عبد الناصر… بين التشويه ورد الاعتبار

-+=

تتجدد الحملة السنوية لتشويه شخصية ومشروع جمال عبد الناصر ما أن تحل ذكرى ثورة يوليو أو ذكرى وفاته في سبتمبر 1970. ليس غريباً أن يلقى ناصر بوصفه شخصية محورية فاعلة في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية هذا القدر من التشويه والتسطيح من قبل أطراف متعددة مثل الليبراليين والساداتيين والإخوان المسلمين . للمفارقة تتسم تلك الأطراف بأنها متناقضة سياسياً و فكرياً و اجتماعياً إلا أن ما يجمعها في هذا الإطار عدائها لناصر و مشروعه. 

الليبراليون وناصر

يستخدم الليبراليون ومن يتمسح بالتراث السياسي لحزب “الوفد” تصورات مرتبطة بثورة 1919 ودستور 1923 في محاولة لتلميع الفترة الدستورية المضطربة التي تبعت ثورة 1919 وإظهارها كتعبير عن الحالة المدنية والمؤسسية للدولة، إلا أنهم يغفلون تقديم السياق التاريخي بصورة موضوعية خالية من الاجتزاء بما في ذلك حالة عدم الاستقرار السياسي وتدخلات القصر و الإنجليز الدائمة بالحياة السياسية، بل تفشي العنف السياسي كظاهرة في ظل وجود الاحتلال الإنجليزي. لعل أوضح تجليات حالة الانقسام والصراعات التي شهدتها السياسة المصرية هو الصراع الذي دار في حزب “الوفد” بين مكرم عبيد ومصطفى النحاس ونشر مكرم عبيد للكتاب الأسود في عام ١٩٤٣.  ملمح آخر من ملامح الصراع السياسي هو تشكيل ثماني حكومات أقلية بين أكتوبر 1944 و يناير 1950 جاء ذلك عقب قرار فاروق بعزل حكومة النحاس التي تشكلت بعد حادثة قصر عابدين في فبراير 1942. أخطر ما في هذه النظرة الضيقة و الاختزالية التي يضفيها الليبراليون على تلك الفترة من تاريخ مصر السياسي هو تناسي أو تجاهل الغياب التام للسيادة الوطنية و تعرض الواقع المصري للتدخلات السافرة على يد المحتل الإنجليزي أو القصر بصفته لاعباً سياسياً رجعياً.  

في ظل هذا الواقع المأزوم تحت نير الاحتلال الإنجليزي تبرز أهمية التوجه المنادي بالتحرر الوطني والخلاص من التبعية، و تكمن أهمية جمال عبد الناصر كونه الزعيم العربي المرتبط بحركة الجماهير الذي سعى لاستقلال الأقطار العربية وسيادة القرار السياسي والاقتصادي العربي. على المستوى السياسي كان له ذلك عندما أُنجز في ظل رئاسته للوزراء اتفاقية الجلاء في أكتوبر 1954. أما اقتصادياً فأهم منجزات عبد الناصر هو تأميم قناة السويس في 26 يوليو 1956 معلناً في خطابه الشهير تأميم الشركة العالمية لقناة السويس إلى شركة مساهمة مصرية، كان التأميم قراراً سيادياً و تاريخياً يعكس في جوهره استقلالية القرار الوطني المصري في ظل رئاسة عبد الناصر عن أي تبعية أو ارتهان للقوى الخارجية. رداً على التأميم شنت كل من بريطانيا وفرنسا والكيان الصهيوني عدوانهم الثلاثي على مصر في أواخر أكتوبر 1956 وتوقف العدوان بداية نوفمبر بعد صمودٍ مصري وضغوطات كل من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة لوقف إطلاق النار. انعكست آثار العدوان دولياً مما دفع رئيس وزراء بريطانيا أنتوني إيدين إلى الاستقالة بعد تضليله البرلمان بشأن الحرب. خرج ناصر من الحرب منتصراً و محافظاً على السيادة المصرية على قناة السويس، نتيجة لذلك بدأت بريطانيا تدريجياً سحب تواجدها العسكري من شرقي السويس حتى الانسحاب الكامل عام 1971 وبالتالي شكلت تبعات العدوان الثلاثي بداية تراجع وانحسار مكانة ودور بريطانيا كقوة كولونيالية مسيطرة. 

الساداتيون وصورة عبد الناصر  

مَثَل صعود السادات بدءاً بصراعاته الداخلية المعلنة مع مراكز القوى مروراً بما سماه “الحركة التصحيحية” في 15 مايو 1971 وانتهاء بسياساته نقيضاً لعبد الناصر على المستويين الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. انخرط السادات في ما أسماه “الانفتاح الاقتصادي” وبرزت في عهده نزعه تتمثل بالانعزالية السياسية وتعالت النبرات الانفعالية و الشوفينية المعادية للعروبة في خطاباته. في المقابل كان خطاب ناصر ذا نبرة وحدوية متسقاً منضبطاً وممثلاً للجماهير المصرية والعربية التي طالما استشعرت الخطر الصهيوني بوصفه خطراً وجودياً على البلاد العربية جمعاء. من جانبهم ركز الساداتيون في سرديتهم على اختزال عبد الناصر بهزيمة يونيو 1967 متعمدين بذلك إغفال وتهميش دور عبد الناصر ببناء الجيش واستعادة التوازن العسكري والسياسي بوقت قياسي مما مكن مصر من خوض حرب الاستنزاف بين أعوام 1967-1970 وتحقيق انجازات على المستوى العملياتي مثل إغراق المدمرة إيلات في 21 أكتوبر 1967. وجه آخر من أوجه الاختلاف بين ناصر والسادات هو تصدير السادات نفسه بصورة بطريركية كرئيس للعائلة المصرية وحامٍ لقيم الأسرة المصرية واصفاً الشباب المصري بـ “ولادي” في خطابه بجامعة القاهرة على عكس ناصر الذي طالما التزم بأنه أحد جماهير و مواطني الأمة العربية كما ذكر في خطاب التنحي على سبيل المثال.

سعى بعض المناوئين والاختزاليين لناصر إلى إلصاق عدد من التسميات ذات المدلول السلبي عليه وعكف بعضهم على وصف نظامه بأنه قائم على العسكرتاريا. يغفل هذا التوصيف المخل أن مصر كانت بحالة تعبئة عامة استجابة للظروف الإقليمية شملت توجيه مواردها و اقتصادها لدعم المجهود الحربي، وصلت التعبئة حتى المستويين الثقافي والفني فخرجت في تلك الفترة أعمال فنية جوهرها التعبئة الوطنية تغنت بالجيش وكفاح أبنائه على الجبهة. بالنسبة إلى ناصر يتجاوز هؤلاء عن جهل أو عمد كون عبد الناصر شخصاً مسيساً -انضم في شبابه لحزب مصر الفتاة- و أنه رغم القرار الصادر بحل جميع الأحزاب -ما عدا “الإخوان المسلمون”- في يناير  1953. تشكلت بعد ذلك بفترة وجيزة عدد من التنظيمات السياسية المتعاقبة في مصر أولها هيئة التحرير 1953-‬-1957 ثم الاتحاد القومي 1957-‬-1962 الذي نشط كالحزب الحاكم في الجمهورية العربية المتحدة وآخرها كان الاتحاد الاشتراكي العربي 1962-1978 ونشأ التنظيم الطليعي 1963-‬-1971 كمنظمة ضمن إطار الاتحاد الاشتراكي، لعبت التنظيمات الثلاثة أدواراً سياسية متفاوتة وقامت بتعبئة الشارع لصالح القضايا الوطنية و القومية. ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

“الإخوان” بين العنف و تزوير التاريخ

أما تنظيم “الإخوان المسلمون” فقد حُل في أوائل سنة 1954 على خلفية موقفه من قانون الإصلاح الزراعي الصادر في سبتمبر 1952 من جهة، ونشوب اشتباك بين الإخوان و الشرطة المصرية من جهة أخرى خلال حفل لتأبين شهداء العمليات الفدائية في قناة السويس، وقام عناصر الإخوان خلال الاشتباك باستخدام الأعيرة النارية على نطاق واسع مما تسبب بوقوع عدد من الضحايا في يناير 1954. حوكم الإخوان لاحقاً  بعد ضلوعهم في محاولة اغتيال عبد الناصر المعروفة بحادثة المنشية التي وقعت في 26 أكتوبر 1954. لم يكتفِ الإخوان بذلك، بل عاودوا الكرة عبر ما عرف إعلامياً بتنظيم 65 بقيادة سيد قطب الذي جمع السلاح وصنع المفرقعات وخطط لمهاجمة المنشآت الحيوية كمحطات الكهرباء، وخطط لشن حملة اغتيالات سياسية تشمل اغتيال الرئيس عبد الناصر وعلي صبري، كما أكد هذه المخططات العدائية علي عشماوي عضو تنظيم 65 وأحد المتهمين في قضية التنظيم.  امتدت خصومة الإخوان مع عبد الناصر إلى حد تلفيق وتزوير الوثائق بما في ذلك نشر الشيخ محمد الغزالي وثيقة مزورة بعنوان “تقرير يفضح النيات المبيتة للإسلام” في كتابه قذائف الحق. فند هيثم أبو زيد -القيادي الإخواني السابق- الوثيقة المزورة في مقاله “قصة كذبة خالدة” موضحاً أن الوثيقة اختلقها من العدم رجل الأعمال الإخواني البارز يوسف ندا وزعمت الوثيقة وضع الأجهزة الأمنية خطة للقضاء على جماعة الإخوان و استئصالها. بناء على ما ذكر يمكننا استخلاص أن خصومة الإخوان المسلمين مع عبد الناصر شابها الكثير من عدم المصداقية المصحوبة برغبة إخوانية بالشيطنة علاوة على ذلك سعي الإخوان المستمر لاغتيال وإسقاط زعامة ومشروع عبد الناصر على المستويين الجماهيري و المعنوي.

في الختام، تعددت الأساليب والأسباب والدوافع وبقي الهدف هو إسقاط رمزية ومشروع عبد الناصر في نفوس الجماهير بشكل أساسي. هذا الفيصل بين ناصر ومن يرغب بشيطنته، إذ قدم ناصر صيغة تحررية معادية للرجعية والاستعمار مدعومة بإيمان جماهيري حقيقي يعكس من خلاله رغبة الجماهير بالانعتاق من السيطرة الاستعمارية ويمثل حلم السيادة الوطنية والاقتصادية. على الطرف الآخر قدم مناوئو ناصر صيغاً ما بين نخبوية و سطحية و انعزالية لا ترتقي للظرف التاريخي الذي نشأت به تجربة عبد الناصر الوطنية والتحررية مع الحرص على عرض ونقد هذه التجربة بموضوعية بما لها من إيجابيات وسلبيات وأخطاء تطبيقية لا تخلو منها أي محاولة شجاعة لتغيير الواقع.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

كلب أوديسيوس.. العِبرة لمن اعتبر

أوديسيوس وآرجوس تابع الجميع فيلم “الأوديسة” من ناحية التقييم فلا بأس به إلا أنه لم يتجاوز مستوى كتابات هوميروس (الالياذة والأوديسة). أوديسيوس ملك إيثاكا -إحدى

هل نعيش التناقض أم نحلّه؟ .. التنافر المعرفي في المجتمعات العربية

التنافر المعرفي ليس المشكلة بحد ذاته… التناقض جزء طبيعي من كوننا بشراً. المشكلة تبدأ عندما يتحول التناقض إلى نظام دائم، وتصبح مهمتنا الأساسية ليست إصلاح الواقع، بل اختراع تفسير يسمح لنا بالاستمرار داخله دون شعور بعدم الراحة.

هايتي: مختبر العقاب الإمبراطوري الحديث

جزيرة هايتي تعتبر المثال الأبرز لمصطلح ”الفناء الخلفي لواشنطن“، لأنها تاريخياً كانت تشكل تهديداً وجودياً منذ عام 1804، حين تأسس أول كيان جمهوري في أميركا