كلب أوديسيوس.. العِبرة لمن اعتبر

-+=

أوديسيوس وآرجوس

تابع الجميع فيلم “الأوديسة” من ناحية التقييم فلا بأس به إلا أنه لم يتجاوز مستوى كتابات هوميروس (الالياذة والأوديسة). أوديسيوس ملك إيثاكا -إحدى الجزر الواقعة في بحر ايجة- ارتحل ليقاتل في طروادة ونظراً لكون رأسه مطلوباً وجب عليه دخول قصره متخفياً كمتسول، بعد أن قضى 20 عاماً في الخارج لم يتعرف عليه أحد لا رجاله ولا عائلته ولا حتى مدينته تلك التي دمرت عبر غزاة البحر.

تتميز الكلاب بحاسة شم فطرية وتستطيع من خلالها التعرف على الشخص من رائحته. آرجوس كان كلب الصيد الوفي لأوديسيوس قبل أن يغادر لغزو طروادة، على الرغم من كون آرجوس صغيراً جداً إلا أنه كان موهوباً للغاية، كما لو كان مباركاً من الآلهة. مضى أوديسيوس ماشياً في شوارع “بوليس”، بينما كان كلبه الوفي جداً ملقى على الأرض كالقمامة بارداً مهجوراً في القذارة غير محبوب ومهمل لا يعدو أن يكون مجرد تفصيل لنا نحن البشر.

هز آرجوس ذيله بلا توقف وهمَّ برفع رأسه حتى يداعبه أوديسيوس مفترضاً بأنه سيلقى احتفاءً وحباً كما كان يحدث قبل كل تلك السنوات الكئيبة، من جانبه تجاهل أوديسيوس كلبه لتجنب إثارة أية شكوك. مات آرجوس حزيناً نتيجةً لذلك بعد أن هجره الشخص الوحيد الذي داوم على رعايته. لم تكن نهاية آرجوس سلمية على الإطلاق كما ظن الكثيرون ممن اختلقوا ذلك ليشعروا بتحسن تجاه أنفسهم.

ما أقسانا نحن تجاه الحيوانات، ويل للذين لا يهتمون بمعاناة الحيوانات سواء أكانت ضخمة كالفيل أو صغيرة كالنحلة.

القضية المطروحة

في الخليج، نحن محظوظين بأشياء كثيرة من ضمنها الموارد الطبيعية التي تمكنا من تمويل أي مشروع نحلم به، كما لدينا إرث ثري ممتد لحضارتي ماجان ودلمون القديمة. علاوة على ذلك اكتسبنا خبرة في أوقات الرخاء والشدة كما أن وقتنا الحالي يتميز بوفرة المعلومات والتي يمكن التوصل إليها ببحث واحد في غوغل، يمكننا كذلك الوصول إلى أي كتاب حلمنا به وبكل لغة نتحدث بها. مع كل هذا التقدم والفرص لماذا ما نزال نشعر بذلك … الفراغ؟ غياب الأهداف؟ انعدام القوة؟ عدم القدرة على العمل من أجل الصالح العام؟

يدهشني أن حضارة قديمة مثل حضارتنا بكل تقاليدها وقيمها غير قادرة على رعاية من هم أقل حظاً مثل الحيوانات. لا يمكن للحيوانات التصويت للتغيير أو أن تتحدث عن نفسها ما أن ظهرت مشكلة ما، كما تعجز عن إيجاد ظل لها في النهار أو مأوى في الليل ولا يمكنها الذهاب إلى مكانٍ آخر أفضل لها دون عبور الطرق السريعة ذات المسارات الخمسة مما يعرض حياتها للخطر ولا يمكنها شراء الطعام أو الماء لتروي عطشها وتُطرد من الأماكن المكيفة لما تعانيه من أمراض نتيجةً لقلة الرعاية، هنا يظهر عائق آخر يزيد الوضع تعقيداً حيث لا يمكننا مساعدتها بسبب قوانيننا وما تحتويه من بنود قديمة. هل ترى الآن المشكلة المطروحة؟

لم نعد نبني من أجل البشر والحيوانات، بل من أجل ما نصنعه، السيارات تعطى الأولوية على البشر، تغير أسلوب حياتنا بالكامل لاستيعاب تأثيرات السيارات الشبيهة بالورم. الهواء النقي تحول إلى ما يشبه الفوضى الخانقة المفروضة علينا بفعل الملوثات المنبعثة من السيارات، وشوارعنا الضيقة المزروعة بأشجار الظل ومياهها المتساقطة لتشرب منها القطط والكلاب في الأيام الحارة تم استبدالها بالطرق السريعة متعددة المسارات التي بنيت لتسهيل حركة السيارات. كانت مساجدنا في السابق مثابة ملجأ للقطط في الأيام الحارة ومكاناً للراحة، ولكننا الآن نتجنب ونبعد القطط لأسباب سخيفة، فالطيور مثلاً كانت تجلس على الأشجار والزوايا والشقوق، كانت تلك الأماكن ملاذاً لها. إلا أننا وضعنا المسامير في كل زاوية وحافة فقط لمنعها من الاستقرار على مبانينا. كنا شعباً نبيلاً يهتم بالحيوانات ويتأكد من أن بيئتنا ملائمة لأي كائن يمكنه التنفس، السؤال هل تراجعنا؟ هل استحلنا أشراراً لا نهتم إلا بأنفسنا؟ لماذا عاملنا الحيوانات بهذه القسوة؟ هل هذا ما وصلنا إليه؟ هل اخترنا البناء من أجل راحتنا على حساب تلك الحيوانات التي لا يمكن الدفاع عنها؟ نعم بكل تأكيد فعلنا ذلك! نحن أكثر قسوة مما كنا عليه على الإطلاق…  بلا قلب وغير مبالين بمعاناة الآخرين. كم يجب أن يبلغ عدد الذين يعانون كي يفهموا ما تعيشه الحيوانات يومياً؟ أعطتنا الحرب في المنطقة مجرد لمحة عن مدى صعوبة العيش هنا بدون ماء أو طعام وعدم وجود نظام تبريد في هذا الصيف الحار والعديد من المشكلات الأخرى المستجدة. بينما يمكننا حجز رحلات للهروب ولا يمكن لهذه الحيوانات، المسكينة التي استغللناها وأهملناها، الهروب. هل تستطيع أن تشم رائحة القهوة الآن؟ هل تستطيع الآن سماع الموسيقى؟

تصحيح مسار

العالم يتغير وبحلول عام 2100 سينخفض الطلب على النفط بشكل حاد، كما أن الجميع سيتكيف مع الطاقة الخضراء عالمياً وهذا هو شريان حياتنا في المنطقة. 

ما يزال لدينا فرصة لاستخدام مواردنا ومنافسة المدن الكبرى حول العالم، أمامنا حوالي 75 عاماً لإحداث أكبر تغيير في تاريخ البشرية استناداً لمعرفتنا، خبراتنا، تجاربنا، تاريخنا، تراثنا، تقاليدنا، ثقافتنا، تجارتنا وتقنياتنا. يمكننا أن نجعل مدناً مثل باريس، لندن، برلين، نيويورك، سنغافورة، شنغهاي، سيول وكوالالمبور تغار منا.

تخيل مدينة جديدة آمنة ويمكن المشي بها، خالية من السيارات ونستخدم الترام والقطارات لنقلنا عبرها، تمتاز بمبان جميلة تعبر عن تراثنا المعماري الغني تكون لنا ظلاً من الشمس بشرفات ونوافير مياه منتشرة في كل مكان. مؤسسات مدنية مثل المكتبات العامة الجميلة، مقاهي حيث يمكن للعقول الرائعة الاجتماع والنقاش في القضايا ذات الصلة التي نواجهها وسنواجهها.

مجتمع يُعتنى فيه بالجميع لا أحد فقير أو يعاني من مشاكل اقتصادية، حيث يمكننا إثبات أن أكبر المدن الموجودة في الخليج، بإمكانها تحقيق ذلك. لذا يجب أن تتغير سياساتنا التعليمية من أجل مستقبل المنطقة وليس من أجل جيوب الشركات الأجنبية التي ترغب باستغلالنا والاستحواذ على ممتلكاتنا.

 سواءً أحببنا ذلك أم لا سيحدث التغيير، أما مدى سلاسة الانتقال يعود لنا تماماً. هل سنتكيف الآن أم سنتعرض لصحوة قاسية جداً، صحوة لن نتعافى منها أبداً. 

*المقال مترجم إلى العربية بواسطة الزميل أحمد الحمد

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

هل نعيش التناقض أم نحلّه؟ .. التنافر المعرفي في المجتمعات العربية

التنافر المعرفي ليس المشكلة بحد ذاته… التناقض جزء طبيعي من كوننا بشراً. المشكلة تبدأ عندما يتحول التناقض إلى نظام دائم، وتصبح مهمتنا الأساسية ليست إصلاح الواقع، بل اختراع تفسير يسمح لنا بالاستمرار داخله دون شعور بعدم الراحة.

هايتي: مختبر العقاب الإمبراطوري الحديث

جزيرة هايتي تعتبر المثال الأبرز لمصطلح ”الفناء الخلفي لواشنطن“، لأنها تاريخياً كانت تشكل تهديداً وجودياً منذ عام 1804، حين تأسس أول كيان جمهوري في أميركا

عن السؤال المتكرّر والمسموم: مَن بدأ أوّلاً؟

لا ينبغي أن نجيب عن سؤال “مَن بدأ أوّلاً” بشروطهم. الإجابة عنه أيّاً كانت، هزيمة سابقة لأوانها؛ لأنّها تسليم ضمنيّ بأنّ للتاريخ أن يبدأ حيثما شاءت القوّة أن يبدأ. المطلوب ليس الفوزَ في مسابقةٍ حول نقطة الصفر، بل رفض السؤال ذاته، واستعادة السؤال الحقيقيّ الذي يحاول أن يدفنه: ليس “مَن أطلق الرصاصة الأولى في هذه الجولة؟”، بل “مَن فرض الشرط الذي يجعل الرصاص حتميّاً؟”.

جنوب أفريقيا: كيف أعادت النيوليبرالية إنتاج الأفروفوبيا؟

تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه الخطابات إلى وقود لصراعات أهلية ذات طابع عرقي وإقليمي، بما يخدم مصالح النخب الساعية إلى الحفاظ على امتيازاتها. وتقتضي مواجهة هذه النزعات أن يبدأ التنظيم الشعبي من الواقع المادي الذي يعيشه الناس، ومن المشكلات التي تشكل حياتهم اليومية، وهو ما عبر عنه أميلكار كابرال حين أكد أن الجماهير تتحرك انطلاقًا من احتياجاتها المادية لا من الشعارات المجردة