ثورة ١٤ تموز/ يوليو ١٩٥٨.. ذكرى التحول الكبير في العراق

-+=

تحل هذه الأيام الذكرى الثامنة والستون لثورة الرابع عشر من تموز/ يوليو 1958 المجيدة، الثورة التي أحدثت تغييرات عميقة في المجتمع العراقي، وحققت إنجازات سياسية واقتصادية واجتماعية كبرى، ما يزال يتردد صداها وتأثيرها إلى يومنا الحاضر.

فالثورة منذ البداية انحازت إلى الشعب وكادحيه، من العمال والفلاحين وسائر شغيلة اليد والفكر، وأنقذت البلاد من كابوس نظام رجعي متخلف تابع إلى الاستعمار البريطاني الذي كان يهيمن على مفاصل الحياة كافة.

وثورة 14 تموز / يوليو هي من أبرز المحطات السياسية والاجتماعية في تاريخ العراق الحديث، وفتحت مرحلة جديدة حملت معها آمال التغيير والتحرر الوطني، ونيل الاستقلال السياسي والاقتصادي الكاملين، وتحقيق العدالة الاجتماعية.

لقد كانت ثورة 14 تموز / يوليو بحق ثورة شعبية أصيلة، وليس انقلاباً عسكرياً، رغم أن الشرارات الأولى أطلقها الجيش العراقي عبر تنظيم “الضباط الأحرار”. فقد قوبلت بفرح وتأييد واسعين من قبل الشعب العراقي، وهذا لم يكن بمعزل عن التراكم النضالي للشعب العراقي و”جبهة الاتحاد الوطني”، وبضمنها الحزب الشيوعي العراقي.

لم تكن ثورة 14 تموز/ يوليو حدثاً عابراً أو رد فعل انتقامي أو إرادوي لحفنة من الثوار، بل جاءت كضرورة موضوعية وحاجة ملحة أملتها الظروف الصعبة آنذاك، وهيمنة أقلية حاكمة مستبدة، ربطت العراق بالأحلاف العسكرية والتبعية للاستعمار، وانتهجت سياسة معادية لشعبنا ولشعوب المنطقة.

وفي كل عام، ومع حلول الذكرى، تنطلق أصوات مشككة بالمشروعية التاريخية للثورة، وهذه الأصوات تعتقد بأن العراق كان يمكن أن يتطور، سلمياً، من دون هزة ثورية كبرى كما فعل الجيش والشعب. وتنسى أو تتناسى حقائق الوضع آنذاك، وأن الأقلية الحاكمة المستبدة، بممارستها للقمع والاضطهاد للمعارضة الوطنية وتزييف الانتخابات والتلاعب بها، واستخدامها العنف على نطاق واسع بما فيها الإعدامات والنفي وإسقاط الجنسية وتماديها في ذلك، قد أغلقت الباب أمام فرص التطور الديمقراطي السلمي، وباتت تشكل حجر عثرة أمام التغيير المطلوب والمرتجى في المجالات المختلفة.

جاءت الثورة في ظرف إقليمي ودولي بالغ التعقيد والاستقطاب، حيث كانت المنطقة تعيش موجة صعود الحركات القومية والتحررية، وفي وقت تصاعد فيه الرفض الشعبي للنفوذ الأجنبي والاستعمار وللأحلاف العسكرية المرتبطة به.

وشهد العراق بعد ثورة ١٤ تموز / يوليو سلسلة من الانجازات المهمة والكبرى كان من بينها: الانسحاب من حلف بغداد، وتشريع قوانين هدفت إلى تحسين أوضاع المواطنين والكادحين، وتوسيع فرص التعليم والخدمات، والإقدام على تعزيز الوحدة الوطنية والهوية العراقية الجامعة، والخلاص من التدخلات والنفوذ الأجنبي في شؤون بلدنا. وشرّعت قانون الإصلاح الزراعي. كما أصدرت حكومة الثورة قانون الأحوال الشخصية رقم (188) لسنة 1959، وكذلك القانون رقم (80) لسنة 1961 الذي حرر 99,5% من الأراضي العراقية التي كانت خاضعة لشركات النفط الاحتكارية. كما قامت ببناء المدن والدور واطئة الكلفة ووزعتها على ذوي الدخل المحدود.

ورغم ما تحقق واُنجز، ولأن الثورة قد تحدت وكسرت الطوق و”تمرد الحصان الجامح”، فقد تكالبت قوى عدة، داخلية وخارجية على الثورة، وبدأ التآمر عليها منذ الساعات الأولى. وقد نجح أعداء العراق والديمقراطية، في الداخل والخارج، في وأد الثورة في انقلاب 8 شباط/ فبراير 1963 الأسود. ولم يكن ذلك أيضاً بمعزل عن أخطاء وهفوات سلطة الثورة.

ومهّد ذلك الانقلاب الطريق لسلسلة من الانقلابات والتراجعات، اكتملت في النظام الدكتاتوري المقبور، وما ارتكبه من جرائم بحق شعبنا وشعوب البلدان العربية، وما شنّه من حروب داخلية وخارجية، أنهكت البلاد وفرضت عليها قيوداً ثقيلة وحصاراً جائراً على الشعب. وكلف كل ذلك كثيراً من الأرواح والأموال والممتلكات، والعودة ببلادنا سنوات كثيرة إلى الوراء.

إذ نتوقف عند ذكرى هذا الحدث الكبير في حياة العراقيين، ما أحوجنا اليوم إلى استلهام العبر والدروس منه، وفي المقدمة أهمية الوحدة الوطنية والتلاحم المجتمعي واستنهاض طاقات الشعب وقواه الخيرة من أجل إزاحة الكابوس الجاثم الآن على الرقاب، كابوس نهج المحاصصة ومنظومتها الحاكمة، وفتح الآفاق للسير على طريق آخر يفضي إلى الديمقراطية الحقة ودولة المواطنة والعدالة الاجتماعية.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

أبو نواس… ومفهوم “الهروب” في شعره

الحسن بن هانئ المعروف بأبي نواس هو أحد أشهر شعراء العصر العباسي، تميز بفصاحته اللغوية، ويُعد من المجددين في أساليب الشعر، كما تميز بتنويع موضوعات الشعر الذي نظمه وخروجه على التقاليد الشعرية القديمة