تفكيك “أيديولوجيا البرجوازية” وفضح خطاب السخرية والتسخيف

-+=

على خلفية أطروحته في دار تقدم العربية للاستشارات السياسية والاستراتيجية بعنوان «تفكيك البرجوازية الكويتية وإعادة تركيبها وتعزيز رأسمالية الدولة»، تعرَّض الزميل أحمد الديين لهجوم شنّته بعض الصحف الكويتية استُخدمت فيه السخرية والتسخيف من أفكاره وأطروحاته بديلاً عن مناقشتها ونقدها.

ليس مستغرباً موقف الصحافة البرجوازية الكويتية من الفكر المناقض لمصالحها الطبقية، وإنما المثير للاهتمام، والذي سنتناوله في هذا المقال ونفككه، هو ذلك المنهج الذي يحاول إسقاط المعرفة بالسخرية والتسخيف، واعتبار المفاهيم والمصطلحات العلمية شعارات بالية وكلمات قديمة، وتقديم الجهل بمضمونها على أنه تحرر وحداثة، وتصوير الموقف الأيديولوجي على أنه جمود فكري وتعطيل للعقل.. فنحن هنا أمام ممارسة أيديولوجية تؤدي وظيفة محددة في الصراع الاجتماعي، ولفهم هذا المنهج ينبغي أولاً تحرير مفهوم الأيديولوجيا من التشويه الذي ألحقه به الخطاب البرجوازي.

فالأيديولوجيا ليست مجرد مجموعة من الشعارات أو الأفكار الجامدة، وإنما منظومة من التصورات والقيم والمفاهيم التي تتشكل تاريخياً في ارتباطها بالوجود الاجتماعي وعلاقاته المادية، وتعبّر بدرجات متفاوتة من الوعي عن مواقع ومصالح اجتماعية وطبقية محددة، وهي ليست بالضرورة وعياً زائفاً في جميع صورها، وإنما قد تكون أداة لتزييف الواقع وتبرير علاقات السيطرة، أو وسيلة لتنظيم الوعي والممارسة في سبيل تغيير الواقع.. وليس تصوير الإنسان الحديث على أنه تجاوز الأيديولوجيا سوى إحدى الحيل الأيديولوجية البرجوازية؛ إذ تسعى الطبقة السائدة إلى تقديم تصوراتها الخاصة باعتبارها حقائق عامة، ومصالحها الطبقية باعتبارها مصالح المجتمع بأسره، وعلاقات الإنتاج القائمة باعتبارها النظام الطبيعي الذي لا بديل عنه.

وفي “الأيديولوجيا الألمانية” بيَّن كارل ماركس وفريدريك إنجلز أن الأفكار السائدة في كل عصر هي، عموماً، أفكار الطبقة السائدة؛ فالطبقة التي تسيطر على وسائل الإنتاج المادي تمتلك كذلك الوسائل الأساسية لإنتاج الأفكار وتداولها.. وبذلك لا تمارس البرجوازية سيطرتها بالاقتصاد والسياسة وحدهما، وإنما أيضاً بإنتاج التصورات التي تجعل سيطرتها تبدو طبيعية ومشروعة، وتحجب طابعها التاريخي ومضمونها الطبقي.

أمّا المصطلحات والمفاهيم مثل الصراع الطبقي، وفائض القيمة، وعلاقات الإنتاج، والتراكم الرأسمالي، والبرجوازية والبروليتاريا وغيرها، فإنها ليست تعاويذ محفوظة، بل مفاهيم نظرية لها تعريفاتها وتاريخها ومنهجها في تحليل الظواهر والعلاقات الاجتماعية، وهي قابلة للنقاش والنقد والاختبار، لكن دحضها يقتضي الاشتباك مع مضمونها، لا السخرية منها والتبجح بالجهل بمضامينها.. فالتسخيف لا يستهدف المصطلحات والمفاهيم لذاتها، وإنما يستهدف قدرتها على كشف علاقات الاستغلال والتناقضات الاجتماعية، وفضح الأساس المادي لسلطة طبقية تسعى البرجوازية إلى تصويرها باعتبارها طبيعية وأبدية.

ونرى شكلاً آخر من التسخيف والاستهانة يُدين الأفكار لمجرد أنها “قديمة”، وكأن الزمن هو المعيار لصحة المعرفة وتقدمها.. وذلك لا يصح؛ فالجديد ليس جديداً بمجرد حداثة ظهوره، ولا القديم يكون متخلفاً لمجرد أسبقيته التاريخية، فالأفكار لا تُقاس بأعمارها، وإنما بعلاقتها بالواقع التاريخي، وبقدرتها على تفسير حركته وتناقضاته.. وهنا يمكن الاستناد إلى المنهج النقدي الذي قدّمه مهدي عامل في كتابه “أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية“، حين نقض التصورات التي تفصل التقدم والتخلف عن أساسهما المادي، وتحوّلهما إلى صفات ثقافية مجردة.. فالمشكلة ليست في قدم الأفكار أو حداثتها، وإنما في موقعها من حركة التاريخ وعلاقات الإنتاج والصراع الاجتماعي، وقد يكون فكرٌ نشأ قبل قرن أكثر قدرة على كشف تناقضات الحاضر من خطاب وُلد بالأمس ولا يفعل سوى إعادة إنتاج المصالح القديمة في ثياب لغوية جديدة.

واللافت هنا أن البرجوازية، وهي تسخر من الأفكار المناقضة لها بحجة قِدمها، تُغفل أن هذه الأفكار نشأت في مواجهة سيطرتها التي تعود إلى الحقبة التاريخية ذاتها، بل وأقدم منها بقرون، وأن استمرار تلك السيطرة هو ما يُبقي شروط وجود نقيضها قائمة.. فما دام القديم قائماً في علاقات الإنتاج والاستغلال، فإن الفكر المناقض له يظل محتفظاً براهنيته الثورية، بل هو الجديد تاريخياً في مواجهة برجوازية تسعى إلى تأبيد عالمها القديم.

ولعل المثال الأشهر على ادعاء تجاوز الأيديولوجيا هو أطروحة “نهاية التاريخ” التي طرحها فرانسيس فوكوياما مطلع تسعينيات القرن الماضي، معتبراً أن الديمقراطية الليبرالية الغربية تمثل النهاية للتطور الأيديولوجي للبشرية، والشكل النهائي للحكم الإنساني.. وقد كشفت التحولات والصراعات اللاحقة حدود هذا التصور وتناقضاته، فذلك الادعاء يصوّر الليبرالية باعتبارها الأفق النهائي للتطور السياسي، وهكذا تحولت أيديولوجيا تاريخية، نشأت في شروط اجتماعية محددة، إلى غاية مفترضة للتاريخ الإنساني بأسره.

وبهذا المنطق، لا تكتفي البرجوازية بتبرير حاضرها، بل تسطو على الماضي أيضاً؛ فتُعاد قراءة نضالات البشرية وتطوراتها الفكرية والسياسية باعتبارها خطوات متتابعة نحو انتصار الليبرالية، ويُختزل التاريخ، بتناقضاته وصراعاته وإمكاناته المفتوحة، في مسار واحد ينتهي عند المجتمع الرأسمالي.. إنها محاولة لإخراج الرأسمالية من التاريخ، بعدما كانت نتاجاً له، وتحويل نظام اجتماعي قابل للتغيير والزوال إلى حقيقة سرمدية، كأن البشرية بلغت عنده نهاية قدرتها على الإبداع والتطور.

ولا يقتصر هذا التزييف الأيديولوجي على قراءة التاريخ، وإنما يمتد إلى تفسير الظواهر والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية القائمة.. مثلاً؛ حين يُروَّج لفرض ضريبة القيمة المضافة باعتبارها إجراءً عادلاً، لكون الجميع سيدفعون النسبة ذاتها، يجري إخفاء التفاوت الطبقي خلف مساواة حسابية مجردة، فالضريبة التي تقتطع جزءاً مؤثراً من دخل العامل محدود الأجر لا تمثل العبء النسبي ذاته على صاحب الثروة الكبيرة، وهكذا تتحول المساواة الشكلية إلى وسيلة لتكريس اللامساواة الفعلية، وتُقدَّم السياسات التي تتجاهل التفاوت في توزيع الثروة باعتبارها إجراءات اقتصادية محايدة.. وهنا تتجلى وظيفة الأيديولوجيا البرجوازية؛ إذ تُجرّد الظواهر والعلاقات الاقتصادية من مضمونها الاجتماعي والطبقي، وتُخفي انحيازاتها خلف شعارات العدالة والمساواة، لتجعل من تحميل الطبقات الشعبية أعباءً أكبر نسبياً أمراً يبدو طبيعياً وعادلاً.

وهنا يتضح أن إعلان “موت الأيديولوجيا” ليس حكماً معرفياً محايداً، وإنما إعلان أيديولوجي عن انتصار البرجوازية، تسعى من خلاله إلى تقديم تصورها الخاص للعالم بوصفه الحقيقة الكونية ذاتها، لا تصوراً تاريخياً مشروطاً بمصالحها الطبقية.. فالليبرالية، وهي تزعم تجاوز الأيديولوجيا، لا تستهدف إلغاءها بقدر ما تستهدف نزع المشروعية عن كل فكر يناقضها، متخفيةً وراء مسميات العقلانية والموضوعية والحداثة.

فحين يُطالب العمال والمثقفون بالتخلي عن وعيهم النقدي بذريعة التحرر من الأدلجة، بينما تُقدَّم الملكية الرأسمالية والتفاوت الطبقي واحتكار الثروة والسلطة باعتبارها مسلّمات لا تستوجب المساءلة، فإن المقصود ليس تحرير العقل من الأيديولوجيا، بل تجريده من أدوات فهم الواقع ونقده وتغييره؛ حتى تغدو مصالح الطبقة السائدة حقائق عامة، وتتحول أيديولوجيتها من رؤية طبقية قابلة للنقد إلى مرجعية مطلقة يُقاس بها كل فكر، ويُدان كل ما يخرج عليها.

إن الدفاع عن المعرفة العلمية لا يعني تحصين أي فكر من النقد، بل يعني إخضاع جميع الأطروحات للبحث والبرهان والممارسة التاريخية، أما السخرية التي تستبدل الحجة بالاستهزاء، فلا تهدم الأفكار، وإنما تكشف عجز أصحابها عن مجابهتها.. ولذلك فإن معركتنا ليست دفاعاً عن مصطلحات ومفاهيم، ولا عن أشخاص بمعزل عن أفكارهم، بل دفاع عن حق المجتمع في امتلاك أدوات فهم واقعه، وكشف العلاقات الاجتماعية التي تسعى الأيديولوجيا السائدة إلى حجبها وتبرير استمرارها.

ومن هنا تبرز ضرورة كشف الأساس المادي للأيديولوجيا ومضمونها الطبقي، وفضح محاولات البرجوازية إضفاء طابع كوني على مصالحها الطبقية الخاصة، وتصوير علاقات الاستغلال والهيمنة التي أفرزتها ظروف تاريخية محددة باعتبارها قوانين طبيعية ثابتة، لا نتاجاً لتطور اجتماعي تاريخي، يخضع للتناقض والصراع، ويحمل في داخله إمكانات تغييره وتجاوزه.

فالمعرفة النقدية ضرورة لتحرير الوعي من الأوهام التي تحجب التناقضات، وتمكين الإنسان من إدراك موقعه في الصراع الاجتماعي وتنظيم إرادته لتغيير واقعه.. فالمعركة، في جوهرها، ليست بين قديم وجديد، ولا بين أيديولوجيا وعقلانية، وإنما بين فكر يكشف الطابع التاريخي للعالم القائم ويفتح أفق تجاوزه، وفكر يسعى إلى تأبيده بإخفاء تناقضاته وتزييف الوعي بها؛ حتى لو اقتضى ذلك أن يتبجّح الجهل على المعرفة بالسخرية والتسخيف.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

“حارس سطح العالم”

صدر عن منشورات تكوين والدار العربية للعلوم – ناشرون رواية “حارس سطح العالم” للروائية بثينة العيسى، رسوم: محمد المهنا. الطبعة الـ ١١. فازت الرواية بجائزة