
الشيوعي البرازيلي المنسي الذي فاز بالمونديال لكنه لم يحرزه!
بعد الإطاحة بالحُكم ضد الرئيس جواو غولار عام ١٩٦٤ دخلت البرازيل في منعطف الدكتاتورية البشعة لأكثر من عقدين من الزمن.. تم استفحال المخابرات وزادت قوة
في زمنٍ تتساقط فيه الرموز السياسية تباعاً، وتُختزل فيه قيادة الشعوب بأرقام الانتخابات أو مؤشرات الأسواق، تقف كوبا أمام العالم حاملةً أحد آخر وجوه جيل الثورات الكبرى. ليس باعتباره رئيساً سابقاً أو قائداً عسكرياً متقاعداً، بل بوصفه جزءاً من الذاكرة الحية لأمةٍ اختارت أن تواجه أعظم قوة في العالم بإرادة شعبٍ صغير آمن بحقه في الحرية والسيادة.
في الخامس من يونيو/حزيران 2026، بلغَ الجنرال راؤول كاسترو روز عامه الخامس والتسعين. لم يكن الاحتفاء بهذه المناسبة مجرد احتفال بعيد ميلاد رجلٍ تجاوز التسعين، بل كان مناسبة وطنية أعادت إلى الواجهة مسيرة قائدٍ ارتبط اسمه بأكثر من سبعين عاماً من النضال والثورة والبناء والصمود في مواجهة الحصار والضغوط والهجمات التي استهدفت كوبا ورموزها.
وفي لحظةٍ تواجه فيها كوبا تحديات اقتصادية وسياسية متفاقمة، وتتعرض فيها لضغوط أميركية متواصلة، بدا حضور راؤول أشبه برسالة سياسية بحد ذاتها؛ رسالة تقول إن الثورة التي نجت من الحصار والانقلابات والمؤامرات ما تزال قادرة على استحضار رموزها التاريخية بوصفهم جزءاً من معركة الحاضر، لا مجرد شخصيات تنتمي إلى الماضي.
من بيران إلى السييرا مايسترا: ولادة قائد ثوري
يرتبط اسم راؤول كاسترو غالباً باسم شقيقه الأكبر فيدل، لكن اختزال دوره في إطار العلاقة العائلية يظلم تاريخاً طويلاً من العمل الثوري المستقل.
فمنذ سنوات شبابه الأولى انخرط راؤول في النشاط السياسي المناهض للاستبداد والظلم، وشارك في التحركات الطلابية واليسارية التي شهدتها كوبا في خمسينيات القرن الماضي. وعندما وقع الهجوم الشهير على ثكنة مونكادا عام 1953، كان في طليعة المشاركين، وكان أصغر المشاركين سناً في العملية التي اعتُبرت الشرارة الأولى للثورة الكوبية.
تحمل السجن مع رفاقه، وخرج إلى المنفى في المكسيك، ثم عاد على متن يخت غرانما في الرحلة التي تحولت إلى إحدى أشهر صفحات التاريخ الثوري في أميركا اللاتينية. وبينما كانت الثورة تتشكل في جبال سييرا مايسترا، لم يكن راؤول مجرد مقاتل بين المقاتلين، بل سرعان ما برز كأحد أبرز القادة الميدانيين والمنظمين العسكريين.
وفي الجبهة الشرقية الثانية التي حملت اسم الشهيد فرانك باييس، أثبت قدرات قيادية وتنظيمية استثنائية، حيث أشرف على إدارة مناطق محررة كاملة، وقاد آلاف المقاتلين، ووضع أسساً تنظيمية وعسكرية أسهمت لاحقاً في انتصار الثورة. ولهذا فإن راؤول لم يكن وريثاً للثورة، بل أحد صانعيها الأصليين.
شراكة صنعت تاريخاً
كانت العلاقة بين فيدل وراؤول واحدة من أكثر العلاقات السياسية تأثيراً في القرن العشرين. لم تكن مجرد أخوة دم، بل شراكة ثورية صنعت مساراً تاريخياً كاملاً. فقد تقاسما السجن والمنفى والقتال والانتصار، ثم شاركا معاً في بناء الدولة الجديدة التي وُلدت بعد سقوط نظام فولغينسيو باتيستا.
وحين تحدث فيدل عن شقيقه خلال المؤتمر الأول للحزب الشيوعي الكوبي عام 1975، رفض أي محاولة لربط موقع راؤول بالمحاباة العائلية، مؤكداً أن مزاياه اكتسبها في ساحات النضال، من مونكادا إلى السجن والمنفى والغرانما والجبهة الثانية الشرقية.
ولذلك لم يكن موقع راؤول نتاج صلة القرابة بقدر ما كان ثمرة مسيرة نضالية مستقلة. فالصدفة وحدها هي التي جعلت من فيدل وراؤول شقيقين، أما التاريخ فقد جمع بينهما رفيقين في الثورة والنضال.
كانت تلك شهادة قائد يعرف جيداً حجم الدور الذي لعبه رفيق دربه طوال مسيرة الثورة.
مهندس الدولة الثورية
إذا كان فيدل هو الصوت الأكثر حضوراً في الثورة الكوبية، فإن راؤول كان أحد أبرز مهندسي مؤسساتها. فعلى مدى عقود، تولى مسؤولية بناء وتطوير القوات المسلحة الثورية، وتحويلها إلى واحدة من أكثر المؤسسات الوطنية تنظيماً واستقراراً. كما لعب دوراً محورياً في تعزيز أجهزة الدولة وتحديث الإدارة العامة وضمان انتقال الأجيال داخل القيادة الثورية.
لقد أدرك راؤول منذ وقت مبكر أن بقاء الثورة لا يعتمد على الحماس الثوري وحده، بل يحتاج إلى مؤسسات قوية قادرة على حماية الاستقلال الوطني وتأمين استمرارية المشروع السياسي والاجتماعي الذي قامت من أجله. ولهذا السبب يُنظر إليه داخل كوبا باعتباره رجل الدولة الذي ساهم في تحويل الثورة من انتصار عسكري إلى مشروع وطني طويل الأمد.
الدبلوماسي الذي حمل الثورة إلى العالم
بعيداً من الصورة النمطية التي حاول خصوم كوبا رسمها له كقائد عسكري فقط، لعب راؤول دوراً أساسياً في رسم السياسة الخارجية الكوبية. فقد ساهم في توطيد علاقات بلاده مع حركات التحرر الوطني في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، وعمل على تعزيز الحضور الدولي لكوبا في مختلف المحافل الإقليمية والعالمية.
ولم يكن هذا الدور مجرد نشاط دبلوماسي تقليدي، بل ارتبط برؤية سياسية وأخلاقية تبناها راؤول طوال مسيرته. فبعد انتهاء المهمة الأممية الكوبية في أنغولا، أكد أن أبناء كوبا لم يذهبوا إلى إفريقيا بحثاً عن الثروات أو النفوذ، بل وفاءً لواجب التضامن الأممي مع الشعوب التي تناضل من أجل حريتها واستقلالها. وقد شكل هذا الموقف أحد المرتكزات الأساسية للسياسة الخارجية الكوبية، التي ربطت بين الدفاع عن السيادة الوطنية ودعم حركات التحرر في العالم. وقد رأى كثيرون في الدور الكوبي في أنغولا أحد أبرز نماذج التضامن الأممي في القرن العشرين.
لم يقتصر حضور راؤول على ساحات النضال والتحرر الوطني، بل كان أيضاً أحد أبرز الوجوه الدبلوماسية للثورة الكوبية على الساحة الدولية. فمنذ السنوات الأولى لانتصار الثورة، تولى عدداً من الزيارات والمهام السياسية إلى الاتحاد السوفيتي ودول المعسكر الاشتراكي، حيث ساهم في بناء شراكات استراتيجية كان لها دور حاسم في حماية كوبا وتعزيز قدراتها الاقتصادية والدفاعية في مواجهة الحصار والضغوط الأميركية.
وخلال تلك الزيارات، لم يكن راؤول مجرد مسؤول حكومي يمثل بلاده، بل كان يُنظر إليه بوصفه أحد الأصوات الرئيسية للثورة الكوبية في الخارج. فقد حمل إلى العواصم الاشتراكية خطاب الثورة القائم على الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية والتضامن بين الشعوب، وأسهم في ترسيخ مكانة كوبا كفاعل دولي يتجاوز حجمه الجغرافي والديمغرافي.
كما لعب دوراً مهماً في تطوير العلاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية بين هافانا وموسكو، وكانت لقاءاته المتكررة مع قيادات الاتحاد السوفيتي جزءاً من الجهد الذي مكّن كوبا من الصمود خلال أكثر مراحل الحرب الباردة تعقيداً. وبذلك تحول راؤول إلى أحد أبرز الوجوه التي جسدت حضور الثورة الكوبية خارج حدود الجزيرة، وجعلت من صوتها مسموعاً في المحافل الدولية الكبرى.
وخلال العقود الماضية، شارك في بناء شبكة واسعة من العلاقات الدبلوماسية جعلت من الجزيرة الصغيرة لاعباً يحظى باحترام واسع داخل الجنوب العالمي. كما كان أحد الداعمين الرئيسيين لمسار التكامل اللاتيني، وساهم في ترسيخ مبادئ السيادة وعدم التدخل والتعاون بين دول المنطقة.
وعندما انطلقت عملية استئناف العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة عام 2014، كان راؤول هو من أدار تلك المرحلة المعقدة بحكمة سياسية جمعت بين الانفتاح والتمسك بالثوابت الوطنية، مؤكداً أن الحوار لا يعني التنازل عن السيادة.
ستة عقود من الحصار… وكوبا ما تزال واقفة
حين انتصرت الثورة عام 1959، راهنت واشنطن على أن النظام الجديد لن يصمد طويلاً. لكن ما حدث كان العكس تماماً. فمنذ أكثر من ستة عقود، تخضع كوبا لحصار اقتصادي وتجاري ومالي يُعد من أطول أنظمة العقوبات في التاريخ الحديث. وعلى امتداد هذه السنوات، تعرضت الجزيرة لضغوط سياسية واقتصادية متواصلة هدفت إلى عزلها وإضعافها وإجبارها على التخلي عن خياراتها السيادية.
لقد وُلدت أجيال كاملة من الكوبيين عاشت حياتها تحت وطأة هذا الحصار. ومع ذلك، استطاعت البلاد أن تحافظ على نظامها الصحي والتعليمي وأن تواصل تطوير مؤسساتها الوطنية، وأن تقدم نماذج لافتة في مجالات الطب والتضامن الدولي رغم محدودية الموارد.
وكان راؤول كاسترو واحداً من أبرز القادة الذين قادوا عملية الصمود الطويلة هذه، سواء عبر تعزيز القدرات الدفاعية للبلاد أو من خلال بناء علاقات دولية ساعدت كوبا على مواجهة محاولات العزل والخنق الاقتصادي.
حين تتحول الأزمة إلى معركة سيادة
تأتي الذكرى الخامسة والتسعون لميلاد راؤول في وقت تمر فيه كوبا بمرحلة معقدة. فالجزيرة تواجه أزمة طاقة حادة وتحديات اقتصادية متراكمة، وسط استمرار العقوبات الأميركية وتشديد القيود المفروضة على التجارة والتحويلات المالية والوصول إلى الأسواق والتكنولوجيا وموارد التمويل.
غير أن الكوبيين ينظرون إلى هذه التحديات من منظور أوسع من الاقتصاد وحده. فبالنسبة لهم، تمثل هذه الضغوط امتداداً لمعركة السيادة التي بدأت منذ انتصار الثورة.
ولهذا يعود اسم راؤول كاسترو إلى الواجهة بوصفه رمزاً لجيل واجه ظروفاً أشد قسوة ونجح في تجاوزها. إنه بالنسبة لكثيرين ليس مجرد قائد تاريخي، بل دليل حي على قدرة البلاد على الصمود مهما اشتدت الضغوط.
لماذا ما زالوا يخشونه؟
قد يبدو غريباً أن تستمر الحملات السياسية والإعلامية ضد رجل بلغ الخامسة والتسعين من عمره وتخلى منذ سنوات عن المناصب التنفيذية. لكن القضية ليست في عمر الرجل ولا في موقعه الرسمي.
إن ما يمثله راؤول هو ما يثير القلق لدى خصوم الثورة الكوبية. فهو شاهد حي على فشل كل محاولات إسقاط المشروع الذي ساهم في تأسيسه. وجوده بحد ذاته يذكّر بأن جزيرة صغيرة، تبعد أقل من مئتي كيلومتر عن الولايات المتحدة، استطاعت أن تحافظ على استقلال قرارها الوطني رغم عقود من الحصار والضغوط.
ولهذا فإن استهداف راؤول لا يتعلق بالماضي فقط، بل بالحاضر أيضاً؛ لأنه يجسد استمرارية الثورة وقدرتها على البقاء.
حين يصبح التاريخ درعاً للوطن
لم يكن راؤول كاسترو في يوم من الأيام مجرد شقيق لفيدل أو خليفة له في قيادة الدولة، بل كان أحد أكثر المؤمنين بأن الثورات أكبر من الأفراد وأكثر دواماً من أعمار القادة.
وحين خذل التعب صوت فيدل في إحدى المناسبات الجماهيرية، لم يرَ راؤول في الأمر أزمة قائد فقد صوته، بل فرصة لتأكيد جوهر الفكرة التي آمن بها طوال حياته. يومها وقف ليؤكد أمام الجماهير أن ما قد يعتري الأفراد من ضعف لا يمكن أن يصيب إرادة شعب كامل، وأن صوت الثورة سيبقى أعلى من أصوات قادتها جميعاً.
ولعل هذه الحادثة الرمزية تختصر جانباً كبيراً من شخصية راؤول؛ فهو الرجل الذي أمضى حياته في خدمة فكرة آمن بأنها ستبقى بعده وبعد جيله، لأن قوتها الحقيقية لا تكمن في القادة، بل في الشعب الذي يحملها.
وصف الرئيس ميغيل دياز-كانيل راؤول كاسترو بأنه “بطولة وكرامة ودرع أخلاقي للأمة”.
ولعل هذا الوصف يلخص مكانة الرجل أكثر من أي تعريف آخر. فبعض القادة يتركون خلفهم مناصب وقرارات وذكريات. أما راؤول كاسترو فقد ترك نموذجاً كاملاً في الصمود والالتزام والوفاء لقضية آمن بها منذ شبابه المبكر وحتى يومنا هذا.
لقد قاتل في الجبال، وبنى المؤسسات، وقاد الدولة، وواجه الحصار، وشارك في رسم السياسة الخارجية لبلاده، وأسهم في نقل الثورة من جيل إلى جيل دون أن تفقد هويتها أو بوصلتها. ولهذا فإن الاحتفاء براؤول كاسترو ليس احتفاءً بشخص فقط، بل بتاريخ كامل من النضال الوطني.
إنه واحد من أولئك الرجال الذين يتحولون مع الزمن إلى جزء من ذاكرة الشعوب، وإلى رموز تتجاوز حدود المناصب والألقاب.
لقد أصبح راؤول كاسترو بالنسبة لكثير من الكوبيين أكثر من رجل دولة أو قائد ثوري؛ أصبح جزءاً من الذاكرة الوطنية نفسها، وواحداً من آخر الشهود الأحياء على قرن كامل من الثورات والتحولات الكبرى. وحين يصبح التاريخ نفسه درعاً للوطن، يصبح من الطبيعي أن يحمل هذا الدرع اسم راؤول كاسترو.

بعد الإطاحة بالحُكم ضد الرئيس جواو غولار عام ١٩٦٤ دخلت البرازيل في منعطف الدكتاتورية البشعة لأكثر من عقدين من الزمن.. تم استفحال المخابرات وزادت قوة

نتاج ابن رشد الفلسفي تمت قراءته في ضوء المنهج المادي العلمي التي أبرزت علاقته بالواقع الاجتماعي وتناقضاته، وإبراز النزعات المادية فيه وفي نتاج الفلاسفة العرب – المسلمين؛ المحجوبة بدراسات تلغي، بخلفية منهجية مثالية، ارتباط الفكر بالواقع وتطوره وأشكال المادية وتطورها في تلك المرحلة التاريخية، وارتباط التراث بقضايا التحرر الوطني

قرأ الطيب تحولات الشرق من وراء سور برلين الشرقية وكتب لاحقاً مؤلفات منها الموقف الروحي من الإسلام، والصراع بين الظلامية والتنوير مميزاً بين المطلق والنسبي، ومناقشاً مسألة احتكار الحقيقة من طرف على حساب آخر

أحدث ابن خلدون (١٣٣٢م- ١٤٠٦ م) نقلة نوعية في بحثه لحركة التاريخ وشروطها المادية بعيداً من تناقل الأخبار، ودوره في تأسيس علم العمران



