هل ستصبح الصين قوة مهيمنة؟

-+=

عند مقاربتي لمسألة الحضور الصيني في عالم اليوم، دائماً ما يحضر في ذهني، المنطق الذي أوصى به الشاعر السوري نزار قباني، إذ يُشير إلى “ان الذي يريد أن يفهم الصين عليه أن يتخلى عن كل أفكاره السابقة، ويناقش الأمور بالمنطق الصيني.. لا بمنطقه هو.. وعندئذ يجد الصين على حق في كل ما تقوله وما تفعله..”. وانطلاقاً من هذا الفهم يمكننا قراءة مسار صعود الصين، واستشراف ما إذا كانت ستتحول إلى قوة مهيمنة بعد أن تجتاز مرحلة التحول نحو التعددية القطبية وكسر هيمنة القطبية الواحدة التي استمرت خلال العقدين المنصرمين. 

وربما يكون استحضار بعض المواقف الصينية في معالجتها لشؤونها الداخلية، يُساعد في فهم المنطق الصيني في معالجة الأمور ومنها دورها وحضورها وعلاقتها مع العالم الخارجي.

من هونغ كونغ إلى تايوان

بقيت هونغ كونغ مستعمرة بريطانية لمدة 155 عاماً (1842-1997) نتجت عن حرب الأفيون والاتفاقيات غير المتكافئة. شهدت خلالها نمواً اقتصادياً كبيراً وأصبحت مركزاً مالياً وتجارياً عالمياً.

تمت استعادة هونغ كونغ للصين في 1 يوليو 1997 وفقاً للإعلان الصيني البريطاني المشترك. ولكن الصين وفي إطار فهمها للاختلافات القائمة، حيث كانت هونغ كونغ تمتلك نظاماً قانونياً واقتصادياً مختلفاً (قانون إنجليزي ونظام رأسمالي)، ولذلك فلقد تبنت الصين مبدأ “دولة واحدة، نظامان” بحيث يضمن حكم ذاتي عالٍ لهونغ كونغ ولمدة 50 سنة بعد 1997 (أي حتى 30 حزيران/يونيو 2047).. فلقد كانت بكين حريصة على الحفاظ على مناخ استثماري مستقر في هونغ كونغ وكانت على قناعة بأن هناك مصلحة اقتصادية متبادلة تجعل الإبقاء على الوضع الخاص أكثر جدوى من إعادة الدمج الكامل بالقوة.

عادت هونغ كونغ إلى سيادة الصين وضمن دستور محلي (قانون أساسي) يكفل «درجة عالية من الحكم الذاتي» هذا الإطار تضمن بقاء النظام القانوني والنظام الاقتصادي والعملة المحلية (دولار هونغ كونغ) ومؤسسات إدارية خاصة لهونغ كونغ..

ومنذ تلك اللحظة المفصلية سعت الصين لإنشاء شبكات من الآليات الاقتصادية والمؤسّسية التي عمّقت الارتباط وخلقت روابط اقتصادية قوية ومصالح متبادلة أدت إلى تقليل الحوافز للانفصال الكامل.

واستلهاماً من هذه التجربة، وحتى يومنا هذا، فإننا لا نسمع أي نية للتعامل عكس ذلك مع الحالة التايوانية والدليل على ذلك ما أورده الرئيس شي جين بينغ في كلمته أمام المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الصيني (2022) حيث أكد على مبدأ (التوحيد السلمي مع تايوان) كأفضل نهج لإعادة التوحيد بين جانبي المضيق، مُشدداً على أنه الأكثر صلاحاً بالنسبة إلى المواطنين على جانبي المضيق والأمة الصينية. مُشيراً إلى إن المواطنين على جانبي المضيق تربطهم قرابة الرحم وهم أفراد عائلة واحدة وتجمعهم رابطة الدم. 

الفكر الصيني المتسامح

وللبحث في جذور الموقف الصيني السلمي، فإننا بحاجة للاطلاع على الثقافة الصينية، والتي يرى المفكر الموسوعي هادي العلوي( 1932- 1998) بأنها تحمل مفهوم التسامح المتأصل بها، حيث يُشير إلى أنه لم يكن هناك لدى الأباطرة الذين حكموا الصين نزعة الطغيان الدموي التي كانت موجودة عند الحكام في البلدان الأخرى، وإن وجد بعض الحالات القليلة فإنها أقل عدداً من الحالات التي اتسم فيها الملوك بالتسامح.

 ومن هذا المنطلق فإن الكاتب يؤكد أن هذه الخلفية التاريخية كانت المرجع الذي استند إليه الشيوعيون الصينيون إبان حرب التحرير والتي اتسمت بالتسامح العجيب مع أعدائهم الطبقيين. ويشير إلى أن الشيوعيين الصينيين كانوا يصلحون الأسرى من قوات حزب الكومنتانغ ولا يقتلوهم. وتعففوا عن الإعدامات الاعتباطية ضد أركان الحكومة السابقة وتشددوا في منع التعذيب. وامتد تسامحهم إلى الامبراطور وقادة الجيش الحكومي فاكتفوا باعتقالهم وإصلاحهم في السجون. ويشير إلى أن هذا التسامح الذي تميز به الشيوعيون لم يكن ينطبق على حكومة الكومينتانغ التي كانت مدعومة من الغرب، والتي تميزت بأسلوبها الفاشي الدموي في تعاملها مع الخصوم. ويوضح أن الكثير من المعارك التي خاضها الشيوعيون الصينيون والتي انتهت بنصرهم كانت تقترن بالامتناع عن قتل الأسرى أو تعذيب السجناء والامتناع عن تنفيذ حكم الإعدام..

ويشدد العلوي على أن روح التسامح الصيني لا نجد ما يساويها في الحضارات الأخرى لآسيا وأوروبا. وهي نزعة تتبلور في الصين في ظل انعدام الفكر الديني المركزي، وبالتالي فإننا لا نواجه في تاريخ الفكر الصيني معايير تكفير وتبديع، ويخلو القاموس الصيني من مفردات أصيلة تدل على الإلحاد والزندقة والهرطقة.

الأقليات القومية 

انطلاقاً من مرجعيته الماركسية، تشكلت رؤية الحزب الشيوعي الصيني حول الأقليات القومية ويستعرض الباحث “لي تسي يوان” في كتابه (دراسات حول مناهج الحزب الشيوعي الصيني في البناء الثقافي للأقليات) المحطات البارزة في تشكّل رؤية الحزب الشيوعي الصيني حول الأقليات القومية. فينطلق من مرحلة التأسيس، مروراً بمواجهة العدوان الياباني، ويستعرض التوجيهات التي كانت تصدرها قيادة الحزب، وعلى رأسها ماو تسي تونغ، في كيفية التعامل مع الأقليات القومية، ومحاولة فهم خصوصيتها، في سبيل دفعها للمشاركة في مواجهة العدوان، فعلى سبيل المثال وجهت اللجنة المركزية، الجيش الأحمر في تلك الفترة، بمراعاة خصوصية قومية هوي (المسلمة) أثناء المرور بالمناطق التي تقطنها، وعدم دخول مراكز عبادتهم أو لمس كتبهم المقدسة، أو التحدث معهم عن الأمور التي تخالف معتقداتهم الدينية. وفي عام 1940 اقترح أبناء قومية هوي في يانآن إنشاء مسجد، فوافقت حكومة المنطقة على ذلك. إضافة إلى ذلك فقد كتب ماو تسي تونغ شخصياً كلمة المسجد.

ومع بداية تأسيس الدولة الوطنية، عزّز الحزب الشيوعي الصيني موقفه الواضح من الأقليات، ودعا إلى صيانة تراثها وتوثيق لغاتها، في حال كانت مكتوبة، أو مساعدتها على إيجاد أبجديتها في حال كانت منطوقة فقط. وطرح ماو تسي تونغ نظرية المساواة المطلقة بين جميع القوميات، انطلاقاً من أن الماركسية تدعو إلى أن تكون جميع القوميات على قدم المساواة في مجالات الحياة الاجتماعية كافة، وتعتبر أن المساواة القومية أحد المبادئ الجوهرية لمعالجة العلاقات القومية، وعليه فإن جميع القوميات تتمتع بالقدر نفسه من المساواة مع القومية الأكبر (الهان)، ويحقّ لجميع الأقليات القومية التمتّع بحقوق الحكم الذاتي المتساوي، ولها الحقوق المتساوية في مجال اللغات المنطوقة والمكتوبة والعادات والأساليب والمعتقدات الدينية.

وكان تشو إن لاي (بصفته رئيس أول مجلس لدولة الصين)، له مساهمته الخاصة في هذا المجال، فقد فسّر بدايةً سبب حالة التخلف السياسي والاقتصادي والثقافي للأقليات القومية بأنها تعود إلى نظام الاضطهاد القومي. أما الوسيلة لإصلاح ذلك فلا يتحقق بالإجبار أو إصدار الأوامر، بل عن طريق تنمية الاقتصاد القومي وتطوير القدرة الإنتاجية.

درس في التاريخ

امتداداً للوقت الحاضر فإن الصين ومع تنامي قوتها الاقتصادية وتبوئها ثاني أكبر اقتصاد في العالم فإنه لم توظف هذه القوة لغزو بلدان أخرى ونهب ثرواتها. وفي هذا الصدد يمكن استحضار (درس التاريخ) الذي قدمه السيد  H.E. Li Zhaoxing (وزير الخارجية الأسبق – والرئيس الأسبق للجنة الشؤون الخارجية للمجلس الوطني لنواب الشعب في جمهورية الصين الشعبية) وذلك عام 2019  خلال جلسة للمنتدى الاستراتيجي العربي في دبي لاستشراف النظام العالمي 2030 بين الصين وأميركا “The Global Order 2030: The United States & China” حيث وجه درسه لنائب الرئيس الأميركي السابق ديك تشيني قائلاً: “الصين لن تحاول أبداً أن تسيطر على العالم، الصين لن تحاول أبداً أن تكون دولة عظمى مثل الولايات المتحدة الأميركية. التاريخ هو أفضل معلم، بعض السياسيين الأميركيين نسوا تاريخهم. أنتم تتحدثون كثيراً عن الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة وتنسون الحرب التجارية القديمة ضد مستعمريكم البريطانيين السابقين. أجدادكم رفضوا أن يتم حكمهم واستغلالهم وتخويفهم من قبل المستعمرين من أوروبا الغربية، وبعد أن حصلتم على استقلالكم انحرفتم بسرعة كبيرة. عندما أصبحتم أكبر قوة اقتصادية وعسكرية أصبحتم تلامذة لمستعمريكم السابقين البريطانيين. تريدون الآن تخويف الآخرين. في بداية القرن العشرين انضممتم إلى الدول الغربية الإمبريالية لغزو الصين وفي الخمسينات من القرن الماضي قادت أميركا حملة لغزو شبه الجزيرة الكورية، والآن سمحتم بحدوث الكثير من المشاكل في الشرق الأوسط والعالم العربي. لقد أخلفتم بوعود أجدادكم، وذلك باستمراركم في التدخل في شؤون الدول الأخرى الداخلية، هذا حطم صورة الولايات المتحدة الأميركية كدولة صديقة للعالم. آمل أن يدرك السياسيون الأميركيون مدى خطورة وغباء الأخطاء التي ارتكبوها”.

أي قوة تطمح لها الصين؟

أما الشهادة الأخيرة التي يمكن أن تعطينا تصورا آخر عن نمط القوة الذي تسعى له الصين فإنها جاءت من وزير الخارجية الأميركي الراحل هنري كيسنجر والذي كان له دور الوسيط في إصلاح العلاقات الأميركية – الصينية بداية السبعينات من القرن الماضي، حيث وفي حوار له عام 2023 مع مجلة (The Economist) فإنه يحذر من إساءة تفسير الطموحات الصينية من قبل واشنطن، مؤكداً أنهم “يقولون إن الصين تسعى للسيطرة على العالم، والحقيقة هي أنهم في بيجين يريدون أن يكونوا أقوياء، لكنهم لا يسعون للسيطرة على العالم بالأسلوب الهتلري، فليس هذا هو الأسلوب الذي يفكرون به، ولم ينظروا إلى العالم بهذا المنظار أبداً”. ومن واقع خبرته الطويلة فإنه يقول: إن النظام الكونفوشيوسي الذي يتبعه الصينيون يعلمهم مبدأ تحقيق أقصى قدر من القوة وذلك بهدف أن يعترف الطرف الآخر المقابل لهم بقدرتهم، وفيما معناه فإنهم يسعون للقوة ليس لتهديد الآخر وإنما لحماية أنفسهم وحماية مستقبلهم. 

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

«تقدُّم»… نتاج مباشر للديمقراطية

مجلة «تقدُّم» ليست مجرد محتوى يتناول السياسة والثقافة والفكر وقضايا الساعة وشؤون الوطن، بل هي تعبير عن إفرازات ثرية لمسيرة الكويت الديمقراطية التي ترسخت عبر تاريخ الكويت

الفضيحة الإبستينية .. نفوذ الضجيج

في عالم تُدار فيه القوة بمنطق العبودية الحديثة خلف الشاشات والأنظمة، كيف يمكن للجماهير أن يضمنوا أن صوتهم ما زال مؤثراً، وأن المشاهدة لا تتحول إلى استسلام كامل لسلطة الضجيج؟

جريمة دفن الآثار.. محو ذاكرة بيروت

تدمير وطمس آثار بيروت ومحو ذاكرة شعبها وتهجيره وتحويل هذه القلعة الأثرية إلى شركة خاصة تعتبر جريمة العصر. هذا ما يسميه باحثو التراث والآثار بـ “الهندسة السياسية للذاكرة”.