الشيوعي الصيني في ذكرى تأسيسه .. الالتزام بالماركسية وبناء دولة اشتراكية

-+=

أكبر حزب في العالم اليوم والموجه الرئيسي لنهضة أمة خاضت مسيرة طويلة للانعتاق من تداعيات ما يُعرف تاريخياً بـ “قرن الإذلال” على يد القوى الاستعمارية. إذ انبثق من صميم الحركة الشعبية وحمل تطلعاتها الحقيقية مقدماً نموذجاً فريداً من نوعه ميزه عن الأحزاب التي تبنت ذات المرجعية الفكرية لكنها تباينت عنها في آليات التطبيق والممارسة على أرض الواقع.

في خطابه بمناسبة الذكرى الخامسة بعد المائة لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني، أشار الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى أنّ ولادة الحزب الشيوعي الصيني كانت نتاجاً طبيعياً للالتحام العضوي بين النظرية الماركسية – اللينينية والحركة العمالية الوطنية، “ومنذ ذلك الحين، وجد الشعب الصيني والأمة الصينية سنداً معتمداً، وبدأت الصين، التي كانت تعاني من الاضطرابات الداخلية والتهديدات الخارجية والفقر والضعف، تحولات تاريخية هائلة.”

لقد تعددت القراءات التحليلية لخطاب الرئيس الصيني، ولكن برأيي فإنّ الجانب الهام الذي أراه حاضراً دائماً وبقوة في رؤية الرئيس يتمثل في بعدين أساسيين؛ أولهما: إعادة تقييم الدور الوظيفي للنظرية الماركسية كمرجعية معرفية أسست لوجود الحزب، واختبار مدى حيويتها وقابليتها للاستمرار في البيئة المعاصرة. وثانيهما: الحسم الاستراتيجي لدى قيادة الحزب الشيوعي الصيني بشأن المآلات النهائية لمسار التطور الوطني؛ إذ يمثل وضوح الغايات تقييماً لمسار المرحلة الراهنة.

فمن إشارته الأولى لتبني الحركة العمالية لفكر الماركسية – اللينينية إلى إشارته التالية بأن الحيوية الجبارة للماركسية التي اعتمدها الحزب خلال نضاله الدؤوب على مدار مائة وخمسة أعوام. مبيناً أن الحزب قد أنشأ توليفة خلاقة “بين المبادئ الأساسية للماركسية والواقع الملموس للصين من جهة، ومع الثقافة الصينية التقليدية العريقة من جهة أخرى، مواصلاً دفع مَأْسَسَة الماركسية وإضفاء الطابع الصيني والعصري عليها”. 

التعامل مع النظرية بوصفها قابلة للحياة خارج سياقاتها النصية التي انطلقت منها سمح للحزب الشيوعي الصيني بإثرائها من خلال صيننتها متجاوزاً بذلك المقاربات التي تختزل النظرية في قوالب جامدة لا تقبل القياس. وضمن هذا المنظور التقييمي، يخلص الرئيس الصيني إلى أن الحيوية المتدفقة والنشاط المتجدد لقضية الاشتراكية ذات الخصائص الصينية يبرهنان بشكل قاطع على علمية الماركسية وحقيقتها، ويظهران بجلاء طابعها الشعبي والعملي، ويعكسان بوضوح انفتاحها ومواكبتها للعصر”.

تُسهم القراءة الجدلية للماركسية في رسم معالم مسار استراتيجي محدد وواضح المعالم تتبعه قيادة الحزب في دفع قاطرة التنمية الوطنية؛ ومن هذا المنطلق، يؤكد الرئيس الصيني أن الدولة تمر حالياً بـ “مرحلة بناء دولة اشتراكية حديثة على نحو شامل”. ولتجاوز هلامية الخطط المفتوحة، تضع القيادة السياسية هذا المسار الصاعد ضمن مصفوفة زمنية حاسمة تتوَّج بحلول منتصف القرن الحالي، حيث يتجسد المستهدف النهائي في “بناء الصين كدولة اشتراكية حديثة عظيمة في جميع الجوانب، وتحقيق هدف المئوية الثانية”.

وتكشف القراءة التتبعية للمشروع التنموي الصيني عن ترابط عضوي بين المحطات الزمنية؛ ففي الأمس القريب، أعلن الحزب الشيوعي الصيني نجاحه الحاسم في إنجاز هدف المئوية الأولى المتمثل في “بناء مجتمع رغيد الحياة على نحو شامل والقضاء على الفقر المدقع” بالتزامن مع مئوية التأسيس عام 2021. وفي الامتداد الطبيعي لهذه الاستراتيجية المتكاملة، تتجه الدولة اليوم بكل ثقلها المؤسسي نحو استكمال الشطر الثاني من معادلة النهضة بحلول عام 2049؛ وهو الأفق الزمني الذي يتقاطع بنيوياً مع الذكرى المئوية لتأسيس جمهورية الصين الشعبية.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

حرب الخليج: عود على بدء

من المجدي أحياناً أن تعرف من أين بدأت حتى تعرف أين تقف حالياً وما هي الوجهة المستقبلية، فاﻷهداف الأميركية حين اندﻻع الحرب كانت إسقاط النظام

الكشف الرسمي عن شبكات البنتاغون البيولوجية من مدينة تبليسي (جورجيا) إلى خاركوف (أوكرانيا)

في أربع شرائح، أقر البيت الأبيض، فعلياً، بوجود شبكة واسعة من المختبرات البيولوجية في الجمهوريات السوفياتية السابقة التي ضخت واشنطن فيها التمويل والتكنولوجيا والكوادر لعقود من الزمن. تنص الوثيقة صراحة على أن أكثر من 40 مختبراً يعمل في أوكرانيا وان البنتاغون موّل بناء وتجهيز تلك المختبرات وان المقاول العام الرئيسي كان شركة “بلاك آند فيتش” الشريك القديم لوزارة الدفاع الأميركية في البرامج البيولوجية العسكرية

اعتراف الكيان الصهيوني بإقليم أرض الصومال الانفصالي: قراءة في مجريات الزيارة التطبيعية

منذ أن أعلن إقليم أرض الصومال الانفصالي انفصاله عن الصومال في مايو/أيار 1991، وهو يسعى لانتزاع اعتراف دولي بالأراضي الواقعة تحت سيطرته. وعلى الرغم من كونه دولة قائمة بحكم الواقع منذ سنوات، فقد ظل محروماً من أي اعتراف رسمي على المستوى الدولي حتى عهد قريب، عندما غدا الكيان الصهيوني كأول من يمنح إقليم أرض الصومال الانفصالي اعترافاً رسمياً بوصفه دولة مستقلة