استهداف للأردن ونسيجه الوطني .. تحليل أسباب ودوافع الهجوم على كنيسة الروم الأرثوذكس في الكرك 

-+=

تعرضت كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك، يوم ٢٣ تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٢٦ إلى هجوم إجرامي سافر أثناء مراسم جنازة سيدة من أبناء القرية. استهدف الهجوم جموعاً من المشيعين الآمنين، وأسفر عن استشهاد تسعة أشخاص وإصابة العشرات.

وعلى وجه السرعة، ألقت الجهات الأمنية القبض على مرتكبي المجزرة البشعة وهم ثلاثة أشخاص ينتمون “للفكر التكفيري” (شقيقان وزوج شقيقتهما)، أحدهم سبق اعتقاله على قضايا إرهابية. والجناة من قرية مجاورة تبعد نحو ثلاثة كيلومترات عن قرية حمود، وهي منطقة تُعرف بوجود حاضنة لنسبة غير قليلة من أبنائها تدين بالتيار الديني المتشدد، والتي خرج منها مراقب عام لجماعة” الإخوان المسلمين” في مرحلة سابقة.

قرية “حمود”.. قلعة وطنية ورمز للتنوير والصلابة الفكرية

في المقابل، تُعد قرية حمود قرية مسيحية أصيلة تجذّرت في تربة الوطن، وأنجبت نخبة من الشخصيات الفكرية، والسياسية، والمناضلين البارزين الذين تركوا بصمات واضحة في تاريخ الأردن وفلسطين وحركة التحرر الوطني، ومنهم:

  • الأديب العربي الكبير غالب هلسة.
  • حنا هلسة شقيق غالب هلسة، من الشخصيات القيادية البارزة وأحد الكوادر الماركسية المؤسسة للحزب الشيوعي الأردني.
  • المناضلة الفلسطينية المعروفة تيريز هلسة.
  • القيادي الفلسطيني في الجبهة الشعبية شربل هلسة.

فضلاً عن ذلك، قدمت القرية عشرات المناضلين الشيوعيين واليساريين، وقدَّم أبناؤها التضحيات الجسام. ويقف في مقدمة شهداء هذا الحادث الأليم والجرحى رموز وطنية وفكرية ناضلت طويلاً، وفي مقدمتهم:

  • الرفيق الشهيد مروان الخيطان: عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأردني، الذي تحمّل في سبيل مبادئه معاناة السجن، والفصل من العمل، والملاحقات الأمنية القاسية.
  • الرفيق الشهيد د. عاصم برقان: الذي شارك بطولات المقاومة أثناء الاجتياح الصهيوني لبيروت عام 1982 ضمن متطوعي الحزب الشيوعي الأردني.
  • د. خالد هلسة (زوج الرفيقة د. شعلة عمارين).
  • د. محمد قسوس، الذي التحق بصفوف الحزب الشيوعي منذ بداياته الجامعية وبقيَّ أميناً لمبادئه الفكرية حتى شهادته.

خطورة الهدف والتوقيت.. أبعاد الرسالة السياسية

أخطر ما في هذه العملية الإجرامية ليس فقط حجم الخسائر البشرية الفادحة، بل طبيعة الهدف، والتوقيت، والرسالة التي تحملها:

١- ضرب النسيج الاجتماعي: استهداف دور العبادة (لأول مرة في تاريخ الاعتداءات الظلامية على الأردن) وتحديداً أثناء جنازة، يهدف بوضوح إلى تفكيك اللحمة الوطنية الأردنية وإدخال المجتمع في أتون مواجهة دينية طائفية لا تخدم سوى أصحاب الفكر التكفيري.

٢- ابتزاز الدولة الأردنية: هي رسالة سياسية موجهة لمؤسسات الدولة للضغط عليها بغية النيل من مواقفها، ومحاولة دفعها للاستجابة لشروط المشروع الإسرائيلي التوسعي المتعلق بفرض ما يُسمى “إسرائيل الكبرى” وسياسات التهجير.

٣- سؤال التوقيت الإقليمي: هل يمكن أن يكون استهداف “حمود” جزءاً من محاولة أوسع لإعادة تنشيط الخلايا التكفيرية والنائمة في المنطقة بالتزامن مع التحولات الكبرى في سوريا، والصراع الإقليمي المحتدم، وموقع الأردن الجغرافي والسياسي؟

السياق الإقليمي والدولي (لماذا الآن؟)

تتداخل خيوط الجريمة مع مشهد إقليمي ودولي بالغ التعقيد، يتلخص في عدة احتمالات ومحاور رئيسية:

١- استغلال المناخ السياسي الإقليمي: تشهد المنطقة صراعاً حاداً للهيمنة على مقدراتها ومصادر طاقتها وممراتها الدولية، وسط أزمة بنيوية متفاقمة في منظومة الهيمنة الرأسمالية العالمية وتراجع الأحادية القطبية لصالح حالة من التعددية. وتقع المنطقة العربية في قلب هذا الصراع كخاسر أول في سياق “إعادة هندسة الخرائط”. ويأتي هذا الاعتداء لخدمة وتمرير المشروع الإمبريالي – الصهيوني التوسعي، وتخفيف ردود الأفعال الدولية حول حرب الإبادة والتطهير العرقي في غزة والضفة، وخلق المناخات المواتية لتنفيذ مخططات التهجير.

٢- إخراج الكيان الصهيوني من أزمته: ثمة محاولات دؤوبة لإعادة الاعتبار لدور الكيان الصهيوني، عبر اختراق حاد ونقل الصراع إلى مواقع عربية جديدة وتحقيق انتصار ما لليمين المتطرف. بعد أن تخلت عنه أوساط واسعة ليس فقط من المجتمع الدولي الذي تعرض للتضليل، بل حتى من قيادات صهيونية بارزة عملت طويلاً من أجل حمايتها وتأمين المال لمواصلة دورها؛ فعلى سبيل المثال ما أعلنه (رونالد لاودر) رئيس المؤتمر اليهودي العالمي لصحيفة هآرتس الإسرائيلية في 22 تشرين الأول/ أكتوبر: “العالم كان يحمي إسرائيل واليوم انفض عنها ويراها بعد أن كانت إسرائيل ديمقراطية حقيقية أنها تحولت إلى جمهورية الموز”. وهو صديق لنتنياهو وقدَّم له الدعم المتواصل، ويؤكد بوجود سموتريش وبن غفير بأن “إسرائيل” هالكة، وأعلن عن بيع ممتلكاته في “إسرائيل” ولا نية له بالعودة إليها.

٣- تمكين الكيان الصهيوني كـ “وكيل إقليمي”: للإمبريالية الأميركية في إطار ما يُسمى “الشرق الأوسط الجديد”، وذلك بعد تمدده في الأراضي السورية كحصيلة للصفقة الإجرامية التي حصلوا عليها بعد حرب طائفية مذهبية استنزفت سوريا على مدار أربعة عشر عاماً، ومقاطعة اقتصادية لتجويعها وخضوعها لسياسة الأمر الواقع. لتتقاسمها كل من أميركا وتركيا والعدو الصهيوني، وكمقدمة لتصفية القضية الفلسطينية.

٤- ثوابت الأمن القومي الأميركي: تنطلق وثيقة الأمن القومي الأميركي من مركزية مطلقة لمفهوم “أمن إسرائيل” بوصفه ثابتاً لا يقبل المراجعة، بحيث تُخضع كافة قضايا الإقليم لخدمة التفوق العسكري النوعي الإسرائيلي ووظيفته الاستراتيجية.

٥- استثمار التيارات الظلامية: إعادة تدوير “الخلايا الجاهزة” المعبأة بالمدرسة “الظلامية” التي أُنشئت تاريخياً لمحاربة قوى التحرر، وراكمت خبراتها التدميرية في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا. وكان اليساريون والمسيحيون عامة دائماً هدفاً لهذه التنظيمات لترهيب المكونات المجتمعية وإثارة الفتن.

الرواية الرسمية وتعقيدات الموقف

شهدت التصريحات الرسمية الأولى حالة من الارتباك؛ فقد أعلنت الجهات الرسمية في البداية أن “تحديد الارتباطات الخارجية سابق لأوانه”، ثم صرّح وزير الداخلية لاحقاً بوجود “ارتباطات فكرية وتنظيمية”، وصولاً لإعلان القوات المسلحة الأردنية تنفيذ عملية «الردع الأردني – حمود» في ٢٦ تشرين الأول/ أكتوبر ضد مواقع لتنظيمات إرهابية في جنوب سوريا مرتبطة بمنفذي الهجوم.

هذا التطور الذي دفع القوات المسلحة للتحرك خارج الحدود يعبر عن وجود معلومات رسمية بخطورة ما يجري في الخاصرة الشمالية، وأن محاولات إخفاء الحقيقة اصطدمت بفداحة الخسائر التي فرضت تحركاً عسكرياً استباقياً في سوريا، وهو اعتراف ضمني بأن ما تشهده تلك الساحة يمثل خطراً استراتيجياً داهماً على الأمن الوطني الأردني، وأن تداعيات المشاركة في الترتيبات الإقليمية تمتد لترتد على الداخل الأردني بمخاطر حقيقية.

المعضلة الكبرى التي يعيشها الأردن تكمن في هذا التناقض البنيوي الحاد: الارتباط بتحالفات دولية (على رأسها الولايات المتحدة) بينما الحليف الأكبر لواشنطن (إسرائيل وجيش يميني متطرف) يعمل بوضوح على تقويض الدولة الأردنية وتفريغ القضية الفلسطينية عبر التهجير وطروحات “الوطن البديل”.

وفي ضوء التحذيرات الواضحة التي أطلقتها الجهات الرسمية عن أن (محاولات تهجير الفلسطينيين أو المساس بسيادة الأردن هي خط أحمر وإعلان حرب)، فإن المطلوب إستراتيجياً ووطنياً من الأردن للتعامل مع هذا الخطر المزدوج يتمثل في مسارات دقيقة ومتوازية ومن بينها الاستعداد لإلغاء اتفاقية وادي عربة:

١- تبني عقيدة “الاعتماد الذاتي” وتوسيع الخيارات الاستراتيجية

  • تنويع التحالفات الإقليمية والدولية: بما أن التحالف التقليدي مع واشنطن لا يمنع حلفاءها الإسرائيليين من التمادي، بات لزاماً على الأردن الخروج من إطار الاعتماد الأحادي، وتعزيز الشراكات الفاعلة مع قوى إقليمية ودولية أخرى (مثل الاتحاد الأوروبي، وروسيا، والصين، والدول العربية الكبرى) لكسر أي احتكار أميركي-إسرائيلي للقرار الأمني في المنطقة.
  • الندية في إدارة العلاقة مع الحليف الأميركي: إيصال رسائل حاسمة ومباشرة لصناع القرار في واشنطن بأن استقرار الأردن ليس “مستباحاً”، وأن الشراكة الاستراتيجية فقدت معناها بعد التشجيع الأميركي للحكومة الصهيونية بتهديد الأمن القومي الأردني أو الدفع نحو سيناريوهات التهجير القسري وإلغاء الاتفاقية العسكرية وترحيل القوات الأجنبية من البلاد.

٢- تحصين الجبهة الداخلية و”المناعة الوطنية”

  • ردم الهوة بين الرسمي والشعبي: إن أقوى درع يحمي الأردن في وجه المخططات الصهيونية هو التلاحم الحقيقي بين الدولة وشعبها. يتم ذلك عبر إطلاق الحريات العامة، وتمكين الأحزاب الوطنية، وإغلاق الباب نهائياً أمام أي سياسات تهميش، ليكون المواطن شريكاً حقيقياً ومدافعاً صلباً عن وطنه.
  • التصدي الحازم للخلايا والفكر الظلامي: استمرار اليقظة الأمنية المطلقة لمواجهة أي محاولات اختراق أو إرهاب داخلي (مثل خلايا التطرف التي تحاول استغلال الجغرافيا أو الأزمات الاقتصادية)، وإدراك أن حماية الجبهة الداخلية تبدأ بتجفيف منابع التوظيف الاستخباراتي الخارجي لهذه الجماعات.

٣- إستراتيجية الردع العسكري والميداني (العمق الشمالي)

  • التعامل مع الفراغ السوري كتهديد داهم: في ظل التغلغل الإسرائيلي في جنوب سوريا وتراجع سلطة الدولة المركزية هناك، يجب أن يمتلك الأردن أوراق ضغط ميدانية وأمنية لحماية حدوده الشمالية ومصادر مياهه، ومنع تحويل الجنوب السوري إلى قاعدة إطلاق لتنظيمات الإرهاب أو شبكات تهريب المخدرات والسلاح المنظمة المدعومة إقليمياً.
  • اعتبار التهجير “حرباً سافرة”: تحويل الرفض الأردني للتهجير من مجرد “موقف دبلوماسي” إلى خطة طوارئ شاملة (عسكرية وسياسية وشعبية) تتعامل مع أي محاولة إسرائيلية لكسر الحدود على أنها عمل حرب فعلي تتوجه له كل طاقات الدولة.

الخلاصة والتساؤلات الكبرى

١- كيف استفادت “إسرائيل” من القوى الظلامية والتنظيمات المتطرفة في سوريا؟

على مدى سنوات الصراع السوري، اتّبعت “إسرائيل” استراتيجية تعتمد على “الإنهاك المتبادل” وتفتيت القوى الوطنية:

  • إشغال الخصوم التقليديين: ساهم ظهور الجماعات التكفيرية والجهادية في استنزاف الجيش السوري وحلفائه، مما أضعف القدرات العسكرية والتسليحية للدولة السورية وشغلها بعيداً عن الجبهة مع الاحتلال الإسرائيلي.

٢ – هل الأردن معرَّض لنفس الأخطار التي تعرضت لها سوريا؟

رغم اختلاف الظروف في البلدين إلا أن الأهداف النهائية للجهات التي تدير الصراع واحدة. وقبل الإجابة الواضحة لا بد من قراءة موضوعية لخصائص البلدين:

  • أولاً: في هذا السياق، يجب التأكيد على حقيقة تاريخية: لقد كان الأردن – وما يزال – حليفاً لدول حلف “الناتو” بزعامة الولايات المتحدة الأميركية، ولم يغادر يوماً مربع هذا التحالف منذ نشأة الدولة، ومع ذلك، لم تشفع له هذه التحالفات، ولم توفر له أي حماية من الغدر الصهيو-أميركي، على الرغم من تلقي الأردن “تطمينات متكررة”، ليس من الدول الغربية فحسب، بل ومن الكيان الصهيوني نفسه، وذلك وفقاً لما وثَّقه المؤرخ “آفي شليم” في كتابه “أسد الأردن”، حيث كشف حينها عن تواطؤ أميركي – صهيوني صارخ ضد الأردن. وما يجري اليوم هو امتداد مباشر لذات النهج الغادر؛ فالأوهام التي سادت أعوام ١٩٦٦ – ١٩٦٧ هي ذاتها التي تُرَوَّج اليوم.
  • ثانياً: إن استهداف الأردن والضغط عليه وتهميش دوره، والعدوان المستمر على فلسطين ولبنان وإيران، يؤكد مجدداً أن التحالف مع واشنطن والعدو الصهيوني لا يخفي هذه الحقائق، ولن يحمي الأردن من مشروع التهجير، أو من مطامع الكيان التوسعية سوى متانة وصلابة الجبهة الداخلية، وإلّا فالتاريخ يُعيد نفسه لمن لا يستفيد من دروسه.
  • ثالثاً: لقد حظي الكيان الصهيوني بدعم وتسليح غير محدود من القوى الإمبريالية وعلى رأسها الولايات المتحدة، وتلقى – وما يزال – إمدادات عسكرية ولوجستية متواصلة لحربه العدوانية على غزة ولبنان وإيران، بينما لم يحظَ الأردن بأي دعم أميركي حقيقي يُمَكّنُه من حماية أراضيه أو “استعادة الضفة الغربية التي اُحتُلّت وهي جزء أساسي من تاريخ وسياق المنطقة”، بل إن هذه القوى الاستعمارية لم تتوانَ لحظة عن استغلال التناقضات الداخلية لممارسة الابتزاز السياسي وتفتيت النسيج الاجتماعي الأردني استكمالاً لمشروعها التوسعي.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

البرازيل: فوز لولا فرصة لخيارات متعددة

جاءت نتائج انتخابات البرازيل عكس ما تشتهي سفن ترامب نتانياهو، وشكلت صفعة لأحلامهما في إطباق الهيمنة على أميركا الجنوبية بعد تحقيقهما لإنجاز استراتيجي في كل

الحكومة الفرنسية في مرمى مطالب التلامذة المحقة .. فهل تلغي القمع ومعه سياسة التقشف؟

الدعوات إلى التحرك التي لم تقابل بالهدوء والتفهّم؛ بل، على العكس من ذلك، كان رد الحكومة على مطالبتها بوضع حد للتقصير أن عمدت إلى قمع الإضراب والتظاهرات بعنف لم يسبق له مثيل