
منظمة التعاون الإقليمي: الجغرافيا والسياسة والاقتصاد والتاريخ
صياغة المستقبل تحتاج القدر الكبير من الحنكة السياسية والنظرة الاستراتيجية ما يدفعنا جميعاً إلى التعاون من أجل تحديد مصيرنا على مستوى الدول مجتمعة وكل على حدة
بعيداً عن تكرار الخطاب التقليدي الوعظي الناصح بتجنّب الطائفية والقبلية والعنصرية، التي ابتليت بها مجتمعات عديدة، وبينها مجتمعاتنا العربية، بما فيها مجتمعنا الكويتي، فإنّ الأهم هو الفهم الموضوعي لهذه الظواهر الاجتماعية التاريخية بكل تعقيداتها وتناقضاتها، وصولاً إلى إيجاد المشروع البديل بأبعاده الوطنية الاجتماعية الديمقراطية المدنية.
ونحن عندما نتحدث هنا عن التصدي للطائفية فإننا لا نقصد الطائفة كمكوّن ديني أو مذهبي اجتماعي تاريخي… وكذلك فإنّ حديثنا عن مكافحة القبلية لا يعني مكافحة القبيلة كرابطة اجتماعية تقليدية… وكذلك الفارق بين رفض العنصرية والقبول بوجود مكونات عرقية متنوعة.
مع ملاحظة أنّ الطائفة والقبيلة والأعراق هي مكونات مرتبطة بأساليب انتاج سابقة للرأسمالية، التي تكرّس فيها الانقسام الطبقي كانقسام رئيسي، وتأكد فيها الصراع الطبقي بوصفه الصراع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الأساسي في المجتمعات البشرية، إلى جانب الصراع التحرري الوطني في مواجهة الاستعمار والهيمنة الإمبريالية وللخلاص من التبعية، وهو صراع ذو مضمون طبقي.
محاولة للفهم:
ولئن كانت التكوينات الطائفية والقبلية قد تآكلت وضعفت وتفككت في ظل التطور الرأسمالي العاصف، الذي شهدته بلدان المركز الإمبريالي، فإنّ التطور الرأسمالي التابع والمشوّه والضعيف في بلدان الأطراف التابعة لم ينجز ذلك، بل أبقى على هذه التكوينات السابقة للرأسمالية وأعاد انتاجها ووظفها لتكريس هيمنة الرأسماليات الكمبرادورية التابعة للإمبريالية، وللتغطية على الانقسام الطبقي وإضعاف الصراع الطبقي وتشويهه، ولشقّ صفوف المجتمعات التابعة في الصراع التحرري الوطني.
أما العنصرية، فقد استخدمتها الإمبريالية في بلدان المركز لتبرير هيمنتها على البلدان المستعمرة والتابعة في الأطراف، وكررت الإمبريالية اللجوء إلى العنصرية عندما اشتدت أزمتها ولم تعد قادرة على إخفاء تناقضاتها لتوظيف العنصرية في تثبيت السيطرة على الجماهير و لتبرير التفاوت الاجتماعي والاستغلال والحروب بحجة انتماء الناس لأجناس مختلفة “عليا” و”دنيا” وسمات بيولوجية.
وهذه الوظيفة للعنصرية لا تنحصر في المراكز الإمبريالية، بل يُعاد إنتاج العنصرية في بلدان الأطراف التابعة عبر تغذية الخطاب العنصري وخطاب الكراهية وممارسة التمييز ضد أقسام من المواطنين والسكان، وتهميشهم وإقصاؤهم، بحيث يتم شقّ صفوف الجماهير الشعبية وقطع الطريق على وحدتها، بما في ذلك حتى الزجّ بها في فتن وحروب أهلية دامية.
إنّ الطائفية ليست مجرد عصبية دينية أو مذهبية فطرية، وكذلك فإنّ القبلية ليست مجرد رابطة اجتماعية تقليدية، وإنما هما ظواهر اجتماعية تاريخية لهما أدوار وظيفية في تضليل الجماهير وخداعها بأن الانقسام الطائفي أو الانقسام القبلي هو الانقسام الرئيسي، وليس الانقسام الطبقي بين مَنْ يعملون وينتجون مِنْ جهة ومَنْ يملكون ويستأثرون بالخيرات ويهيمنون على مقدرات البلاد، وبالتالي ايهام الجماهير أنّ الصراع الوهمي بين الطوائف والقبائل هو الصراع الاجتماعي الحقيقي، وليس الصراع الطبقي في المجتمعات الرأسمالية بالمركز والمجتمعات الرأسمالية التابعة في الأطراف، ولا الصراع الوطني التحرري بين البلدان التابعة والبلدان الإمبريالية المسيطرة.
ولكن مع ذلك كله، يجب علينا عدم إنكار وجود المسألة الطائفية في العديد من المجتمعات، وخصوصاً في البلدان التابعة، فالطائفية ليست مجرد تعصبّ ولا هي مجرد تراجع عن الانتماء الوطني، كما أنها ليست بالضرورة مصدّرة إلى مجتمعاتنا من الخارج، أو أنها مجرد أداة وظيفية لخداع الجماهير، وإنما علينا أن نعترف بأنه هناك في العديد من المجتمعات العربية وبدرجات متباينة تفاوت وتمييز وحرمان اجتماعي يطاول طوائف معينة من حيث عدم تكافؤ الفرص وتسييس الفروق الطائفية، وهذا ما ينطبق أيضاً على المهمشين من بعض الفئات الاجتماعية في الفوارق بين سكان المدينة والأرياف والصحاري من حيث أنصبتهم من الخدمات والنمو الاقتصادي وفرص التعليم والعمل وتولي المناصب.
التأجيج والتداعيات:
بالتأكيد فإنّ هناك دوراً تأجيجياً لتكريس الطائفية، وكذلك النعرات القبلية والعنصرية، فهناك زعامات طائفية وقبلية وعائلية تسعى دوماً لتكريس زعاماتها عبر هذا التأجيج، وبينهم بالطبع نواب ومرشحون…كما أنّ الأحزاب السياسية الدينية، وخصوصاً في المجتمعات ثنائية الطائفة، تسعى بالضرورة إلى تعميق النزعات الطائفية وتسييسها لتعزيز نفوذها على الطائفة التي تنتمي إليها.
والخطير في الأمر في مجتمعاتنا، أنّه عندما تتفجر الأزمات الاجتماعية والسياسية فإنها تتخذ أشكالاً وتعبيرات طائفية وعنصرية… وكذلك في حالات احتدام الصراعات السياسية على مستوى بلدان الإقليم فإنها تنعكس في مجتمعاتنا على هيئة صراعات طائفية وعنصرية… وكذلك الحال فترات الحروب، كما حدث خلال الحرب العراقية – الإيرانية في ثمانينات القرن العشرين وتداعياتها الخطرة في مجتمعاتنا الخليجية وبينها مجتمعنا الكويتي، ناهيك عن خطورة التركيز على التعامل الأمني وما ينجم عنه من تسميم للأجواء وتعميم ظالم للاتهامات يتجاوز الأفراد المعنيين ليشمل طائفة بأكملها، وتشكيك مرفوض بالولاء وتخوين وخطاب كراهية ومحاولات استنطاق وضغط خطرة، وما يترتب عليها من ردات أفعال منفلتة، والشواهد التاريخية معروفة ومتكررة مع كل أسف، ومنها ما برز في ظل أحداث مسجد شعبان بعد قيام الثورة الإيرانية في العام ١٩٧٩، وأجواء الاستقطاب الطائفي في العراق بعد ٢٠٠٣، التي امتدت إلى عموم الخليج، وما يسمى قضية التأبين في ٢٠٠٨، التي جرى احتواؤها سياسياً بعد فترة، وما تكرر من استقطابات طائفية حادة متناقضة على ضوء أحداث البحرين وسورية في ظل ما سمي بالربيع العربي في ٢٠١١، وقضية خلية العبدلي في ٢٠١٥ وتداعياتها، وخلال الحرب الراهنة، التي أشعلها الكيان الصهيوني والأميركان وما طاول الكويت من اعتداءات مرفوضة إيرانية ومن أطراف أخرى ذات صلة، وما جرى الإعلان عنه من ضبط خلايا وملاحقات أمنية وقضائية، مع ملاحظة أن التأجيج الطائفي في الفترة الراهنة قد انتقل إلى بعض الإعلاميين ومشاهير السوشيال ميديا ولم يتركز في الأحزاب السياسية الدينية، كما كان الحال سابقاً.
وفي المقابل فإنّه مع الأهمية البالغة للتجربة الوطنية الرائعة في مقاومة الغزو العراقي للكويت في العام ١٩٩٠، وكذلك للتضامن الوطني الشعبي والرسمي الموحد في مواجهة جريمة تفجير مسجد الإمام الصادق في ٢٠١٥، إلا أنهما مع كل أسف لم يثبّتا أسساً صلبة للتصدي للطائفية والوحدة الوطنية الشعبية.
ومن هنا فإنّ التصدي للطائفية والقبلية والعنصرية يتطلب بالأساس فهم هذه الظواهر الاجتماعية والعوامل التي أوجدتها وتناقضاتها وتأثيراتها السلبية على التضامن الشعبي الاجتماعي والوطني والسلم الأهلي، وكذلك دورها المعرقل في التطور الوطني والديمقراطي، وما ينجم عنها من أضرار عندما تتفاعل في الحقل السياسي أو الحقل الاجتماعي أو الحقل الثقافي.
وإذا كان الفهم الموضوعي للطائفية والقبلية والعنصرية كظواهر اجتماعية تاريخية هو المدخل الأول للتصدي لها وتفكيكها، فإنّ إلغاءها لا يمكن أن يتم إلا عبر مشروع بديل قادر على تجاوزها.
المشروع البديل:
إنّ المشروع البديل لا يمكن أن يكتفي بالخطاب الوعظي الناصح الداعي للوحدة الوطنية، من دون استخفاف بفائدته الجزئية.
وكذلك فإنّ تجاوز الطائفية لا يمكن أن يتحقق مثلما يظن بعض الواهمين بحوار المذاهب وتقريبها، وإن كانت هناك محاولات تاريخية سابقة في هذا الشأن جرت في بعض البلاد الإسلامية، ولكنها سرعان ما تتلاشى، بل ربما تقود لمزيد من التباعد.
وكذلك هي مشروعات من شاكلة “إقامة التعايش السلمي بين المكونات الاجتماعية الطائفية والقبلية”، فمثل هذه المشروعات أو الشعارات، التي تبدو بريئة ستقود بالضرورة إلى محاصصات طائفية وقبلية واثنية، مثلما ابتليت بهذه الصيغ البائسة بعض بلداننا العربية بتدبير استعماري غربي.
وإنما لابد من مشروع بديل… مشروع ينطلق بالأساس من المواطنة الدستورية المتساوية ورفض التمييز والتهميش والإقصاء والمحاصصة… مشروع قيام الدولة الوطنية الديمقراطية المدنية العادلة اجتماعياً في بلداننا العربية، فهذا هو المشروع الوحيد القادر على تجاوز الطائفية والقبلية والعنصرية.
مقالة مشتركة حررها:
أسامة العبدالرحيم ومشعان البراق
دار تقدُّم العربية للاستشارات السياسية والاستراتيجية
الكويت في ١٥ أبريل ٢٠٢٦

صياغة المستقبل تحتاج القدر الكبير من الحنكة السياسية والنظرة الاستراتيجية ما يدفعنا جميعاً إلى التعاون من أجل تحديد مصيرنا على مستوى الدول مجتمعة وكل على حدة

من الطبيعي أن يتركز اهتمام الرأي العام الشعبي في بلدان الخليج العربية تجاه الحرب المشتعلة في المنطقة على المشهد المباشر المتصل بما تتعرض له هذه

تتمسك الصين بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة كمرجعية وحيدة لحل النزاعات، تعزيزاً لرؤيتها القائمة على التعددية القطبية

استمرار غياب أفق سياسي، وتآكل شرعية الأطراف المحلية، وتصاعد الغضب الشعبي، كلها عوامل قد تعيد إنتاج دورة جديدة من التوتر، ما يجعل المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة تتراوح بين تثبيت الأمر الواقع لفترة طويلة أو انفجار جديد يعيد خلط الأوراق



