
تفكيك البرجوازية الكويتية وإعادة تركيبها وتعزيز رأسمالية الدولة
ربما سيفترض كثيرون أن الحديث عن تفكيك البرجوازية الكويتية وإعادة تركيبها وتعزيز رأسمالية الدولة هو موضوع نظري نخبوي أقرب ما يكون إلى الترف الفكري، ولكن
خمسة أسابيع مرّت على إضراب تلامذة الثانويات في فرنسا، ولا يزال تحركهم صامداً ومتواصلاً على الرغم من العنف الذي يتعرضون له والذي كانت نتيجته الأولية ما يقارب السبعة آلاف معتقلة ومعتقل، أغلبيتهم من الفتيات والفتيان القاصرين الذين لم يتخطوا السادسة عشرة من العمر، هذا، عدا عن تسجيل مئات الاصابات في صفوف المتظاهرين الذين تعرضوا للضرب المبرّح أو الذين أصيبوا بإعاقة دائمة كبتر الأيدي، وفقدان البصر، والكسور، والتشوهات في الوجه، والحروق، والجروح نتيجة استخدام القوى البوليسية للقنابل المسيلة للدموع، والرصاص المطاطي، والضرب بالهراوات، بحجة الرد على “العنف” الممارس من قبل التلامذة، علماً أن القانون في فرنسا يحرّم، مبدئياً، استخدام الضرب والعنف، بما فيه المنزلي، تجاه القاصرات والقاصرين ويعتبرهما جريمة (١)…
ما هي الأسباب التي أدّت إلى هذا الإضراب والتحركات المترافقة معه في أغلبية المناطق الفرنسية، وخاصة في باريس والمدن الكبرى الأساسية؟
تجدر الإشارة، هنا، إلى أن التعليم الرسمي والمجاني في فرنسا حتى سن الثالثة عشرة يعود إلى حوالي مئة وخمسين عاماً، وأن مجانية التعليم العام ما قبل الجامعي أقرّت منذ العام ١٩٣٣ لتصبح مادة من مواد الدستور في العام ١٩٤٥، أي مباشرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. والجدير بالذكر أيضاً أن المستوى الأكاديمي لهذا التعليم كان متميزاً بحيث أدى إلى وضع فرنسا في أولوية الدول الثمانية والثلاثين المنضوية في “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية”، إن من خلال إعداد المعلمين، أم من خلال المناهج والبرامج المتطورة، أم خاصة من خلال الأبنية المدرسية وما يتطلبه هذا التعليم من مكتبات ومختبرات ووسائل إيضاح متطورة. هذا، إضافة إلى المدارس والجامعات المتخصصة بإعداد النخب على كافة المستويات.
غير أن هذا الوضع بدأ بالتراجع تدريجياً منذ النصف الثاني من القرن الماضي، وخاصة في أواخره، نتيجة الهجمة العامة التي انطلقت في أوروبا (بعد انهيار الاتحاد السوفياتي) على كل المكتسبات التي استطاعت الحركة الشعبية والتقدمية تحقيقها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم. وتجلى هذا التراجع في دور الدولة على كافة الصعد، بدءاً بالتعليم والبحث العلمي، ومروراً بالضربات التي تلقاها القطاع العام من ناحية الخدمات الأساسية التي يؤديها، فتقدمت الخصخصة أشواطاً كبيرة، وبالتحديد في مجالات الصحة والتعليم والنقل والكهرباء، الأمر الذي أدى إلى تعثر الضمان الاجتماعي والمدارس الرسمية، والذي ظهر بشكل لافت إبان جائحة كورونا كما في محاولة تغيير نظام التقاعد وفي أوضاع التعليم الذي كفلته الدولة.
وزاد في الطين بلة عودة فرنسا إلى حلف الناتو(٢) وما ترافق مع هذه العودة من التزامات عسكرية تجاه الحلف، وبالتحديد تجاه قرارات الولايات المتحدة، إن في أوروبا أم على الصعيد العالمي، الأمر الذي غيّر في الأولويات، فتراجع دور التعليم وموقعه من الميزانية العامة لصالح الميزانية الحربية كما لصالح التزامات فرنسا الأوروبية في هذا المجال، بعد أن اتخذ الاتحاد الأوروبي قراراً بتأمين ٨٠٠ مليار يورو خلال بضع سنوات من أجل تطوير التسليح بحجة مواجهة احتمال هجوم روسي وشيك…
مقارنة بسيطة بين ميزانية التعليم والميزانية الحربية توّضح المقصود:
في السنوات العشر الماضية، ارتفعت الميزانية العسكرية الفرنسية من ٣٢ مليار يورو ونيف إلى ٦٥ ملياراً، أي بزيادة بلغت نسبتها الضعف، وتركزت الزيادة، خاصة في العامين الماضي والحالي، على مبلغ قدره ستة مليارات يورو. في الوقت عينه، أي خلال السنوات العشر المشار إليها، لم تَزْدَدْ ميزانية التعليم سوى ١٣ مليار يورو، في وقت ازداد فيها عدد التلاميذ بنسبة ١٤ إلى ١٥ بالمئة (أي حوالي ١٤٠ ألف تلميذ جديد) (٣).
هذان العاملان أثرا كثيراً على اكتظاظ الصفوف، بينما لم تفِ الحكومة الماضية والحالية بوعودها في تأمين الأساتذة (منها الوعد الأخير بتأمين ما يقارب ثلاثة آلاف أستاذ) لملء الشواغر والفراغات، في المواد العلمية خاصة، ولـتأمين حسن سير العمل في الثانويات الرسمية، علماً أن هذا المطلب كان مطروحاً منذ العام ٢٠٢٠… يضاف إلى ذلك الوضع المزري لأغلبية المباني التي مضى عليها أكثر من خمسين عاماً والتي تأكل، بالتالي، قسماً مهما من ميزانيات الوزارة من أجل ترميمها. وقد شاهدنا صوراً عن أوضاع بعض تلك الأبنية المهترئة حيث الأسقف تشير إلى إمكانية انهيارات قريبة وحيث الجرذان تسرح وتمرح داخل المراحيض وفي الممرات…
من هنا، يمكن فهم الغضب الذي اعترى الشباب والدعوات إلى التحرك التي لم تقابل بالهدوء والتفهّم؛ بل، على العكس من ذلك، كان رد الحكومة على مطالبتها بوضع حد للتقصير أن عمدت إلى قمع الاضراب والتظاهرات بعنف لم يسبق له مثيل، كما أسلفنا، دون أن ننسى تجييش الإعلام بأغلبيته من أجل التحريض على التلامذة. عنف أدى إلى تضامن الهيئة التعليمية والأهالي مع التلامذة الذين لم يتراجعوا عن مطالبهم المحقة والتي يمكن تلخيصها بالتالي: لا للصفوف المكتظة، لا للمباني المتهالكة التي تنذر بخطر الانهيار، لا لرفع الأسعار في كفيتيريات المدارس. أما الأهم، فهو المطلب المتعلق بإلغاء سياسة التقشف.
فهل سيتوقف قمع المطالبين لوطنهم بغد أكثر إشراقاً؟ وهل ستستجيب السلطة التنفيذية، فتعيد للتعليم الرسمي دوره؟
إن غداً لناظره قريب.
المراجع:
(١) – بحسب قانون العقوبات، يعاقب المعنِّف (بكسر النون) إلى السجن لمدة ثلاث سنوات وغرامة قيمتها ٤٥٠٠٠ يورو. وترفع المدة إلى خمس سنوات والغرامة إلى ٧٥٠٠٠ يورو في حال كان المعتدي من الأهل. وفي حال كانت الإصابة بليغة وأدت إلى تشوهات، يمكن أن تصل مدة السجن إلى عشر سنوات.
(٢) – انسحبت فرنسا من القيادة العسكرية لحلف الناتو في العام ١٩٦٦، عندما اتخذ الرئيس شارل ديغول قراراً بإخراج القوات العسكرية الأجنبية وإقفال مقراتها إضافة إلى خروج القوات العسكرية الفرنسية من الهيكل الموحد لحلف الناتو. وفي العام ٢٠٠٩، إعادة الرئيس نيكولا ساركوزي فرنسا إلى تلك القيادة الموحّدة، باستثناء ما يسمى بالردع النووي.
(٣) – لا بد من الاطلاع التفصيلي على تلك الميزانيات، وكذلك على موازنة العام ٢٠٢٧ المقبل لرؤية تفاصيل توزيع الأموال… علماً أن المستفيدين هم بدون شك تجار السلاح وبالتحديد المجموعات الخمس الأساسية في مجال إنتاج وبيع السلاح.
نائب الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني والمنسقة السابقة للقاء اليساري العربي.

ربما سيفترض كثيرون أن الحديث عن تفكيك البرجوازية الكويتية وإعادة تركيبها وتعزيز رأسمالية الدولة هو موضوع نظري نخبوي أقرب ما يكون إلى الترف الفكري، ولكن

من جوف المآسي يوجد اﻷمل” فإننا نجد بصيص النور في تحرك ضمير البشرية في وجه الظلم والطغيان الصهيوني ما يؤصل قيم الكرامة والعدالة والمساواة الإنسانية ويؤكد أن القضايا العادلة ﻻ تسقط بالتقادم

تاريخياً كان الشعب الصومالي عصياً على الذل والرضوخ. لم يركع لمستعمر، ولم يساوم على أرضه. هذه روح لا تقبل الذل، ولا تقبل أن يُباع بيتها. ولهذا كان عداؤه للصهيونية أمراً طبيعياً

في ضرورة تحرير الوعي باعتباره شرطاً لتحرير الإرادة، فإننا سنحاول في هذا المقال تفكيك “الثقافة الانهزامية” باعتبارها إحدى أهم أدوات الحرب الإمبريالية التي تستهدف بها



