
حول العبادة المستجدة لحنة أرندت .. الشمولية وتحولاتها ١\٢
إن إعادة التفكير في مفهوم الشمولية تقتضي استعادة هذا التاريخ، لا بوصفه هامشًا، بل بوصفه شرطًا تأسيسيًا لفهم العنف السياسي في القرن العشرين
تُعدّ جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية من أخطر الجرائم المعاصرة التي تمسّ كرامة الإنسان وحقه في السلامة الجسدية. فقد تحوّل جسد الإنسان في بعض البيئات المضطربة اقتصادياً وسياسياً إلى سلعة تُباع وتُشترى ضمن شبكات منظمة عابرة للحدود. ومن الناحية القانونية، تجرّم معظم التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية هذه الممارسات باعتبارها شكلاً من أشكال الاتجار بالبشر وانتهاكاً صريحاً لحقوق الإنسان، كما تؤكد المواثيق الدولية الصادرة عن منظمات مثل منظمة الصحة العالمية وهيئات الأمم المتحدة على ضرورة تنظيم عمليات زرع الأعضاء ومنع استغلال الفقراء واللاجئين والضحايا في ظروف النزاعات والحروب. أما من الناحية الإنسانية والاجتماعية، فإن انتشار هذه الظاهرة يعكس اختلالاً عميقاً في البنية الاجتماعية، حيث تدفع الحاجة والفقر والبطالة بعض الأفراد إلى بيع جزء من أجسادهم من أجل البقاء. وتزداد خطورة الظاهرة عندما تتداخل مع الأزمات الاقتصادية وضعف الرقابة الصحية وانتشار الفساد، ما يخلق سوقاً سوداء تُدرّ أرباحاً هائلة على شبكات إجرامية منظمة. لذلك، فإن دراسة هذه الجريمة لا تقتصر على بعدها القانوني فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية وإنسانية ترتبط بكرامة الإنسان والعدالة الاجتماعية.
تشير الدراسات الدولية إلى أن تجارة الأعضاء البشرية أصبحت واحدة من أخطر أشكال الجريمة المنظمة العابرة للحدود. وقد ازداد نشاط هذه التجارة في مناطق النزاعات المسلحة نتيجة انهيار مؤسسات الدولة وانتشار الفقر والنزوح الجماعي.
وكلما ازدادت النزاعات المسلحة والحروب في أي منطقة في العالم وخاصة في منطقة الشرق الأوسط حالياً حيث الوضع الأمني والتهجير في العديد من الدول سيد الموقف حيث يهجر ويشرد مئات آلاف العائلات وبالتالي تخلق الظروف الملائمة لنشاط مافيات الاتجار بالأعضاء البشرية وكل الدلائل تشير إلى التحضير لهذا النشاط وعمليات الاتجار بالأعضاء البشرية بشكل سريع والاستفادة من الوضع الأمني ووضع المهجرين المأساوي. لذا لا بد من رفع الصوت عالياً والتحذير. والكشف عن مخططات مافيات الاتجار بالأعضاء البشرية ولو بشكل ملخص عن هذا الموضوع الدقيق والخطير.
كما تشير تقارير تقديرات المنظمات الدولية وتقارير المنظمات المالية الدولية إلى أن حجم سوق تجارة الأعضاء غير القانونية يتراوح بين ٨٤٠ مليون و١،٧مليار دولار سنوياً على مستوى العالم.
ويرتبط هذا السوق بوجود نقص عالمي كبير في الأعضاء المتاحة للزرع، حيث لا يتم توفير سوى أقل من ١٠٪من الحاجة العالمية للأعضاء.
لماذا تزدهر تجارة الأعضاء في مناطق النزاع؟
تشير الدراسات والتقارير إلى مجموعة من العوامل المشتركة:
١- انهيار مؤسسات الدولة والقانون.
٢- الفقر الشديد والبطالة.
٣- وجود أعداد كبيرة من اللاجئين والمهاجرين.
٤- النقص العالمي في الأعضاء للزرع.
٥- تورط شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
كما تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من ٨٠٪ من حالات الاتجار بالأعضاء لا يتم الإبلاغ عنها أصلاً بسبب طبيعة هذه الجرائم السرية.
أخطر خمس قضايا موثقة دولياً عن تجارة الأعضاء البشرية
يعتمد هذا القسم على قضايا حقيقية موثقة في القضاء الدولي أو تقارير المنظمات الدولية.
١- قضية عيادة ميديكوس – كوسوفو
تُعد هذه القضية من أشهر قضايا الاتجار بالأعضاء التي تم كشفها في أوروبا. ففي عام ٢٠٠٨ كشفت السلطات في كوسوفو شبكات تعمل داخل عيادة طبية خاصة في بريشتينا تقوم بإجراء عمليات زرع كلى غير قانونية عبر تجنيد متبرعين فقراء.
المتبرعون من: مولدوفا ٠ تركيا ٠ كازاخستان بينما كان المرضى من: كندا – ألمانيا- بولندا –”إسرائيل”.
آلية العملية
١- يجند وسطاء المتبرعين الفقراء.
٢- يتم نقلهم إلى كوسوفو بتأشيرات سياحية.
٣- تجرى عملية زرع الكلى في العيادة الخاصة.
٤- يغادر المتلقي فوراً إلى بلده.
بالأرقام: المتبرع– يحصل على ٥٠٠٠-١٠٠٠٠ دولار المريض – يدفع ٨٠٠٠٠ – ١٢٠٠٠٠ دولار.
النتائج القضائية
في عام 2013 حكمت محكمة كوسوفو على عدة أطباء ومسؤولين بالسجن.
(المرجع: Council of Europe Report on Organ Trafficking 2001)
٢- قضية “البيت الأصفر “- ألبانيا وكوسوفو
تتعلق هذه القضية باتهامات خطيرة ظهرت بعد حرب كوسوفو ١٩٩٩.
الوقائع: وردت تقارير عن نقل أسرى صرب إلى منزل ريفي في شمال ألبانيا يعرف باسم “البيت الأصفر” حيث يشتبه في إزالة أعضائهم.
الأدلة: ذكر المدعي العام السابق للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة كارلا ديل بونتي هذه القضية في كتابها.
التحقيقات
قام مجلس أوروبا عام ٢٠١١ بإجراء تحقيق رسمي حول هذه القضية.
المرجع Council of Europe Parliamentary Assembly Report (Dick Marty Report)
٣- قضية ليفي روزنبوم (شبكة الاتجار بالأعضاء في الولايات المتحدة)
في عام ٢٠٠٩ كشفت السلطات الأميركية شبكة دولية لبيع الكلى يقودها الوسيط الإسرائيلي – الأميركي Levy Izhak Rosenbaum.
الوقائع
كان الوسيط يجند متبرعين فقراء من وأوروبا الشرقية ويبيع الأعضاء لمرضى أميركيين.
الأسعار: المتبرع – ١٠٠٠٠ دولار المريض – حتى ١٦٠٠٠٠ دولار .
الحكم القضائي: حكم على الجاني عام ٢٠١٢ بالسجن.
(المرجع (U.S. Federal Court Records
٤- شبكات تجارة الأعضاء بين اللاجئين السوريين
بعد الحرب السورية ظهرت عدة تحقيقات صحفية ومنظمات إنسانية حول استغلال اللاجئين السوريين.
أماكن النشاط: تركيا – لبنان – مصر
الآلية: يقوم الوسطاء بتجنيد اللاجئين الفقراء لبيع الكلى مقابل مبالغ صغيرة.
الأسعار: المتبرع :٣٠٠٠ -١٠٠٠٠ دولار – المريض ٧٠٠٠٠- ١٢٠٠٠٠ دولار.
(المرجع. (Investigative Reports by BBC and The Guardian
٥- شبكات (أوروبا الشرقية) مولدوفا – أوكرانيا
كشفت تقارير الشرطة الأوروبية عن شبكات تستهدف الفقراء في أوروبا الشرقية.
آلية العمل:
• تجنيد متبرعين من القرى الفقيرة.
• نقلهم إلى دول أخرى لإجراء عمليات الزرع.
• استخدام وثائق طبية مزورة.
الأسعار: المتبرع ٥٠٠٠-١٥٠٠٠ المريض حتى ١٥٠٠٠٠ دولار.
(المرجع: Europol – Organized Crime Reports )
تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن:
• حوالي ١٠٪ من عمليات زرع الأعضاء في العالم مرتبطة بالسوق السوداء.
• يتم تنفيذ نحو ١٠ آلاف عملية زرع غير قانونية سنوياً.
(المرجع: World Health Organization – Global Observatory on Donation and Transplantation)
تمثل مناطق النزاعات المسلحة في الشرق الأوسط بيئة خصبة لنشاط شبكات الاتجار بالأعضاء البشرية، نتيجة انهيار مؤسسات الدولة، وانتشار الفقر والنزوح الجماعي. وتشير دراسات القانون الدولي وتقارير المنظمات الإنسانية إلى أن مخيمات اللاجئين ومناطق الحرب أصبحت نقاط استقطاب رئيسية لشبكات الاتجار بالأعضاء.
وقد تركزت هذه الشبكات في عدة مناطق رئيسية منذ عام ٢٠٠٣، خاصة في العراق وسوريا وليبيا ولبنان وأوكرانيا.
أولاً: سوريا ٢٠١١ – ٢٠٢٤
أدت الحرب السورية إلى نزوح ملايين الأشخاص، ما جعل اللاجئين هدفاً لشبكات الاتجار بالأعضاء.
أهم المؤشرات
• تقديرات طبية سورية تشير إلى وقوع نحو ٢٠ ألف عملية بيع أعضاء منذ بداية الحرب السورية.
• بعض التقديرات تحدثت عن إزالة أعضاء من نحو ١٨ ألف شخص خلال السنوات الأولى من الحرب.
الأسعار التقريبية
• الكلية في تركيا: حوالي ١٠ آلاف دولار.
• الكلية في لبنان أو سوريا: حوالي ٣٠٠٠ دولار.
• القرنية: قد تصل إلى ٧٥٠٠ دولار في السوق السوداء.
مناطق النشاط
• الحدود السورية – التركية.
• مخيمات اللاجئين في لبنان.
• مناطق شمال سوريا الخارجة عن سيطرة الدولة.
ثانياً: العراق٢٠٠٣ – ٢٠٢٤
مع تدهور الوضع الاقتصادي والأمني بعد الغزو الأميركي عام ٢٠٠٣ للعراق ظهرت سوق سوداء لبيع الأعضاء البشرية.
أبرز المؤشرات
• انتشار عمليات بيع الكلى في بعض المدن الفقيرة مثل بغداد والبصرة.
• يحصل البائع غالباً على ٣٠٠٠ إلى ٧٠٠٠ دولار مقابل الكلية.
العوامل المساعدة: الفقر- والبطالة -ضعف الرقابة الصحية -وجود شبكات إجرامية عابرة للحدود.
كما تشير تقارير أمنية إلى تورط شبكات تهريب مرتبطة بالاتجار بالبشر في عمليات نقل المتبرعين إلى دول أخرى لإجراء عمليات الزرع.
ثالثاً: لبنان ٢٠١١-٢٠٢٤
مع تدفق اللاجئين السوريين إلى لبنان أصبح البلد أحد مراكز نشاط شبكات الاتجار بالأعضاء البشرية.
المؤشرات:
• وجود أكثر من ١،٥ مليون لاجئ سوري في لبنان.
• حوالي ٧٠٪ من اللاجئين يعيشون تحت خط الفقر، ما يجعلهم عرضة للاستغلال.
نماذج من السوق السوداء
• بعض الوسطاء أكدوا أنهم نظموا عشرات عمليات بيع الأعضاء للاجئين خلال سنوات قليلة.
• في بعض الحالات يحصل البائع على ٥٠٠٠ دولار أو أقل مقابل الكلية.
مسارات التهريب:
• لبنان → تركيا
• لبنان → مصر
رابعاً: ليبيا ٢٠١١-٢٠٢٤
بعد سقوط الدولة الليبية عام ٢٠١١ أصبحت ليبيا مركزاً رئيسياً للهجرة غير الشرعية نحو أوروبا.
المؤشرات
• وجود مئات آلاف المهاجرين الأفارقة في مراكز احتجاز غير رسمية.
• تقارير دولية تشير إلى تعرض بعض المهاجرين لجرائم الاتجار بالبشر، بما فيها الاشتباه في تجارة الأعضاء.
نمط الشبكات
١- استهداف المهاجرين غير النظاميين.
٢- نقل الضحايا إلى عيادات سرية.
٣- تهريب الأعضاء البشرية إلى أوروبا
خامساً: أوكرانيا ٢٠١٤-٢٠٢٤
مع اندلاع الحرب في شرق أوكرانيا عام ٢٠١٤ ثم الحرب الروسية – الأوكرانية عام ٢٠٢٢ ظهرت تقارير عن شبكات الاتجار بالأعضاء البشرية. ثم بعد دخول روسيا إلى بعض المناطق في أوكرانيا اكتشف عشرات المراكز الطبية والمستشفيات التي تعاطت مع سوق بيع الأعضاء البشرية بما فيها في الوحدات العسكرية وبعض مراكز في وزارة الصحة. ملفات كبيرة جداً يصعب علينا الإحاطة بها حالياً.
العوامل المساعدة
• الفقر في بعض المناطق الشرقية.
• وجود جرحى حرب وأسرى.
• ضعف الرقابة الطبية خلال النزاعات.
كما تحدثت تقارير أمنية عن تفكيك عدة شبكات اتجار بالأعضاء خلال السنوات الأخيرة.
على القوى الشعبية والتقدمية الدفاع عن حقوق المظلومين ورفع الصوت عالياً بوجه الظلم والحفاظ على حقوق الإنسان والعيش بكرامة وحماية الفقراء من هذه الجريمة البشعة وسد حاجات الفقراء والمظلومين والحؤول دون اللجوء إلى بيع أعضائهم.
استغلال شبكات الجريمة المنظمة الأوضاع الإنسانية الصعبة للاجئين والمهاجرين والنازحين لتجنيد ضحايا يوافقون على بيع أعضائهم مقابل مبالغ مالية محدودة، بينما يتم بيع هذه الأعضاء بأسعار جداً مرتفعة للمرضى في دول أخرى.
تشير تقارير دولية إلى أن السوق السوداء للأعضاء أصبحت جزءاً من الاقتصاد الإجرامي العالمي المرتبط بالاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية والفساد الطبي.
إن الاتجار بالأعضاء البشرية ليس مجرد جريمة جنائية تقليدية، بل هو انعكاس لأزمات اقتصادية واجتماعية عميقة تضرب المجتمعات التي تعاني من الفقر والنزاعات وضعف مؤسسات الدولة. حماية الإنسان من هذا الاستغلال تتطلب تشريعات صارمة، ورقابة صحية فعّالة، وتعاوناً دولياً لملاحقة الشبكات الإجرامية، إضافة إلى سياسات تنموية تقلّل من الفقر والهشاشة الاجتماعية. وفي النهاية، يبقى المبدأ الأساسي الذي يجب أن يحكم هذا الملف هو أن جسد الإنسان ليس سلعة في سوق سوداء، بل قيمة إنسانية مصونة يجب حمايتها بالقانون.
أهم المراجع على الإنترنت
دكتور في هندسة الطاقة، أستاذ جامعي من لبنان لديه العديد من الدراسات والأبحاث في اختصاصه وفي المجال الاقتصادي العام.

إن إعادة التفكير في مفهوم الشمولية تقتضي استعادة هذا التاريخ، لا بوصفه هامشًا، بل بوصفه شرطًا تأسيسيًا لفهم العنف السياسي في القرن العشرين

ربما يكون استحضار بعض المواقف الصينية في معالجتها لشؤونها الداخلية، يُساعد في فهم المنطق الصيني في معالجة الأمور ومنها دورها وحضورها وعلاقتها مع العالم الخارجي.

مجلة «تقدُّم» ليست مجرد محتوى يتناول السياسة والثقافة والفكر وقضايا الساعة وشؤون الوطن، بل هي تعبير عن إفرازات ثرية لمسيرة الكويت الديمقراطية التي ترسخت عبر تاريخ الكويت

في عالم تُدار فيه القوة بمنطق العبودية الحديثة خلف الشاشات والأنظمة، كيف يمكن للجماهير أن يضمنوا أن صوتهم ما زال مؤثراً، وأن المشاهدة لا تتحول إلى استسلام كامل لسلطة الضجيج؟



