الصهيونية كما هي

-+=

الصهيونية هي الصهيونية كيفما بدت أو حاولت أن تبدو، فهي حركة سياسية يمينية متطرفة ذات نزعة عدوانية واستعمارية مغلفة بادعاءات دينية وخرافات تاريخية، ولكنها استطاعت على مدى عقود الترويج على أنها حركة سياسية “ديمقراطية” تسعى إلى إقامة “دولة متحضرة” تضم معتنقي اليهودية من شتات العالم، تلك “الدولة” التي منحها من ﻻ يملك لمن ﻻ يستحق. في السابق استطاعت أن تروج ادعاءاتها بشأن أرض الميعاد المزعومة و”ديمقراطيتها” الشكلية ودعمت سرديتها بدعاية إعلامية ضخمة وكانت قادرة على طمس جرائمها مستخدمة وسيلة التعتيم والتضليل السياسي واﻹعلامي، ولكن اﻵن مع تطور المفاهيم والقيم اﻹنسانية ووجود أدوات البحث المتطورة ووسائل التواصل اﻻجتماعي واﻹعلام وسهولة الوصول إلى المعلومات صار من الصعب ترويج مثل هذه اﻷكاذيب حتى أن مؤرخين وسياسيين من بينهم يهود عارضوا السردية الصهيونية وأكدوا أنها غير مثبتة وقابل للدحض.

وأدركت الصهيونية منذ غرسها في خاصرة الوطن العربي أن نزعة الرفض لدى هذه الشعوب غير قابلة للإزالة باﻹضافة إلى أن الوسائل الدعائية السابقة والظهور بمظهر الضحية لم تعد تنطلي على اﻵخرين، وهذا المأزق جعلها مصرة أكثر من أي وقت مضى على فرض واقع جغرافي وسياسي وانتزاع اعتراف به مهما كلف اﻷمر.

ويواجه الكيان الصهيوني تحديات وجودية يدركها هو قبل غيره، لذا يعمل حالياً على ثلاثة محاور: اﻷول استغلال تفوقه العسكري والتكنولوجي والدعم الغربي وبخاصة الأميركي إلى أقصى حد، الثاني: إزالة ما يعتبره تهديداً إقليمياً من الدول المحيطة والقريبة، والثالث: منع أي محاولة لسد الفراغ سياسياً واقتصادياً في المنطقة في ظل ما ستتمخض عنه الحرب الدائرة في المنطقة وموازين القوى الجديدة فيها.

وتدرك الصهيونية أن غاية سلب الأرض صارت صعبة المنال وفقاً للوسائل التي كانت تتخفى وراءها، فالكيان الصهيوني منذ غرسه في خاصرة الوطن العربي لا يقيم وزناً للمواثيق والمعاهدات الدولية والاتفاقات ويضرب بكل ذلك عرض الحائط، ويتبع حالياً سياسة غاياتها الاستمرار في اغتصاب اﻷرض وسلب حقوق البشر وهو ما “يبرر” في نظره العدواني فداحة البطش وحرب اﻹبادة التي يشنها ويشهدها العالم حالياً.

إﻻ أن الغايات الصهيونية في المنطقة لن تتأتى من خلال المواجهات العسكرية والحروب وحدها، بل أنها تستثمر ما بنته سابقاً، إذ أنها استطاعت على مدى عقود من الزمن أن تتسلل إلى مفاصل ومراكز القرار في العديد من الدول مستخدمة سياسة الترغيب والترهيب، واﻵن صار جلياً مدى التدخلات والضغوط التي تمارسها على تلك الدول ومدى تأثيرها على قراراتها، ولكن المأزق الذي تعيشه الصهيونية حالياً هو أن العالم الحر وبخاصة قوى الشباب المتقد بأفكار الحرية والكرامة اﻹنسانية وقيم العدالة والمساواة وقف نداً أمام سياستها اﻻستعمارية المتوحشة التي تمارسها مما أربك حساباتها وجعلها حملاً ثقيلاً حتى على أقرب حلفائها، ومن خلال المظاهرات العارمة التي اجتاحت العالم والمواقف الشبابية البطولية و مناصرة القوى التقدمية وأصحاب الضمير الإنساني الحي في العالم انطلقت صرخة مدوية بأنه ﻻ مكان للظلم وللإبادة الجماعية وللفصل العنصري وامتهان كرامة البشر.

وخير دليل على العزلة التي يعيشها الكيان الصهيوني، حالياً، انسحاب وفود ٧٧ دولة من قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة فور صعود رئيس وزراء العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو لإلقاء كلمته في الدورة الـ ٨١ احتجاجاً على سياسات الكيان الصهيوني العنصرية وحرب الإبادة التي يشنها. 

في واقع هذه العزلة وتعري الصهيونية أمام الرأي العالمي تستمر هي في سياستها العدوانية وتحاول في ذات الوقت من خلال جماعات مدسوسة افتعال المشاكل ومواجهة المحتجين على سياستها باﻻستفزازات والمناوشات بهدف تشتيت الرأي العام عما تهدف إليه تلك الفعاليات المناصرة للحق الفلسطيني في المقام اﻷول وبالتالي للقيم اﻹنسانية.

وتأمل الصهيونية بعد اتمام مهمتها أن تنسل من جلدها كما تفعل اﻷفعى، وتعود إلى ارتداء قناعها، فالسياسيون الذين يدعون إلى اﻹبادة الجماعية جهاراً نهاراً سوف يبتعدون عن الساحة، ويأتي من سيروج للبناء واﻻزدهار على أنقاض ما خلفته حربها على غزة التي حولتها إلى مقبرة كبرى يعلوها الخراب والدمار.

وإذا صدقنا مقولة أنه “من جوف المآسي يوجد اﻷمل” فإننا نجد بصيص النور في تحرك ضمير البشرية في وجه الظلم والطغيان الصهيوني ما يؤصل قيم الكرامة والعدالة والمساواة الإنسانية ويؤكد أن القضايا العادلة ﻻ تسقط بالتقادم ومهما بلغ الظلم سترجح كفة العدالة والقيم اﻹنسانية ومن خلال اﻹصرار على المقاومة والنضال سيعود الحق إلى أصحابه من مغتصبيه.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

الحكومة الفرنسية في مرمى مطالب التلامذة المحقة .. فهل تلغي القمع ومعه سياسة التقشف؟

الدعوات إلى التحرك التي لم تقابل بالهدوء والتفهّم؛ بل، على العكس من ذلك، كان رد الحكومة على مطالبتها بوضع حد للتقصير أن عمدت إلى قمع الإضراب والتظاهرات بعنف لم يسبق له مثيل

الرفض الشعبي لاعتراف الكيان الصهيوني بإقليم أرض الصومال الانفصالي: بين “حكومة الإقليم” والشعب

تاريخياً كان الشعب الصومالي عصياً على الذل والرضوخ. لم يركع لمستعمر، ولم يساوم على أرضه. هذه روح لا تقبل الذل، ولا تقبل أن يُباع بيتها. ولهذا كان عداؤه للصهيونية أمراً طبيعياً