حين أصبح المستحيل ممكنًا: نساء قرغيزستان والتحول السوفييتي

-+=

كنتُ أتجول قرب سوق أوش في بيشكيك، عاصمة جمهورية قرغيزيا، حين وجدت نفسي أمام مبنى حجري ذي طابع سوفييتي واضح. أمام المبنى تمثال لامرأة جالسة، وعلى الواجهة اسمها: كاكيش ريسكولوفا. لم أكن أعرفها من قبل. سرعان ما عرفت أن المبنى مرتبط بكلية الجراحة، وأن ريسكولوفا كانت واحدة من أبرز الجرّاحات في تاريخ قرغيزستان، بل تُذكر بوصفها أول امرأة جرّاحة في آسيا الوسطى.

كاكيش ريسكولوفا

لكن ما أثارني لم يكن فقط أن امرأة استطاعت أن تصبح جرّاحة في أربعينيات القرن العشرين، وإنما السؤال الأبسط والأكثر تعقيدًا في الوقت نفسه: كيف أمكن لفتاة مولودة في مجتمع ريفي رعوي في آسيا الوسطى، في مطلع القرن العشرين، أن تصل إلى هذه المكانة؟

قد يكون الجواب السهل هو الموهبة والطموح والإرادة الشخصية. وهي جميعاً ضرورية بلا شك. لكن هذا الجواب، على صحته الجزئية، يحجب المسألة الأساسية: لا تكفي الإرادة الفردية لكي تنتقل فتاة يتيمة من قرية في قرغيزستان إلى كلية الطب، ثم إلى الجراحة، ومنها إلى الأستاذية والأكاديمية العلمية. لا بد أن تكون هناك بنية اجتماعية كاملة جعلت هذا المسار ممكنًا.

وهنا تظهر الدولة السوفييتية.

وُلدت ريسكولوفا سنة ١٩١٨، أي بعد الثورة الروسية مباشرة تقريباً، وفي اللحظة التي كانت فيها السلطة الجديدة تحاول إعادة بناء مجتمعات الإمبراطورية السابقة على أسس مختلفة جذرياً، لكن وسط حرب أهلية وتدخل جيوش أجنبية. كانت آسيا الوسطى من أكثر المناطق التي بدا فيها التناقض حاداً بين مشروع التحديث السوفييتي وبين البنى التقليدية القائمة: مجتمع ريفي واسع، اقتصاد رعوي وزراعي، أمية مرتفعة، وموقع اجتماعي متدني للمرأة يجعل دخولها إلى المهن الحديثة أمراً يكاد يكون مستحيلاً.

لم يكتفِ المشروع السوفييتي بإعلان أن المرأة مساوية للرجل أمام القانون. كان يريد تغيير الشروط المادية التي تنتج عدم المساواة نفسها. ولهذا كان لا بد من المدرسة. وكان لا بد من تعليم البنات. وكان لا بد من المدارس الداخلية لأطفال المناطق البعيدة النائية ولليتامى، ومن المعاهد المهنية، والجامعات المجانية، والمنح الدراسية، والسكن الطلابي، والمستشفيات العامة، ومؤسسات البحث العلمي. بهذا المعنى، قصة ريسكولوفا ليست مجرد قصة امرأة استثنائية؛ إنها أيضاً قصة مؤسسات.

فقدت والدها في سن مبكرة، لكنها دخلت مدرسة داخلية. ثم درست في مؤسسة طبية، وعملت في المجال الصحي، قبل أن تلتحق بالمعهد الطبي في فرونزه، الاسم السوفييتي لبيشكيك آنذاك. كانت تلك المؤسسة نفسها حديثة النشأة، جزءًا من مشروع تأسيس تعليم طبي عالٍ في جمهورية لم تكن تمتلك قبل سنوات قليلة شبكة جامعية وطبية مماثلة. وجاء الأساتذة والكتب والخبرات من مراكز الاتحاد السوفييتي المختلفة؛ موسكو بطرسبورغ كييف وخاركوف، لتنشأ بالتدريج طبقة جديدة من الأطباء والمهندسين والمدرسين والباحثين المحليين.

 هنا تكمن مسألة أعتقد أنها كثيراً ما تضيع عندما نتحدث عن المساواة. هناك فرق بين أن تقول الدولة لفتاة فقيرة: يحق لك أن تصبحي طبيبة، وبين أن تنشئ مدرسة تستطيع أن تدخلها، وجامعة لا تحتاج إلى ثروة عائلية للالتحاق بها، ومنحة تستطيع أن تعيش منها، ومستشفى تستطيع أن تعمل فيه، ونظاماً للدراسات العليا تستطيع أن تواصل من خلاله مسيرتها العلمية الأولى مساواة قانونية، شكلية. أما الثانية فهي محاولة لبناء الشروط المادية للمساواة.

وريسكولوفا استفادت من هذه السلسلة بأكملها. أصبحت طبيبة ثم جرّاحة، وتقدمت في البحث والتدريس، وترأست قسماً للجراحة لعقود، وأشرفت على أجيال من الأطباء والباحثين. وهكذا لم تعد فقط امرأة تمكنت الدولة السوفيتية الجديدة من فتح الطريق أمامها، بل أصبحت هي نفسها واحدة من الأدوات التي أعادت من خلالها الدولة تشكيل المجتمع. الأمر أشبه بحركة دائرية: تُنشئ الدولة مؤسسة تعليمية لتصنع طبيبة؛ ثم تصبح الطبيبة أستاذة تصنع عشرات الأطباء؛ وهؤلاء ينتشرون في المستشفيات ويغيرون مستوى الصحة والحياة في المجتمع كله.

وإذا نظرنا إلى المسألة من منظور مادي تاريخي، فإن هذه النقطة أهم بكثير من قصص “النجاح الفردي” التي يحب الخطاب الليبرالي المعاصر سردها. فالفرد لا يتحرك في الفراغ. الإرادة نفسها تحتاج إلى طريق تسير فيه. والموهبة لا تتحول إلى قدرة اجتماعية ما لم تجد المدرسة والجامعة والمختبر والمستشفى والكتاب والوقت اللازم للدراسة. ليس السؤال إذن: لماذا كانت ريسكولوفا ذكية بما يكفي لكي تصبح جرّاحة؟ السؤال الأعمق: ما الذي حدث للمجتمع بحيث أصبح ممكنًا لذكاء امرأة مثلها أن يتحول إلى جراحة وعلم ومؤسسة؟

إن مسيرة تحرير النساء في آسيا الوسطى لم تكن عملية هادئة أو بريئة، بل ارتبطت بمشروع شديد المركزية لإعادة تشكيل المجتمع والثقافة، وبسياسات فوقية وقسرية بالضرورة وفي أحيان كثيرة إذ دخلت السلطة السوفييتية في مواجهة مع التقاليد الدينية والاجتماعية المحلية، ولم يكن مفهومها للتقدم منفصلاً دائماً عن نظرة مركزية تعتبر أن على مجتمعات الأطراف أن تلحق بنموذج حداثي تحدده الدولة والحزب.

كما أن المساواة الرسمية لم تلغِ السلطة الذكورية، ولم تجعل حياة النساء السوفييتيات فضاء خالياً من التمييز. فقد دخلت المرأة سوق العمل والمهن بكثافة، لكنها احتفظت في الغالب بجزء كبير من مسؤوليات المنزل والعائلة أيضاً. لكن الاعتراف بهذه التناقضات لا يلغي الحقيقة الأخرى: كان هناك تحرر مادي فعلي حدث بالفعل.

لم تكن ريسكولوفا مجرد طبيبة مارست الجراحة، بل أسهمت في تأسيس البحث الجراحي في قرغيزستان. بدأت أبحاثها في مستشفى كان يعالج جرحى الحرب العالمية الثانية، حيث درست الآلام التي تلي بتر الأطراف وطوّرت أسلوباً لمعالجة جذع العصب المقطوع، وهو موضوع أطروحتها العلمية سنة ١٩٥١. ثم أسهمت في تطوير تقنية لوصل الشرايين والأوردة باستخدام جهاز خياطة الأوعية الذي ابتكره الجرّاح السوفييتي فاسيلي غودوف.

وامتدت أبحاثها إلى جراحة الأوعية والجهاز الهضمي والأعصاب، والأورام والرضوض والمسالك البولية، كما درست تخثّر الدم وتكيّف الجسم مع نقص الأكسجين في المناطق الجبلية، وهو موضوع وثيق الصلة ببيئة قرغيزستان. ناقشت دكتوراه العلوم الطبية سنة 1967، ثم أصبحت أستاذة في الجراحة وعضواً كاملاً في أكاديمية العلوم القرغيزية.

نشرت خلال مسيرتها أكثر من ٢٥٠ بحثاً، وثلاث عشرة دراسة أحادية، وأربعة كتب دراسية، وسُجّل لها أحد عشر اختراعاً وسبعة وأربعون تطويراً تقنياً. كما ترأست قسم الجراحة لعقود، وأشرفت على إعداد اثنين وثلاثين باحثاً لنيل درجة مرشح العلوم وسبعة لنيل دكتوراه العلوم. وهكذا لم تكن مجرد ثمرة للمؤسسات التي أنشأتها الدولة السوفييتية، بل أصبحت بدورها واحدة من بُناتها وصانعةً لأجيال جديدة من الأطباء والباحثين.

فالمرأة التي كان أفقها الاجتماعي قبل جيل أو جيلين محدودًا بالأسرة والقرية والعمل الزراعي أو الرعوي أصبحت قادرة على أن تكون طبيبة أو مهندسة أو عالمة أو أستاذة جامعة. وهذا ليس خطاباً ولا رمزاً؛ إنه تحول في تقسيم العمل وفي توزيع المعرفة والسلطة داخل المجتمع.

ربما لهذا بدا لي تمثال ريسكولوفا أكثر إثارة من كثير من التماثيل السياسية الضخمة المنتشرة في مدن الاتحاد السوفييتي السابق. ربما تكون هذه إحدى أكثر القضايا التي تستحق أن نتذكرها من التجربة السوفييتية، بعيدًا عن التقديس وبعيدًا أيضًا عن الشيطنة: أن تغيير الإنسان الفرد لا ينفصل عن تغيير المؤسسات التي تحدد مسبقًا ما الذي يستطيع هذا الإنسان أن يحلم به، وما الذي يستطيع بالفعل أن يصبحه.

ولم تكن ريسكولوفا حالة منفردة، بل واحدة من جيل كامل من النساء القرغيزيات اللواتي فتحت أمامهن التحولات السوفييتية العميقة مجالات لم تكن متاحة لهن من قبل. فقد أصبحت فاطمة نورغازييفا، ابنة أسرة من الرعاة، طبيبةً ثم أول امرأة قرغيزية تتولى وزارة الصحة (١٩٥٠-١٩٥٥)، قبل أن ترأس المعهد الطبي الحكومي (١٩٥٥-١٩٦٢). وأصبحت زوراكان كاينازاروفا، ابنة الريف والعاملة الزراعية، قائدة للإنتاج ونائبة في السوفييت الأعلى،١٩٣٧–١٩٤٦ و١٩٥٠–١٩٥٤ ونالت مرتين لقب “بطلة العمل الاشتراكي”.

مشهد من فيلم عن حياة سالييفا (١٩٧١)

وفي مقدمة هذا الجيل تقف أوركويا سالييفا، ابنة الأسرة الفلاحية الفقيرة، التي لم تكن مجرد واحدة من المستفيدات من التحولات الجديدة، بل من النساء اللواتي صنعن شروطها ومهّدن لها ودفعن ثمنها. برزت أوركويا سالييفا، ابنة أسرة فلاحية فقيرة، التي انضمت إلى الكومسومول وهي في السابعة عشرة، ودافعت عن تعليم النساء وحقوقهن، ثم أصبحت من أوائل النساء اللواتي تولين رئاسة مجلس قروي ومزرعة جماعية. إن مصير سالييفا يكشف أن هذا التحول لم يكن هادئًا وليس بدون أثمان باهظة. فقد أثار نشاطها ومواجهتها للبنى الاجتماعية التقليدية عداء القوى المحلية المحافظة وملاك الأراضي والمواشي، وانتهت حياتها باغتيالها سنة ١٩٣٤، وهي لم تتجاوز الثالثة والعشرين. وإذا كانت ريسكولوفا ونورغازييفا وكاينازاروفا يمثلن ما استطاعت المرأة أن تبلغه حين وفّرت لها الدولة التعليم والمؤسسة والعمل، فإن سالييفا تمثل الثمن الذي دفعته النساء اللواتي شققن الطريق في البداية. هكذا اجتمع في تجربة ذلك الجيل وجهان متلازمان: إمكان الصعود من القرية إلى العلم والسلطة، وعنف مقاومة القوى الرجعية التي واجهت هذا الصعود.

ولم يختفِ اسم أوركويا سالييفا من ذاكرة قرغيزستان بعد سقوط الاتحاد السوفييتي؛ فما زالت مدارس وشوارع ومرافق عامة تحمل اسمها، كما خُصّص لها متحف في قرية موركوت، مسقط رأسها. تحاول الدولة الحالية تغيير دلالات الاحتفاء بها فبينما كانت في العهد السوفييتي تمثل الفتاة الشيوعية الشابة ومنظِّمة للكولخوزات وشهيدةً قضية تحرير النساء، تصور في الذاكرة الوطنية المعاصرة بوصفها رمزًا قرغيزيًا للشجاعة والحرية وخدمة الشعب، مع تخفيف البعد الشيوعي في تجربتها.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

تاريخ التدخلات الأميركية في الصومال

في الذكرى الثالثة والثلاثين لمعركة مقديشو، نعود الى ٣ أكتوبر ١٩٩٣ حين سقطت مروحيتان أميركيتان من طراز بلاك هوك فوق أحياء العاصمة. ولم يسقطهما جيش

صناعة السعادة الصحية بين الشك واليقين

ظاهرة انتشار “عيادات” وأندية للاستشفاء النفسي، ازدادت بشكل ملحوظ، وذلك منذ أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. بل وقد وصلت هذه الظاهرة إلى أروقة الحكومات، وفي مقرات كبريات الشركات. فما هي جذور هذه الظاهرة الجديدة؛ النفسية الاجتماعية الاقتصادية، التي سميت لدى البعض بصعود “صناعة” الصحة والسعادة.

إعلام “الذكاء الاصطناعي”… والقانون

لسنا بحاجة إلى قانون جديد يفرض قيوداً جديدة على اﻹعلام بقدر ما نحن بحاجة إلى نمط تفكير جديد يرتقي ويواكب التغيرات الشاسعة التي نحن مقبلون عليها