محاولة لفهم غطرسة التهديدات الأميركية

رغم الطبيعة العنجهية والخطاب المتعالي المتغطرس للولايات المتحدة الأميركية خصوصاً في ظل الإدارة الحالية للرئيس ترامب وزمرته، ورغم ما نشهده من عدوان أميركي سافر يستهدف اليمن ويتم التلويح به تجاه إيران، إلا أنّ الإمبريالية الأميركية ربما أصبحت اليوم أقرب من أي وقت مضى لينطبق عليها بهذه الدرجة أو تلك التشبيه الشهير للزعيم الصيني ماو تسي تونغ بأنها “نمر من ورق”!

ونحن هنا لا ننطلق من الرغبات والتمنيات بهزيمة الإمبريالية الأميركية، وإنما نستند إلى ما أصبح يتشكّل على أرض الواقع من معطيات تكشف مقدار التراجع الأميركي في مختلف المجالات.

ونبدأ بالحقيقة الملموسة بأنّ الولايات المتحدة الأميركية لم تعد تحتل اليوم تلك المكانة التي كانت تتمتع بها بعد إسقاط التجربة الإشتراكية في الاتحاد السوفياتي وتفكيكه بداية تسعينات القرن العشرين عندما أصبحت القطب الإمبريالي الأوحد، الذي يهيمن على العالم، خصوصاً بعدما برزت الصين في السنوات الأخيرة كقوة اقتصادية متقدمة ذات وزن سياسي دولي وتماسكت روسيا واستعادت زمام المبادرة وعاودت حضورها المستقل على الصعيد الدولي، مع الانتباه إلى عدم تجاهل حقيقة أنّ الولايات المتحدة الأميركية رغم ذلك لا تزال تمثّل أكبر مركز إمبريالي يمتلك القوة والنفوذ في العالم، ولكن دون أن تنفرد بهما… وكمثال ملموس على ما نقول لم تعد واشنطن اليوم قادرة على التحكّم في قرارات مجلس الأمن الدولي واستخدامها بأريحية غطاءً لحروبها العدوانية، مثلما كانت تفعل في العقد الماضي.

ونضيف إلى هذا التراجع ذلك الشرخ العميق، الذي أصبح يفصل بين المركزين الإمبرياليين العالميين الحليفين الأميركي والأوروبي، ما يضعفهما معاً… وهذا ما بدأ يتضح في الخلاف بينهما تجاه أوكرانيا وتجاه حلف الناتو، وتجاه الرسوم الجمركية، التي تلوّح الإدارة الأميركية بزيادتها على السلع الأوروبية وردّ الاتحاد الأوروبي المتوقع عليها، وما تشهده العلاقات الأميركية – الكندية من توتر، وغير ذلك من تعارضات، بل تناقضات لا يمكن إخفاؤها داخل المعسكر الإمبريالي، الذي لم يعد موحداً ولا متماسكاً، رغم كونها تناقضات ثانوية وليست أساسية، مثلما هي التناقضات القائمة بين الإمبريالية والأطراف الأخرى.

وغير هذا، نجد أنّ الولايات المتحدة الأميركية قد فَقَدَت على نحو مشهود صدقيتها كحليف ضامن موثوق للأنظمة المرتبطة بها والتابعة لها، ويكفي أن نتذكر بعض الأمثلة من شاكلة الانسحاب الأميركي المذل من أفغانستان والتنصّل الأميركي من تقديم ضمانات أمنية لحكومة كييف عند توقف الحرب، هذا ناهيك عن الابتزاز الأميركي الصلف الذي تعرضت له الكويت على لسان وزير التجارة الأميركي، وعدم صدقية الولايات المتحدة كضامن لوقف إطلاق النار في لبنان، هذا بالإضافة إلى الشراكة المكشوفة للكيان الصهيوني في عدوانه الإجرامي على غزة وتجاهل جميع الالتزامات والعهود الأميركية بضمان صفقة وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى… وهنا يجب ألا نقلل من الأثر، الذي يتركه فقدان الصدقية على الأطراف المرتبطة بواشنطن والتابعة لها والمعتمدة عليها، خصوصاً مع الخطابات الاستفزازية والمنفلتة من عقالها لأشباه الساسة الأميركان في ظل الإدارة الحالية.

وبعد هذا، لا يمكن تجاهل تأثيرات أزمات الاقتصاد الأميركي بدءاً من الانعكاسات السلبية لنقل الشركات الكبرى إنتاجها إلى دول ذات تكاليف عمالة منخفضة، وما تسببت به في فقدان ملايين الفرص الوظيفية الصناعية في أميركا، وتراجع وزن الانتاج الحقيقي في الاقتصاد الأميركي لصالح المضاربات المالية والفقاعات، التي فجّرت أزمة ٢٠٠٨، والثقل المتزايد للدين العام على الاقتصاد الأميركي البالغ ٣٥ تريليون دولار في ظل فوائد سنوية تُقدر بتريليون دولار… والتحديات التي تواجهها الهيمنة الأميركية على ما يمكن تسميته “الثورة الرقمية” والذكاء الصناعي في ظل تنامي القدرة الصينية.

هذا الوضع الأميركي المأزوم هو المحرك الأول لما يمكن تسميته بـ “الترامبية”، التي هي خليط بين استخدام مقصود للشعبوية من جهة بكل ضجيجها وتهورها في الخطاب السياسي والإعلامي وبين محاولات هوجاء قد لا يكتب لها النجاح من جهة أخرى في إطلاق التهديدات والتلويح بإجراءات استثنائية وخطوات غير معتادة بهدف إعادة صياغة السياسات والهياكل الأميركية الداخلية والخارجية لمعالجة أزمات جدية ومعقدة يعانيها الاقتصاد الأميركي ويشكو منها المجتمع الأميركي وتؤثر سلباً على الإدارة الأميركية وعلى السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية وتفرض تراجع دورها العالمي.

باختصار، “الترامبية” هي محاولة يائسة لمنع تحوّل الإمبريالية الأميركية إلى نمر من ورق حقيقةً وليس تشبيهاً مجازياً… ولكن هذا النمر الإمبريالي الحقيقي أو الورقي لا يمكن أن يهزم من دون صمود ومقاومة.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

كان الله في عون أصحاب الدخول المتدنية

إنّ هذا التوجيه في حال تنفيذه يعني بالضرورة رفع أسعار السلع والخدمات العامة، التي تقدّمها الجهات الحكومية والشركات المملوكة لها، وهذا ما سيثقل كاهل المواطن والمقيم بأعباء معيشية مرهقة

جريمة صهيونية جديدة في جنين

تأتي الجريمة الصهيونية الجديدة اليوم بتفجير مربع سكني كامل في مخيم جنين بالضفة الغربية لتضاف إلى سجل جرائم الحرب، التي يقترفها الكيان الصهيوني الغاصب ضد