنف ضد المهاجرين هذا البعد السياسي بوضوح إذ غالباً ما تتصاعد الهجمات المعادية للمهاجرين قبيل الانتخابات، حيث تسعى بعض القوى السياسية إلى حشد التأييد عبر التعهد بـ”إزالة العمالة الأفريقية المهاجرة” وإعادة توزيع المتاجر أو الفرص الاقتصادية على السكان المحليين. وفي بعض الحالات، تصل الأمور إلى حد أن بعض المجتمعات المحلية تهدد السياسيين بالقيام بأعمال عنف ضد الأجانب إذا لم تنفذ وعود ترحيلهم. وبهذا المعنى، تتحول كراهية الأجانب إلى سلاح سياسي وأداة للمساومة في الصراعات على النفوذ المحلي وشبكات المحسوبية.
الكثير من المهاجرين العمال اليوم أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمعات المحلية والاقتصاد المحلي الجنوب أفريقي. فمتاجر السبازا المملوكة للمهاجرين، تنجح في كثير من الأحيان لأنها تلبي احتياجات اجتماعية لا توفرها الشركات الكبرى أو متاجر التجزئة الرسمية. فهي تبيع السلع بأسعار معقولة بالقرب من أماكن سكن الجماهير، وتمنح الائتمان للأسر التي تعاني من ضائقة مالية، وتبني علاقات من الثقة والدعم المتبادل مع سكان بلدات السود (التاونشيب، وهي أحياء تقع على أطراف المدن خُصصت للسكان السود في عهد الفصل العنصري). ففي مناطق مثل هيرمانوس، ينظر كثير من السكان إلى أصحاب المتاجر المهاجرين من الدول المجاورة بوصفهم عنصراً إيجابياً في المجتمع، لأنهم وفروا الغذاء والخدمات بأسعار ميسورة وفي متناول الجميع. في الوقت نفسه، كثيراً ما تنظر الشركات الكبرى إلى هؤلاء التجار المهاجرين صغار الحجم بوصفهم منافسين اقتصاديين. ويتم تشويهم وتجريمهم على أنهم مهاجرون غير موثقين الأوراق القانونية غير أن الحقيقة عكس ذلك إذ إن كثيراً من المهاجرين دخلوا جنوب أفريقيا بشكل قانوني في البداية، ثم فقدوا وضعهم القانوني لاحقاً بسبب الاختلالات الإدارية والبيروقراطية والعدائية داخل وزارة الشؤون الداخلية. فطلبات الإقامة تضيع، وتصاريح الإقامة تتأخر، ويُدفع الأشخاص عملياً إلى وضع “غير قانوني” نتيجة الإقصاء البيروقراطي. ومن ثم، فإن فئة “المهاجر غير الشرعي” ليست دائماً وصفاً لواقع قانوني بقدر ما تكون نتاجاً لسياسات وإجراءات إدارية.
وعلى الرغم من حدة الخطاب المعادي للعمالة الأفريقية المهاجرة، فإن الحياة اليومية داخل المجتمعات الشعبية أكثر تعقيداً وتناقضاً مما توحي به هذه الأحداث. فصحيح أن التوترات موجودة، لكن هناك أيضاً أشكالاً لا حصر لها من التضامن والتعاون بين الجنوب أفريقيين والمهاجرين. ففي العديد من البلدات، يحمي السكان المحليون المهاجرين من الاعتداءات، وينظمون معهم نضالات مشتركة من أجل السكن والخدمات الأساسية، ويبنون علاقات تقوم على المعاناة المشتركة والسعي الجماعي إلى البقاء. ويجسد هذا التضامن مثال التجار النيجيريين الذين حمتهم نساء جنوب أفريقيات خلال موجات العنف، لأنهم أصبحوا جزءاً من مجتمعهن المحلي.
أغلب العمالة الأفريقية تمتلك وتعمل متاجر التجزئة الصغيرة غير الرسمية في جنوب أفريقيا التي تعرف باسم السبازا Spaza shopsويزيد عددها على 100 ألف متجر منتشرة في مختلف أنحاء البلاد، خاصة داخل داخل بلدات السود (التاونشيب، وهي أحياء تقع على أطراف المدن خصصت للسكان السود في عهد الفصل العنصري). وتؤدي هذه المتاجر دوراً مهماً في توفير السلع الأساسية للسكان، وتعزيز الأمن الغذائي المحلي، وخلق فرص للعمل الذاتي، وتقوية الروابط الاجتماعية داخل المجتمعات المحلية. خلال العقد الماضي، شهد هذا القطاع تغيرات كبيرة مع دخول فئة جديدة من التجار، كان كثير منهم، وإن لم يكونوا جميعاً، من المهاجرين. وأدى ذلك إلى انتشار خطاب قومي معادٍ للأجانب يصور أصحاب المتاجر المهاجرين على أنهم سبب تراجع أوضاع التجار الجنوب أفريقيين. فاتهمهم بعض السكان المحليين، وغالباً بتحريض من سياسيين، بأنهم دمروا مصادر رزق المواطنين، بينما رد منتقدو هذا الخطاب بالقول إن هؤلاء المهاجرين ليسوا سوى رواد أعمال أكثر كفاءة استطاعوا منافسة التجار الأقل قدرة على التكيف مع السوق. لكن الواقع أكثر تعقيداً من هذا التفسير المبسط، فالمشكلة لا تكمن فقط في استبدال التجار المحليين بالمهاجرين، لكن في التحولات العميقة التي شهدها قطاع متاجر السبازا نفسه. فقد تكيف هذا القطاع بسرعة مع ضغوط المنافسة من أجل البقاء والاستمرار، حتى أصبح جزء منه يعمل خارج الأطر القانونية والتنظيمية، وهو ما جعل سيادة القانون في هذا القطاع تواجه تحديات متزايدة. لذلك، فإن فهم الأزمة يتطلب تحليل هذه التحولات الاقتصادية والاجتماعية، بدلاً من اختزالها في خطاب يُحمّل المهاجرين وحدهم مسؤولية ما يحدث.
متاجر السبازا، معظمها، غير مسجلة رسمياً وتعتمد على التعاملات النقدية، معظمها ينتمي إلى نموذجين رئيسيين. يتمثل النموذج الأول في مشروعات معيشية صغيرة يديرها أصحابها بأنفسهم من داخل منازلهم، وهي الصورة التقليدية لمتجر السبازا. وتعمل هذه المتاجر خارج الاقتصاد الرسمي بسبب صغر حجمها أو لأن أصحابها لا يملكون الموارد اللازمة لتسجيلها والالتزام بالإجراءات القانونية. أما النموذج الثاني، فيضم متاجر أكبر حجماً اختارت البقاء خارج الإطار الرسمي رغم قدرتها على الامتثال للقوانين. وكانت هذه المتاجر تعمل من محال تجارية مستقلة، وتوفر تشكيلة أوسع من السلع، وتمنح الزبائن الائتمان، وترتبط بعلاقات تجارية مع تجار الجملة. كما أظهرت الدراسة أن نحو نصف من يديرون هذه المتاجر ليسوا أصحابها، بل موظفون يعملون لصالح شركات أكبر تمتلك المتاجر أو تزودها بالبضائع. وكانت بعض شركات الجملة والمستودعات جزءاً من شبكات تجارية ضخمة تصل مبيعاتها إلى مئات الآلاف من الراند أسبوعياً، كما أصبحت سلاسل المتاجر الكبرى ومراكز التسوق في جنوب أفريقيا جزءاً من هذه المنظومة التجارية. وأدى ظهور هذه المتاجر الأكبر، التي تجمع بين تجارة الجملة والتجزئة في شبكة واحدة، إلى زيادة حدة المنافسة داخل القطاع، وهو ما تسبب في خروج كثير من المشروعات الصغيرة المستقلة، التي يملك معظمها جنوب أفريقيون، من السوق. ورغم أن هذا التحول وفر للمستهلكين سلعًا أكثر تنوعاً وبأسعار أقل، فإنه جاء بتكلفة كبيرة، إذ اعتمدت بعض هذه الأنشطة على التهرب المتعمد من القوانين واللوائح التنظيمية باعتباره جزءاً من استراتيجيتها التجارية لخفض التكاليف وزيادة قدرتها على المنافسة.
يعمل العاملون في متاجر السبازا، وخاصة العمال الأجانب، في ظروف عمل قاسية تجعلهم أكثر الفئات عرضة للاستغلال. فكثير منهم يعملون أكثر من 15 ساعة يومياً، سبعة أيام في الأسبوع، كما يحتجز بعض أصحاب العمل جزءاً من أجورهم. وفي كيب تاون، أفاد أكثر من نصف العمال المهاجرين بأنهم كانوا يسددون ديوناً لأصحاب العمل مقابل تكاليف سفرهم إلى جنوب أفريقيا، بينما كان أصحاب العمل يحتفظون بجوازات سفرهم في معظم الحالات. واغلبهم ملزم بالمبيت في مكان العمل. تمثل هذه الأوضاع انتهاكاً واضحاً لقوانين العمل في جنوب أفريقيا، التي تحدد حداً أدنى للأجور يبلغ 3,701 راند شهرياً مقابل 45 ساعة عمل أسبوعياً، كما تضمن للعامل 12 ساعة راحة خلال كل 24 ساعة، أو 36 ساعة راحة متصلة أسبوعياً تشمل يوم الأحد، ما لم يُتفق كتابياً على خلاف ذلك. ولا تقتصر المشكلة على سوء معاملة العمال، بل ترتبط أيضاً بطريقة عمل بعض أصحاب متاجر السبازا، الذين أصبحت أعمالهم كبيرة بما يكفي للالتزام بقوانين الاقتصاد الرسمي، لكنهم يختارون عمداً العمل خارج هذه القواعد لتقليل التكاليف وزيادة الأرباح. ويصف الباحثون هذا النموذج بـ”الاقتصاد غير الرسمي المتعمد” Informalist وهو نموذج يقوم على ممارسة نشاط تجاري مشروع، مثل بيع المواد الغذائية بالتجزئة، مع التهرب من القوانين المنظمة للتوظيف وإدارة النشاط، خاصة قوانين العمل. وتستفيد هذه المتاجر من التسهيلات التي تُمنح للمشروعات المنزلية الصغيرة داخل بلدات السود (التاونشيب، وهي أحياء تقع على أطراف المدن خصصت للسكان السود في عهد الفصل العنصري) لكنها في الوقت نفسه تتجنب الالتزامات القانونية المفروضة على الشركات الأكبر، مما ينعكس سلباً على النمو الاقتصادي، والعمل اللائق، وسيادة القانون. ورغم تعقيد هذه المشكلة، يلجأ عدد متزايد من السياسيين إلى تحميل العاملين الأجانب في متاجر السبازا مسؤولية الأزمة وتحويلهم إلى كبش فداء.
الأفروفوبيا وخطورة استغلالها لتغذية مشاريع الانفصال والصراعات الأهلية
الأخطر اليوم أصبحت موجة الافروفوبيا تستغل لتغذية مشاريع الانفصال والانقسامات الإقليمية والعرقية داخل جنوب أفريقيا. يقود رجل الأعمال والمليونير الأبيض روب هيرسوف حملة تدعو إلى استقلال إقليم ويسترن كيب عن جنوب أفريقيا، وصرح باستعداده لتقديم 200 مليون راند لزعيم حزب التحالف الوطني Patriotic Alliance غايتون ماكنزي، إذا وافق على تولي رئاسة حكومة إقليم مستقل، أيضاً ردد قوميون متطرفون مثل فاديل آدامز، زعيم المؤتمر الوطني للملونين، دعوات تطالب السود القادمين من إقليم إيسترن كيب بالعودة إلى مناطقهم الأصلية. وجاء ذلك بعد تصريحات مثيرة للجدل أطلقتها هيلين زيلي، القيادية في التحالف الديمقراطي، وصفت فيها الوافدين من إيسترن كيب إلى ويسترن كيب بأنهم “لاجئون”، وهو توصيف أثار انتقادات واسعة لأنه يعامل مواطنين من الدولة نفسها كما لو كانوا غرباء داخل وطنهم. وأدى هذا الخطاب إلى تعزيز الانقسام بين سكان الأقاليم المختلفة، وإضفاء شرعية على مطالب تستهدف الحد من انتقال المواطنين داخل البلاد، إذا طُبقت هذه الطروحات عمليًا، فإنها ستفتح الباب أمام عمليات تهجير أو ترحيل داخلي على أسس عرقية وإقليمية، وهو منطق لا يختلف في جوهره عن الدعوات المطالبة بالترحيل الجماعي للمهاجرين الأفارقة. وتكشف هذه الاتجاهات عن عودة أنماط من التفكير القائم على الفصل المكاني والعرقي، بما يهدد بإعادة إنتاج الانقسامات التي خلفها نظام الفصل العنصري.
اليوم تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه الخطابات إلى وقود لصراعات أهلية ذات طابع عرقي وإقليمي، بما يخدم مصالح النخب الساعية إلى الحفاظ على امتيازاتها. وتقتضي مواجهة هذه النزعات أن يبدأ التنظيم الشعبي من الواقع المادي الذي يعيشه الناس، ومن المشكلات التي تشكل حياتهم اليومية، وهو ما عبر عنه أميلكار كابرال حين أكد أن الجماهير تتحرك انطلاقًا من احتياجاتها المادية لا من الشعارات المجردة. ومن هذا المنطلق، لا يكفي الاكتفاء بالدعوة إلى الوحدة الأفريقية Pan-Africanism أو العالمية Cosmopolitanism أو الإنسانية Humanism بوصفها مبادئ أخلاقية مجردة، وإنما ينبغي ربط النضال ضد الأفروفوبيا بالقضايا الملموسة التي تمس حياة السكان، مثل الحق في العمل، والسكن، والرعاية الصحية، والتعليم، فالمهاجرون والسكان المحليون يواجهون الظروف نفسها من الفقر، والبطالة، والحرمان، الأمر الذي يجعل مصالحهم متداخلة أكثر مما توحي به الخطابات الشوفينية والإقصائية.
(ملحوظة: أفضل استخدام مصطلح الأفروفوبيا Afrophobia بدلًا من الزينوفوبيا Xenophobia لأن العنف والخطاب الإقصائي يستهدفان، في المقام الأول، المهاجرين الأفارقة السود القادمين من بلدان الجنوب والغرب الأفريقي ، في حين لا يتعرض الأجانب البيض أو القادمون من أوروبا وأميركا الشمالية والعديد من الدول الآسيوية للمستوى نفسه من الاستهداف أو الوصم. استخدام مصطلح “الزينوفوبيا” يحجب الطبيعة الحقيقية لهذه الظاهرة، لأنها ليست رفضاً للأجنبي بوصفه أجنبياً، وإنما عداء موجه إلى أفارقة بعينهم، تشكلهم المخيلة القومية السائدة باعتبارهم منافسين على فرص العمل والسكن والخدمات العامة. كما أن مصطلح “الأفروفوبيا” يسلط الضوء على المفارقة التاريخية المتمثلة في أن ضحايا هذا العداء هم أبناء القارة نفسها، وكثير منهم ينحدرون من بلدان أسهمت في دعم نضال جنوب أفريقيا ضد نظام الفصل العنصري، أو شارك مواطنوها في بناء اقتصادها منذ القرن التاسع عشر من خلال نظام العمالة المهاجرة. لذلك فإن استخدام مصطلح “الأفروفوبيا” يعكس توصيفاً أكثر دقة للظاهرة، ويكشف جذورها التاريخية والسياسية والاقتصادية، ويجنب التعميم الذي ينطوي عليه مفهوم “الزينوفوبيا”)
-
مترجم وباحث في العلوم السياسية المتعلقة بالشأن الأفريقي. كاتب في العديد من المجلات والصحف الأفريقية. شارك في طبعات مترجمة باللغة العربية والإنجليزية في عدة مراكز بحثية بأفريقيا
View all posts