القمة الصينية – الأميركية: ما بين فخ ثوسيديدس ومضيق تايوان

-+=

شهدت بكين في الآونة الأخيرة حراكاً دبلوماسياً مكثفاً جعل منها مركز ثقل للزيارات الدولية من مختلف الأقطاب العالمية. وفي غمرة هذه اللقاءات، برزت القدرة الصينية على هندسة نتائج المحادثات وتوجيهها لتخدم بوصلتها الخاصة لا تطلعات زائريها، وهو الترتيب ذاته الذي خضعت له القمة التاريخية بين الصين والولايات المتحدة.

القمة الصينية – الأميركية، التي عُقدت متأخرة عن موعدها المحدد بشهر كامل، مثّلت للمستويين السياسي والانتخابي في واشنطن طوق نجاة؛ إذ طمحت الإدارة الأميركية أن تشكل المخرج الاستراتيجي المأمول من مأزقها المتفاقم في الشرق الأوسط، والورقة الرابحة الأقوى في معركة الانتخابات الرئاسية النصفية المقبلة. وفي المقابل، كان لبكين حسابات مغايرة تماماً عن منطق الصفقات المالية السريعة والعابرة التي يبرع فيها ترامب. فمنذ الجلسة الأولى على طاولة المفاوضات، رسم الرئيس الصيني شي جين بينغ المسار الحتمي والمؤطر للقمة، ممهداً للحوار بتساؤل فلسفي وسياسي عميق: هل بمقدور الصين والولايات المتحدة تجاوز “فخ ثوسيديدس” وصياغة نموذج غير مسبوق للعلاقات بين القوى الكبرى؟

من خلال طرح الرئيس الصيني لهذا المفهوم التاريخي، مررت بكين رسالة بالغة الدلالة، مفادها أن الصين تقرأ المشهد الدولي الراهن من منظور يرى الولايات المتحدة قوة في طور التراجع، مقابل صعود صيني كقوة ناهضة تقود عالم اليوم. وبناءً على ذلك، وتفادياً لانزلاق الطرفين نحو المسار الكارثي والمتمثل في المواجهة الحتمية ــ كما ينذر به فخ ثوسيديدس ــ طرحت الصين بديلًا يتجلى في الحفاظ على التوازن الدولي عبر تخطي التوترات المتصاعدة، وتغليب المصالح الاستراتيجية العليا، وإرساء دعائم “التعاون المشترك” بدلاً من الصدام؛ غير أن هذا الطرح الصيني مشروط ببنود صارمة، ينص أولها وأهمها على تصحيح واشنطن لمسار تعاطيها مع الملف التايواني. وإثر هذا التمهيد الدبلوماسي الداعي لإقامة علاقات متوازنة وسلمية، انتقل الرئيس الصيني بحدة إلى لغة التحذير الصارم، معلناً أن “استقلال تايوان والسلام في مضيق تايوان أمران متناقضان تماماً كالنار والماء”، ليضع بذلك الجانب الأميركي أمام سقف تفاوضي مرتفع يتطلب حلحلة العقدة التايوانية أولاً كشرط أساسي لفتح باب النقاش في الملفات الجزئية الأخرى، باعتبار أن قضية تايوان تمثل بالنسبة لبكين مبدأً سيادياً ثابتاً لا يقبل المساومة أو التنازل.

استوعب الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأبعاد العميقة للرسالة التي بعث بها الرئيس “شي”، وهو ما تجلى لاحقاً في تصريحاته حين أشار إلى أن الرئيس الصيني ألمح “بأناقة شديدة” إلى أن الولايات المتحدة قد تكون دولة في طور التراجع، معرباً عن اتفاقه مع هذا التقييم، لكنه سارع إلى ربط هذا التراجع بالماضي؛ مؤكداً أن هذا المشهد السلبي قد تبدّل جذرياً منذ عودته إلى البيت الأبيض قبل عامين، لتصبح الولايات المتحدة الآن – حسب وصفه ــ الدولة الأكثر ازدهاراً وقوة على مستوى العالم.

وعلى الصعيد الاقتصادي، لم تشهد القمة والتحضيرات المكثفة التي سبقتها توقيع أي اتفاقيات تجارية علنية ملموسة؛ ورغم مسارعة ترامب للإعلان الحماسي عن “صفقات تجارية رائعة ومثمرة للطرفين”، والترويج لرغبة بكين في ضخ استثمارات بمئات المليارات بالتعاون مع قطاع الأعمال الأميركي، إلا أن الصيغة النهائية لهذه التفاهمات جاءت فضفاضة ومقيدة بالعموميات، وسط غياب تام للتفاصيل الرقمية الدقيقة، حيث خلت البيانات الرسمية الصادرة عن الجانبين من أي قيم فعلية للعقود؛ مما يفرغها من محتواها الإلزامي ويجعلها مجرد خطوط عريضة تمنح مفاوضي الطرفين مرونة كاملة لتنفيذها لاحقاً أو التحلل منها بكل سهولة.

لقد تطلع الجانب الصيني إلى وضع النقاط على الحروف، وإنهاء الحقبة التي ظلت فيها قضية تايوان ورقة ضغط سياسية توظفها واشنطن وفق مصالحها. ومن هذا المنطلق، رسمت بكين منذ البداية المسار الوحيد لنجاح القمة وتأسيس مرحلة جديدة؛ مفاده أنه إذا أرادت الإدارة الأميركية الخروج بمكاسب ملموسة، فإن عليها مراجعة صفقة الأسلحة المقررة لتايوان والبالغة قيمتها 14 مليار دولار.

يضع هذا الشرط الصيني الرئيس ترامب اليوم أمام معضلة؛ فإما الخروج بصفقة كبرى ورابحة مع الصين مقابل التخلي عن دعم تايوان عسكرياً، أو الإصرار على نهج المجابهة وإتمام صفقة التسليح، وهو ما سيجابه برادع صيني حاسم هذه المرة. ويستند هذا التوقع بناءً على مواقف وأحداث قريبة؛ فعندما وقع ترامب الصفقة العسكرية السابقة أواخر عام 2025 بقيمة 11 مليار دولار، اتخذت بكين خطوة تصعيدية غير مسبوقة عبر تنفيذ مناورات عسكرية بالذخيرة الحية استمرت يومين كاملين في منطقة المضيق، أعقبها تحذير صارم وجهه الرئيس “شي” في اتصال هاتفي جرى في فبراير 2026 مع ترامب، شدد فيه على أن ملف تايوان يمثل “الخط الأحمر الأشد خطورة وحساسية” في مسار العلاقات الثنائية. ومن ثم، جاءت هذه القمة ليعيد من خلالها الرئيس الصيني تأكيد فحوى ذلك التحذير، مع تنبيه واشنطن بشكل قاطع إلى أن تجاهل الرسائل الصينية قد يجر القوتين نحو مواجهة مباشرة ومدمرة لمصالح الطرفين.

بناءً على المعطيات السابقة، يمكن قراءة النتائج المرتقبة للقمة من خلال طبيعة السلوك الذي ستتبناه الإدارة الأميركية أمام الخيارات الحاسمة التي فرضتها بكين؛ حيث تتبلور آفاق المرحلة المقبلة ضمن مسارين محددين:

  • المسار الأول (الإلغاء الكامل): يتجسد في تراجع ترامب الشامل عن صفقة الأسلحة المقررة لتايوان؛ لا سيما وأنه قدّم بالفعل دعوة رسمية للرئيس “شي” لزيارة الولايات المتحدة في سبتمبر من هذا العام، مما قد يدفعه لاتخاذ قرار بإلغاء الصفقة لضمان إتمام الزيارة وتفادي انهيار التفاهمات المبكرة.
  • المسار الثاني (الخفض التدريجي): يتمثل في سيناريو بديل حال تعذر الإلغاء الكلي، حيث قد يلجأ ترامب إلى خفض قيمة ونوعية الصفقة الحالية لتكون دون مستويات صفقة أواخر العام الماضي؛ وفي هذا السلوك رسالة دبلوماسية لبكين تفيد بعودة واشنطن للالتزام ببنود بيان عام 1982 المشترك، والذي يقضي بتقليص الدعم العسكري لتايوان تدريجياً تمهيداً لتسوية سلمية.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

قمة بكين: تباين النموذجين بين الهيمنة الأحادية وشراكة الحزام والطريق

تتضمن المبادرة إطاراً شاملاً يُعرف بـ “الممرات الستة والطرق الستة وبلدان وموانئ متعددة”. هذا الإطار يدمج بين الممرات الاقتصادية البرية وشبكات النقل المختلفة ويربطها عبر سلسلة من الموانئ العالمية

التصدي للطائفية والقبلية والعنصرية: محاولة للفهم… والمشروع الوطني البديل

بعيداً عن تكرار الخطاب التقليدي الوعظي الناصح  بتجنّب الطائفية والقبلية والعنصرية، التي ابتليت بها مجتمعات عديدة، وبينها مجتمعاتنا العربية، بما فيها مجتمعنا الكويتي، فإنّ الأهم

الحرب: محاولة تحليلية ونظرة استشرافية

من الطبيعي أن يتركز اهتمام الرأي العام الشعبي في بلدان الخليج العربية تجاه الحرب المشتعلة في المنطقة على المشهد المباشر المتصل بما تتعرض له هذه