في كلّ جولةٍ جديدة من الدم، يُطلّ علينا السؤال ذاته كأنّه بوّابة العدالة. وهو في الحقيقة أوّل الفخاخ. في اللحظة التي يشتعل فيها التصعيد، قبل أن تبرد الأجساد، يخرج علينا من بعض وسائل الإعلام السؤال المُنتظَر: مَن بدأ؟ يُطرح بوصفه مدخلاً بريئاً إلى الحقيقة، محايداً، عادلاً في ظاهره؛ فهو لا ينحاز إلى أحد، إنّما يبحث عن “الطرف المسؤول”. لكنّ هذا الحياد المُصطنَع هو، بالضبط أوّل عمليّة تلاعبٍ تُمارَس علينا. فالسؤال ليس محايداً؛ إنّه يهرّب في طيّاته حكماً مُسبقاً على مَنْ يملك الحقّ في أن يكون ضحيّة. كلّ سؤالٍ عن “البداية” هو أوّلاً وأخيراً سؤال عن الصفر: أين نضع نقطة الصفر في شريط التاريخ؟ ومَن يملك تحديد تلك النقطة يملك في اللحظة نفسها تحديدَ مَن هو المعتدي ومَن هو المُعتدى عليه، لأنّ العدّ يبدأ من حيث نشاء نحن أن نجعله يبدأ. فإن جعلتَ الصفر عند صاروخٍ أطلقته المقاومة، بدا المقاوم بادئاً؛ وإن جعلتَه عند الحصار الذي خنق مليونين طوال ثمانية عشر عاماً، انقلبت الصورة رأساً على عقب؛ وإن رجعتَ بالصفر إلى النكبة، إلى القرى التي مُحيت والمفاتيح التي ما زالت مُعلّقةً على الجدران، تبدّد السؤال كلّه في العدم. ولمَ يُثار السؤال دائماً في اللحظة نفسها؟ لاحِظ أنّه لا يُطرح قطّ حين تُهدَم بيوت في الخليل والقدس وجنوب لبنان، ولا حين يُقتلَع زيتون عمرُه قرون وتدمر البيئة الزراعية في الجنوب اللبناني، ولا حين يُقتَل طفل على حاجزٍ في طريقه إلى مدرسته. السؤال نائم طوال هذا الوقت لا يستيقظ إلّا حين يردّ المقهور. عندها فقط يُنفَض عنه الغبار ويُرفَع في وجه الضحيّة: مَن بدأ؟ إنّه سؤال انتقائيّ بطبيعته مُبرمَج على أن يصحو عند فعل المستضعَف وأن يغفو عند فعل القويّ.
الرصاصة الأولى لم تُطلَق في أكتوبر
هنا تحديداً يعمل بعض الإعلام. فالشرارة — طوفان الأقصى مثلاً — تُقتطَع من سياقها وتُعلَّق في فراغٍ مطلق، كحدثٍ بلا ماضٍ، كأنّ المقاومة الفلسطينية استيقظت ذات صباحٍ فقرّرت الحرب بلا سبب. وتُمحى، في المقابل السلسلة الطويلة التي سبقتها: عقود من الاستيطان، وسنوات من الخنق، ونكبة في الأصل. وهذا ما يُسمى بـ ” التأطير الحدثيّ”: أن تصوّر الحدث المفرد معزولاً، فتُعفي البنية من المسؤوليّة وتحمّلها للفرد وحده. والمفارقة أنّ السياق التاريخيّ لا يغيب كلّيّاً؛ إنّه يحضر بسخاءٍ حين يتعلّق الأمر بتبرير الكيان الصهيوني — تُستعاد المحرقة ومعاداة الساميّة في كلّ نشرة — ويختفي تماماً حين يتعلّق الأمر بتفسير فعل الفلسطينيّ. الذاكرة هنا تصبح انتقائيّة بمقدار انتقائيّة السؤال.
ولعل أعمق ما في المسألة أنّ ثمّة عنفاً لا يُرى أصلاً. حين تحدّث يوهان غالتونغ عن “العنف البنيويّ” (١)، كان يشير إلى الأذى المدفون في بنية الأشياء: الفقر، والحصار، والاختناق البطيء الذي يقصّر الأعمار دون طلقةٍ واحدة. هذا النوع من العنف لا يُحتسَب “بداية” لشيء، لأنّه صامت لا صوت له، لا انفجار فيه ولا ركام. أمّا فعل المقاوم فمدوٍّ، مرئيّ، مصوَّر؛ ولذلك يُختار وحده ليكون “البداية”. والحال أنّ الرصاصة الأولى في هذه الحرب لم تُطلَق في السابع والثامن من أكتوبر، ولا في أيّ يومٍ نعرفه بعينه؛ إنّها تُطلَق كلّ يومٍ منذ ثلاثة أرباع القرن، ببطءٍ، من غير أن يسمعها أحد. الاحتلال ذاته هو الطلقة التي لم تكفّ عن الانطلاق.
بل إنّ أهل غزّة أنفسهم شاهد على أنّ الصفر أبعد من 2005 بعقود: فأكثرهم لاجئون أو أبناء لاجئين، اقتُلِعوا من مدنهم وقراهم سنة 1948 ثمّ حُشِروا في هذا الشريط الضيّق. هؤلاء لم يُولَدوا في سجنٍ اسمه غزّة مصادفة؛ وجودهم فيه هو بحدّ ذاته، رسوب النكبة الأولى وامتدادُها. فحين يُسأل: مَنْ بدأ في غزّة؟ يكون الجواب مكتوباً في هويّة سكّانها قبل أن يُطلَق صاروخ واحد.
وما يصحّ على غزّة يصحّ على جنوب لبنان بحذافيره. حين فتحت المقاومة اللبنانية جبهة الإسناد في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر 2023، تلقّفتها بعض الشاشات بوصفها “بداية” جديدة: “ها هو لبنان يجرّ النار إلى حدوده”. ومرّة أخرى غاب كل ما سبق ذلك اليوم، كأنّ تاريخ الجنوب وُلد في ذلك الصباح. لكنّ الحرب بين الكيان الصهيونيّ ولبنان لم تبدأ سنة 2023 ولا سنة 2006؛ إنّها تمتدّ إلى سنة 1948 نفسها، حين هُجر نحو مئة ألف فلسطينيّ من ديارهم فعبروا الحدود لاجئين، فحملت الأرض اللبنانية منذ تلك اللحظة ندبة النكبة ذاتها.
ومنذ تلك السنة، ما سكت سجل الاعتداءات يوماً: غارة على مطار بيروت سنة 1968، ثمّ اجتياح الجنوب في “عملية الليطاني” سنة 1978 وإقامة “حزامٍ أمنيّ”، ثمّ الغزو الأكبر سنة 1982 الذي بلغت به الدبّابات بيروت فحاصرتها واحتلتها، وقتلت في أسابيع ما يقارب سبعة عشر ألفاً، وتوّجته مذبحة صبرا وشاتيلا تحت أنظار العدو الغازي. وتمكنت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية من تحرير بيروت ومعظم الأراضي اللبنانية المحتلة وكانت أوّل مرّةٍ ينسحب فيها العدو من أرضٍ عربيّةٍ محتلّة بالقوّة وحدها، لا بالمفاوضة، ثمّ احتلال للجنوب دام اثنين وعشرين عاماً، تخلّلته مجزرة قانا سنة 1996 حين قُصف مأوى للأمم المتحدة على رؤوس أكثر من مئة مدنيّ، إلى أن أُجبر الكيان على الانسحاب سنة 2000 مدحوراً. فأيّ عقلٍ بعد هذا السجلّ، يسأل مَن بدأ في الثامن من أكتوبر؟ مَن يجعل ذلك اليوم “بداية” إنّما يمحو خمسة وسبعين عاماً من النار كي تبدو الشعلة الأخيرة هي الحريق كلّه.
مَن يدافع عن نفسه، ومَن يدافع عن غنيمته؟
هذا التاريخ لا يمضي فيصير ماضياً؛ إنّه يُورَّث. فالمقاومة لا تحمل تاريخ انتهاء صلاحيتها: يتوارثها الأبناء عن الآباء ما دام سببها قائماً: الاحتلال، وكلّما أوغل الردّ في تجاوز الحدّ تعمّقت المرارة واتّسعت دائرة مَن ينذرون أنفسهم للمقاومة. هكذا يصنع العدو المحتل بيده، الجيل الذي سيقاومه غداً: كل مجزرةٍ بذرة مقاومةٍ قادمة، وكلّ بيتٍ مهدومٍ سبب جديد. وليست هذه “دورة عنفٍ” متكافئة الطرفين كما تحب الرواية أن تصوّرها، بل دوّامة يُطلقها الأقوى ثمّ يشكو من دورانها.
ثمّ يأتي توزيع الأدوار. فبعض الإعلام يختار مَن تُؤنسَن معاناته ومَن يُختزَل إلى رقم. قتلى الكيان الصهيوني يظهرون بوجوهٍ وأسماءٍ وحكاياتٍ عن أحلامٍ لم تكتمل؛ أمّا قتلى وشهداء المُستعمَرين فيمرّون رقماً في شريطٍ إخباريّ، جماعة بلا ملامح. القضيّة ليست مَن مات أوّلاً، بل مَن يُعترَف بموته بوصفه فاجعة تستحقّ الحداد، ومَن يُدفَن مرّتين: مرّة تحت الركام، ومرّة تحت الإحصاء.
ويبلغ التلاعب ذروته في العبارة: “حقّ الكيان في الدفاع عن نفسه”. هذه هي الصياغة التي تُتمّم الانقلاب، إذ تمنح المعتدي مفرداتِ الضحيّة كاملة. وليس في هذا جديد؛ فما من مستعمِرٍ في التاريخ إلّا وادّعى أنّه “يدافع عن نفسه” في وجه “همجيّة” الأهالي الذين تجرّؤوا على مقاومته. وهنا ينفجر السؤال المدفون تحت السؤال: هجومُ مَن هو الذي لم يتوقّف منذ قرن؟ مَن يدافع عن نفسه، ومَن يدافع عن غنيمته؟
ومن هنا وجب أن يُقال بلا مواربة: المقاومة حق، لا منّة ولا جريمة. حق للفلسطينيّ وللبنانيّ معاً، كفلته الشرائع والأعراف لكلّ شعبٍ يرزح تحت احتلال. وهو حق لا يتلوّن بلون حامله: خاضه الفدائيّون القوميّون واليساريّون الشيوعيون و”المقاومة الإسلاميّة” على تعاقبها. اختلفت الرايات، وبقي الفعل واحداً في جوهره: ردُّ المعتدى عليه على مَن اعتدى. والمقاومة على تنوّع أيديولوجيّاتها، لم تكن يوماً سببَ الخراب؛ السببُ مَن اتّخذ الخراب وسيلة وعقيدة. فالذي يهدم المستشفى ويقصف المخيّم ويسوّي الحيّ بالأرض هو صاحب قرار الهدم، لا مَن رفع السلاح في وجهه. وأن تخلط بين المقاوِم والمحتلّ في ميزان المسؤوليّة عن الدم، فتلك ليست حياديّة؛ إنّها الصيغة الأخيرة من صيغ السؤال المسموم.
لهذا السبب، لا ينبغي أن نجيب عن سؤال “مَن بدأ أوّلاً” بشروطهم. الإجابة عنه أيّاً كانت، هزيمة سابقة لأوانها؛ لأنّها تسليم ضمنيّ بأنّ للتاريخ أن يبدأ حيثما شاءت القوّة أن يبدأ. المطلوب ليس الفوزَ في مسابقةٍ حول نقطة الصفر، بل رفض السؤال ذاته، واستعادة السؤال الحقيقيّ الذي يحاول أن يدفنه: ليس “مَن أطلق الرصاصة الأولى في هذه الجولة؟”، بل “مَن فرض الشرط الذي يجعل الرصاص حتميّاً؟”. المقاومة لا تبدأ “العنف”؛ إنّها تقطع صمتَ عنفٍ لم يهدأ. والحدث المؤسِّس ليس ردّ الفعل، بل الاستعمار والاحتلال اللذان جعلا رد الفعل قدَراً.
في كلّ مرّةٍ نقبل فيها أن ندخل الملعب بشروط السؤال، نكون قد خسرنا قبل أن نتكلّم. فالسؤال لا يريد جواباً؛ إنّه يريد أن ننسى. يريدنا أن نبدأ العدّ من حيث يبدأ هو، فننسى كل ما سبق الصفر. ومقاومة هذا النسيان أهم وأصعب من الانتصار في أيّ سجالٍ حول مَن رمى الحجر الأوّل، لأنّ مَن يملك البداية يملك الحكاية. ونحن، علينا أن نستعيد الأرض والبداية.
(١) – العنف البنيوي دراسة في نظرية جوهان غالتونج لتفسير العنف.
https://political-encyclopedia.org/library/321