الرفض الشعبي لاعتراف الكيان الصهيوني بإقليم أرض الصومال الانفصالي: بين “حكومة الإقليم” والشعب

-+=

مئات الشباب خرجوا إلى شوارع بورما يوم السبت ٢٧ ديسمبر ٢٠٢٥، وفي أيديهم علم فلسطين ولافتات ضد الكيان الصهيوني المحتل. وفي اليوم نفسه كان علم الكيان يرفع فوق هرجيسا عاصمة إقليم أرض الصومال الانفصالي، وحكومة الإقليم تعلن يومين من الاحتفالات. مدينتان في إقليم واحد، ويوم واحد، ومشهدان لا يلتقيان. نشرات الأخبار مرت على بورما سريعاً، ولكننا نرى أن القصة الحقيقية كانت هناك. هناك قال الناس ما لم تقله السلطة: الاعتراف الذي أبرمه رئيس الإقليم مع نتنياهو لا يمثلنا. في يوم الجمعة ٢٦ ديسمبر أعلن الكيان الصهيوني المحتل اعترافه بإقليم أرض الصومال الانفصالي “كدولة مستقلة”، وكانت أول “دولة” في العالم تفعل ذلك منذ أعلن الإقليم انفصاله عام ١٩٩١. بعد أيام، في ٦ يناير، حطّ وزير خارجيتها جدعون ساعر في هرجيسا. وفي يونيو ٢٠٢٦ سافر رئيس الإقليم عبد الرحمن عرو بنفسه إلى القدس المحتلة وافتتح فيها سفارة. (انظر: اعتراف الكيان الصهيوني بإقليم أرض الصومال الانفصالي: قراءة في مجريات الزيارة التطبيعية)

الشارع الصومالي يجيب

في الصومال جاء الجواب سريعاً وعالياً. يوم الأحد ٢٨ ديسمبر خرج عشرات الآلاف في مظاهرات من مقديشو إلى بيدوا وطوسمريب وغوريعيل وغالكعيو وأفغويي وهوبيو. احتشد الناس في ملعب العاصمة، ورُفع علم فلسطين بجانب العلم الصومالي. ولم تكن مظاهرة حزب بعينه. وقف على المنصات علماء دين وشيوخ عشائر وسياسيون، ومؤثرون على مواقع التواصل الاجتماعي، واجتمعت الحكومة والمعارضة على موقف واحد، وهذا في بلد قلما يتفق أهله على شيء. وفي غوريعيل وقف الشيخ أحمد معلم يخاطب أهل الشمال بما في مضمونه يقول: إنه لا شيء يجمعنا بـ “إسرائيل”، فلا تقربوها منكم، فإنها رجس وانظروا إلى الدول العربية التي طبعت مع الكيان الصهيوني أين كانوا وكيف أصبحوا في انحدار. تكرر المشهد في يناير ٢٠٢٦ بعد زيارة دعون ساعر إلى هرجيسا. مظاهرة دعا إليها العلماء عند نصب الجندي المجهول في مقديشو، ثم أخرى تقدّمها وجهاء القبائل. وأصدر اتحاد مجالس علماء الصومال بياناً قال فيه إن توطين الفلسطينيين قسراً خارج أرضهم محرّم شرعاً ومرفوض وطنياً. وكان البرلمان قد صوّت بالإجماع، منذ الأيام الأولى، على أن الاعتراف بالكيان الصهيوني باطل.

الرفض في إقليم أرض الصومال الانفصالي

لكن الأهم هو ما جرى داخل أرض الصومال نفسها، لأنه ينسف الرواية التي تقول إن الإقليم كله هلل وصفق. نبدأ من بورما، عاصمة إقليم أودل. الذين خرجوا هناك كانوا في أغلبهم شباباً. رفعوا لافتات ضد “إسرائيل” ولوّحوا بأعلام فلسطين، في مدينة تحكمها الإدارة نفسها التي وقّعت. وناشطين من أبناء العشائر هناك كانوا في قلب الاحتجاج، وأن المحتجين قالوا إن ساحل أودل، من لوغايا إلى زيلع، ليس للبيع ولا للمقايضة ولا يطأ بها قدم الصهاينة. ولم تكن وقفة عابرة. وكالة الأنباء الفرنسية وصفت ما جرى لاحقاً بأنه احتجاجات كبيره انتهت بعشرات المعتقلين والجرحى على يد قوات الأمن. وذكرت أن شباناً في الإقليم احتُجزوا لأنهم لوّحوا بعلم فلسطين. وبعد أيام وقف نائب المنطقة محمد أبيب في مؤتمر صحفي داخل هرجيسا، وأمهل الحكومة يومين للإفراج عن شبان بورما المعتقلين، وإلا دعا الناس إلى النزول إلى الشارع. وسافر نائب رئيس الإقليم إلى أودل لتهدئة التوتر. وفي هرجيسا، حيث يفترض أن الجميع يحتفل، كانت الشرطة مشغولة بأمر آخر، حذرت من أنها ستتحرك ضد كل من يجاهر بمعارضة الاعتراف، ثم نفّذت تحذيرها بدأً بالشيخ محمد شيخ عبد الرحمن كاريه اعتقل بعد ساعات فقط من الإعلان، وهو معروف برفضه “الاتفاقيات الإبراهيمية”. في اليوم التالي اعتقل مبارك آر، رئيس جامعة بدر، لأنه سأل في مؤتمر صحفي سؤالاً بسيطاً: ماذا سنكسب من هذا كله؟ وحذف تسجيل المؤتمر من مواقع الاخبارية. ثم جاء دور الشيخ محمد ولي عبد الرشيد. كان قبلها بأيام ضمن وفد من العلماء التقى رئيس الإقليم وأبلغه قلقه من الاتفاق وخطورته. ثم قال في خطبة له إن في الاتفاق ما يخالف الدين، واستغرب أن يُحتفل برفع ذلك العلم بعد ما جرى في غزة. فاعتُقل هو أيضاً. وحتى بين الذين لم يتظاهروا ولم يخطبوا، هناك من يقول الكلام نفسه بصوت خافت، ففي هرجيسا عاصمة الإقليم يقولون إنهم لا يثقون بنتنياهو مجرم الحرب الذي قتل أطفالاً في عمر أطفالنا في غزة. وشرقاً في الإقليم نفسه، في لاسعانود وبوهودلي، نزل الناس يوم ٢٧ ديسمبر مع بقية الصوماليين. المدينتان داخل الحدود التي تدّعيها هرجيسا، وإن كانت لاسعانود قد خرجت عن سيطرتها منذ ٢٠٢٣ وأصبحت لاحقاً إقليم سول شمال شرق الصومال. وهتف المتظاهرون هناك ان الصوماليين واحد أينما كانوا ولا نقبل ان يتواجد الكيان الصهيوني في أرضنا. في النهاية، لا أحد يملك استطلاعاً نزيهاً يخبرنا كم نسبة الرافضين داخل الإقليم. لكن السلطة التي تسجن خطيباً بسبب خطبة، وأكاديمياً بسبب سؤال، وشاباً بسبب علم، تعرف جيداً أن لهذا الكلام من يسمعه.

بلد قاتل المستعمر ودعم الثوار

من يعرف تاريخ الصوماليين لا يستغرب. هذا شعب قاتل الاستعمار نحو عشرين سنة تحت راية السيد محمد عبد الله حسن وحركة الدراويش. ولم يسقط معقلهم في تليح إلا في فبراير ١٩٢٠، حين قصفه البريطانيون بالطائرات. وتليح هذه في الشمال لا في الجنوب. وفي برعو وعيرغابو ثار الشيخ بشير على الإنكليز صيف ١٩٤٥. أي أن الأرض التي يُراد لها اليوم أن تكون بوابة لـ “إسرائيل” هي نفسها مهد المقاومة الصومالية. وحين استقل الصومال عام ١٩٦٠ لم ينشغل بنفسه. فتح بابه لكل من يقاتل من أجل حريته. ثوار إريتريا تنقلوا في العالم بجوازات سفر صومالية منذ ١٩٦١، وممن حملها أسياس أفورقي الذي صار لاحقاً رئيس إريتريا. وكان لهم في مقديشو مكتب وإذاعة. ومقاتلو المؤتمر الوطني الأفريقي، رفاق مانديلا، أقاموا في معسكر للجيش الصومالي قرب مقديشو يستعدون للعودة إلى بلادهم. ومن الصومال انطلقت عام ١٩٧٢ محاولة لإنزالهم بحراً على ساحل جنوب أفريقيا لمقاتلة نظام الفصل العنصري. فشلت المحاولة لكن الموقف بقي. ثابو مبيكي، الذي صار لاحقاً رئيساً لجنوب أفريقيا، كتب عام ٢٠٠٧ أن الصومال ظل في ذاكرتهم سنوات طويلة “قاعدة خلفية موثوقة لتحرير أفريقيا كلها”. والدعم نفسه وصل إلى حركات التحرر في روديسيا التي تسمى الآن زيمبابوي، وإلى جبهة تحرير الساحل الصومالي في جيبوتي حتى استقلت عام ١٩٧٧. وفي يونيو ١٩٧٤ استضافت مقديشو قمة منظمة الوحدة الأفريقية، والقارة يومها تحتفل بقرب سقوط الاستعمار البرتغالي في موزمبيق وأنغولا وغيرهما. وخرجت القمة بتأييد جماعي للقضية الفلسطينية. وفي العام نفسه أخذ الصومال مقعده في الجامعة العربية.

وماذا عن الذين احتفلوا؟

سيقول قائل: لكن هرجيسا احتفلت، وعرو استُقبل استقبال الأبطال حين عاد من القدس المحتلة. هذا صحيح ولا داعي لإنكاره. لكنهم يؤكدون أن الخلاف بين الصوماليين هو خلاف داخلي يحل بين الصوماليين أنفسهم، شمالاً وجنوباً، على طاولة واحدة. لا يحل من الخارج، ولا بسند من الكيان الصهيوني المحتل الذي تلاحق المحكمة الجنائية الدولية رئيس حكومته بتهم جرائم حرب. حتى حزب “كاه” المعارض، وهو لا يعترض على العلاقة نفسها، قال إن فتح سفارة في القدس يخالف المادة العاشرة من دستور “الإقليم”. وبعد افتتاح السفارة خرج النقد من داخل المؤسسة الدينية في الإقليم نفسه. ثم مَن الذي احتفل أصلاً؟ الإدارة هي التي أعلنت يومين من الاحتفالات، وأعلى الأصوات فيها كانت، كما في كل سلطة، أصوات المطبلين ومن يدورون حولها. و”الفرح” تركز في هرجيسا وقلب الإقليم، أي في ديار العشيرة التي ينتمي اليها الرئيس. في أرض الصومال خمس عشائر رئيسية: إسحاق وسمرون وعيسى ودولبهنتي وورسنجلي. لكن السياسة والاقتصاد والجيش في يد نخبة من عشيرة واحدة منذ قيام الإقليم، والبقية تشكو التهميش. وأغلب ذلك “الفرح”، في رأينا، لم يكن حباً بالكيان الصهيوني، بل نكاية بالصوماليين الآخرين، تغذيه نزعة انفصالية ضيقة تقوم على العصبية القبلية المتخلفة ولا ترى في بقية الصوماليين شركاء. ولا نقول إن أبناء تلك العشيرة كلهم على هذا الرأي، فالشيوخ الذين اعتقلوا خرجوا من هرجيسا نفسها. لكن الصورة تبقى واضحة: هناك رفع علم الكيان المحتل في احتفال أعلنته الإدارة، وفي بورما رفع علم فلسطين بلا إذن من أحد. والفرق بين العلمين هو الفرق بين السلطة والناس.

خلافنا في بيتنا وفلسطين قضيتنا

تاريخياً كان الشعب الصومالي عصياً على الذل والرضوخ. لم يركع لمستعمر، ولم يساوم على أرضه. هذه روح لا تقبل الذل، ولا تقبل أن يُباع بيتها. شعب مسلم، عربي الانتماء، أفريقي الجذور، وقف ضد الاستعمار والإمبريالية في أرضه وفي أراضي غيره. ولهذا كان عداؤه للصهيونية أمراً طبيعياً، تسمعه في خطب الجمعة وفي هتاف الملاعب والساحات. وهو يعادي مشروع احتلال جرب مثله من قبل وعرف مرارته. ونذكر أن الشعب الصومالي شعب واحد، في الشمال وفي الجنوب. يختلف أهله كما يختلف أهل أي بيت، وخلافاتهم تحل داخل البيت، بينهم وحدهم. لا يحلها محتل، ولا تُحلّ على حساب شعب آخر. ومن هنا نجدد دعمنا للقضية الفلسطينية ولمقاومة شعبها للاحتلال، ودعمنا لكل قوى التحرر في العالم. هذا موقف لم نتعلمه اليوم. ورثناه عن الذين قاتلوا في تليح، وعن الذين فتحوا مقديشو لثوار أفريقيا.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

الحكومة الفرنسية في مرمى مطالب التلامذة المحقة .. فهل تلغي القمع ومعه سياسة التقشف؟

الدعوات إلى التحرك التي لم تقابل بالهدوء والتفهّم؛ بل، على العكس من ذلك، كان رد الحكومة على مطالبتها بوضع حد للتقصير أن عمدت إلى قمع الإضراب والتظاهرات بعنف لم يسبق له مثيل

الصهيونية كما هي

من جوف المآسي يوجد اﻷمل” فإننا نجد بصيص النور في تحرك ضمير البشرية في وجه الظلم والطغيان الصهيوني ما يؤصل قيم الكرامة والعدالة والمساواة الإنسانية ويؤكد أن القضايا العادلة ﻻ تسقط بالتقادم