الانتخابات الصهيونية والأميركية بين الأوهام والتبدلات

-+=

في العام ١٩٦٩ بعد تنصيب الرئيس “الجمهوري” ريتشارد نيكسون رئيساً للولايات المتحدة الأميركية خلفاً للرئيس “الديمقراطي” ليندون جونسون وما ساد الإعلام العربي ذلك الحين من أوهام حول حدوث تغيّر جذري في الموقف الأميركي تجاه الكيان الصهيوني عقب نكسة ٥ يونيو ١٩٦٧ كتب الشاعر الشعبي المصري أحمد فؤاد نجم قصيدة ساخرة غناها رفيقه الشيخ إمام كان مطلعها يقول:

” ألفٌ باءٌ .. جونسون روّح .. نيكسون جاء .. قولوا هأهوأو .. أو قولوا هاء .. على صحافتنا الغير غراء “

 

وبالطبع فقد أصاب الشاعر الساخر كبد الحقيقة، فالموقف الأميركي الداعم للعدوان الصهيوني لم يتغيّر، وكذلك لم تتغيّر طبيعة الإمبريالية الأميركية، ولكن من جانب آخر نجد أن تغيير الرئيس الأميركي حمل في طياته تبدلات لا يمكن إنكارها حول الموقف الأميركي تجاه مجموعة أخرى مهمة من قضايا الصراع في العالم، وذلك تحت تأثير وضغط عوامل مختلفة وربما متناقضة تتجاوز حدود تبدّل شخصَيّ الرئيسَين الأميركيَين تمثّلت من جهة في صمود الشعب الفيتنامي في حربه للخلاص من الهيمنة الإمبريالية، وتمثّلت من جهة أخرى في حراكات الشباب الأميركي الرافضة للحرب والتجنيد الإلزامي، وتمثّلت من جهة ثالثة في تنامي قوة الاتحاد السوفياتي ومكانته العالمية، وتمثّلت من جهة رابعة في تفاقم الخلاف السوفياتي – الصيني… وفي ذلك السياق بدأت مباحثات السلام الأميركية – الفيتنامية في باريس، وفُتحت صفحة ما يُسمى الانفراج الدولي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي لتخفيف حدّة الحرب الباردة فتم إبرام اتفاقية الحدّ من الأسلحة الاستراتيجية”سالت ١”، وانطلقت دبلوماسية “البينغ بونغ” الأميركية مع الصين الشعبية.

واليوم هاهو المشهد نفسه يعود بشكل آخر، فهناك تحليلات واستنتاجات واهمة حول حدود التغييرات التي تنطوي عليها نتائج الانتخابات الأخيرة سواء في الكيان الصهيوني أو النصفية في الولايات المتحدة الأميركية، ولكن في المقابل فإنّ عدم الانسياق وراء هذه الأوهام لا يمكن أن يقودنا إلى إنكار ما يمكن أن تتداعى إليه الأوضاع في الكيان وعلى مستوى الإدارة الأميركية جراء عوامل ضاغطة متنوعة ومتناقضة جاءت الانتخابات الأخيرة لتدفع الأمور نحو تغيرات في السلوك وليس الطبيعة الصهيونية العدوانية العنصرية للكيان ونزعة الهيمنة الإمبريالية الأميركية… تغيرات تتصل بحدود انفلات العدوانية الصهيونية من عقالها في حرب إبادة الشعب العربي الفلسطيني والتمادي في التجاهل التام لحقوقه الوطنية، ومواصلة التوسع في احتلال المزيد من الأراضي العربية في لبنان وسورية، وكذلك على مستوى حدود التصعيد المنفلت الذي قد يطاول الحرب الأميركية – الصهيونية على إيران وتجاهل العواقب الخطرة الناجمة عن هذه الحرب.

نعم الطبيعة العدوانية العنصرية التوسعية الاستيطانية للكيان الصهيوني لم تتبدّل، ولكن سلوك حكام الكيان أصبح قابلاً للتبدل تحت ضغط الأزمة الداخلية العميقة التي يعيشها الكيان وتدهور سمعته على مستوى العالم… ونعم كذلك فإنّ نزعة الهيمنة العدوانية الإمبريالية لم تتبدّل ولكن سلوك الإدارة الإميركية أصبح أدعى لأن يخضع لضغوط ستضطره للتبدّل، وهي ضغوط لا تنحصر في تغيّر موازين القوى داخل مجلسي النواب والشيوخ في واشنطن، وإنما تمتد إلى ما هو أهم، وبالأساس تغيّر ميزان القوى العالمي وبدء تشكّل نظام عالمي جديد لن تكون فيه الإمبريالية الأميركية مطلقة اليد.

وبالتالي، فعلينا أن نفرّق بين الركض وراء الأوهام الخادعة واستشراف التبدلات الآخذة في التشكّل… ولكن هذا كله لا يجوز أن يدفعنا لتبني تصورات ساذجة تستبعد على نحو مطلق محاولات عتاة الصهاينة وغلاة الإمبرياليين الهروب من أزماتهم وهزائمهم عبر القفز إلى الأمام والاندفاع أكثر نحو التصعيد.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

حرية الكلمة ليست ترفاً

حرية الرأي… حرية التعبير… حرية النقد والاعتراض… حرية النشر… حرية الحصول على المعلومات… حرية الصحافة… حرية الإعلام… حرية البحث العلمي، هي مفردات يمكن عنونتها إجمالاً

تحديات ضاغطة ومتطلبات ملحّة

في ظل تحولات عالمية متلاحقة ومتناقضة يتفكك فيها النظام العالمي، الذي تسيدته الولايات المتحدة الأميركية لنحو أربعة عقود، وتتفسخ فيها ضوابطه وقوانينه ومؤسساته وموازين قواه…

ماذا تبدّل بعد ٣٦ عاماً على الغزو؟

مضى ستة وثلاثون عاماً على غزو النظام العراقي البائد الكويت واحتلالها…وها هي الكويت كدولة صغيرة في هذا الإقليم المضطرب والمنطقة المشتعلة من العالم لا تزال