تاريخ التدخلات الأميركية في الصومال

-+=

في الذكرى الثالثة والثلاثين لمعركة مقديشو، نعود الى ٣ أكتوبر ١٩٩٣ حين سقطت مروحيتان أميركيتان من طراز بلاك هوك فوق أحياء العاصمة. ولم يسقطهما جيش نظامي، بل مقاتلون من أهل المدينة بأسلحة خفيفة وقاذفات آر. بي. جي، ونساء وأطفال بالحجارة والمولوتوف. حوصرت أقوى قوة خاصة في العالم في شوارع حي لا تعرفه، وخرجت منه بـ ١٨ قتيلاً وعشرات الجرحى والأسرى، وبعد أشهر كانت تجمع عتادها وتغادر. هذه هي المعركة التي يسميها الأميركيون Black Hawk Down، ويسميها الصوماليون الهزيمة. وحملت منها واشنطن عقدة سمتها “متلازمة الصومال”، فأعادت كتابة قواعد تدخلها العسكري في العالم. لكن الذكرى لا تستعاد للاحتفال، بل لفهم ما قبلها وما أنتجته بعدها، فهي حلقة في تدخلات تمتد من ١٩٦٠ إلى اليوم.

١٩٦٠–١٩٨٠: من موسكو إلى واشنطن

في ١ يوليو ١٩٦٠ اتحد اقليمان خرجا لتوهما من الاستعمار البريطاني والإيطالي في دولة واحدة. وبين ١٩٦٠ و١٩٦٩ عاش الصومال تجربة برلمانية نادرة في أفريقيا: صحافة حرة، وأحزاب متعددة، وبرلمان يحاسب، ورئيس سلم السلطة طوعاً بعد خسارته الانتخابات.

أما واشنطن فلم يكن هذا الاستقلال ذا قيمة عندها، لأن حليفها في القرن الأفريقي اختير من أيام الاستعمار: إثيوبيا بقيادة هيلا سيلاسي، التي سلحتها في الخمسينيات؛ أما مقديشو فكانت طرفاً مزعجاً، يطالب بأراض صومالية سلبها الاستعمار قبل الاستقلال: أوغادين الذي سلمته بريطانيا لإثيوبيا سنة ١٩٥٤، ومنطقة الحدود الشمالية (NFD) التي تركتها داخل كينيا. طلب الصوماليون سلاحاً من الغرب، فجاءهم عرض متواضع مشروط بألا يستعمل ضد الجيران، فذهبوا إلى موسكو وحصلوا على ما أرادوا. ولم تراجع واشنطن حسابها بل ثبتت رهانها على أديس أبابا.

وانتهت التجربة البرلمانية في أكتوبر ١٩٦٩ باغتيال الرئيس عبد الرشيد شرماركي، وبعدها بأيام قامت ثورة سياد بري، فتبنى “الاشتراكية العلمية” ووقعت موسكو في ١٩٧٢ اتفاقاً على تطوير ميناء بربرة على خليج عدن. وحين اندلعت حرب أوغادين في ١٩٧٧ اختارت موسكو منغستو، فطرد سياد بري السوفييت واتجه إلى أميركا، لكن الرئيس كارتر رفض تسليحه بحجة العدوان على أراضي دولة أخرى. ما غير الحساب لم يكن الصومال بل إيران: فبعد سقوط الشاه وأزمة الرهائن بحثت واشنطن عن نقاط لتواجد قواتها. طلبت مقديشو سلاحاً ثقيلاً واعترافاً بمطالبها في أوغادين، فجاء عرض كارتر في يوليو ١٩٨٠: ٤٠ مليون دولار على سنتين مقابل الوصول إلى موانئ ومطارات بربره ومقديشو، ووقع الاتفاق في أغسطس.

الثمانينيات: عقد إيجار طويل الأمد

وسع الرئيس ريغان المساعدات العسكرية، وبحلول أواخر ١٩٨٩ كانت واشنطن قد قدمت لمقديشو ١٣٣.٥ مليون دولار. ومع اشتداد القتال في الشمال وتقدم الحركة الوطنية الصومالية المدعومة خارجياً، صدرت عن مؤسسة هيريتيج ورقة توصي بحماية منشآت بربره ومقديشو من هجمات الحركة، وبتمديد اتفاق ١٩٨٠ عند تجديده في ١٩٩٠. أي أن انهيار البلد كان يقرأ في واشنطن بوصفه تهديداً لعقد إيجار. وكانت حماستها لتلك القواعد قد بدأت تتراجع منذ منتصف الثمانينيات، ثم انهار النظام في ١٩٩١ وتفككت البلاد بعد عشر سنوات من السلاح والتدريب والغطاء الأميركي.

١٩٩٢–١٩٩٥: التدخل الأول المباشر

بدأت القصة قبل التدخل العسكري بسنوات. ففي ١٩٨٦ حصلت أربع شركات نفط أميركية عملاقة — كونوكو وأموكو وشيفرون وفيليبس — على رخص تنقيب قسمت الصومال إلى قطاعات امتياز غطت ثلثي مساحته. ثم في أغسطس ١٩٩٢ أرسل الرئيس جورج بوش الأب قوة رمزية لدعم الإغاثة الأممية، وفي ديسمبر صدر القرار رقم ٧٩٤، أول تفويض أممي بفرض السلام بالقوة، ونزلت قوة المهام الموحدة (UNITAF). لكن المبعوث الأميركي روبرت أوكلي اتخذ من مجمع كونوكو في مقديشو مقراً له، فصار مقر شركة نفط خاصة هو المقر الفعلي للدبلوماسية الأميركية في بلد جاءت لإنقاذه من المجاعة. ومع دخول الرئيس كلينتون البيت الأبيض في يناير ١٩٩٣، توسعت المهمة من الإغاثة إلى نزع السلاح إلى مطاردة محمد فارح عيديد.

وفي ١٢ يوليو ١٩٩٣ كان نحو ٨٠ من شيوخ العشائر والأعيان مجتمعين في الطابق الثاني من “بيت عبدي”، يتشاورون في عرض سلام قدمه إليهم قائد البعثة الأممية نفسه. وبلا إنذار، أمطرت المروحيات الأميركية المبنى بالصواريخ والمدفعية، والأوامر تدمير غرفة الاجتماع ودرج السلم حتى لا ينجو أحد. استشهد نحو ٧٠ من الحاضرين في يوم سماه الصوماليون “الإثنين الدامي”. ولم تقدم البعثة دليلاً على ادعائها أنها ضربت مركز قيادة، وقال قائدها إن الكاميرات التي كانت تصور الغارة تعطلت. من ذلك اليوم بدأ الصوماليون يستهدفون الأميركيين مباشرة، وحمل مدنيون فيهم نساء وأطفال السلاح. وفي ٣ و٤ أكتوبر ١٩٩٣ وقعت معركة مقديشو ضمن عملية “الثعبان القوطي”، وقتل فيها ١٨ جندياً أميركياً واستشهد مئات من الصوماليين بينهم نساء وأطفال، في قتال خاضه الأميركيون داخل أزقة سكنية مكتظة. فانسحبوا والأمم المتحدة في ١٩٩٥، لكن تفجير السفارتين في نيروبي ودار السلام عام ١٩٩٨ أعاد الصومال إلى واشنطن كملف أمني يدار من الخارج.

٢٠٠٦–٢٠٠٩: صناعة العدو والغزو بالوكالة

في فبراير ٢٠٠٦ التقى أمراء حرب من مقديشو بعملاء أميركيين في مدينة جوهر، وأعلنوا تشكيل “تحالف استعادة السلام ومكافحة الإرهاب”، وكانت وكالة الاستخبارات المركزية تضخ لهم ما بين ١٠٠ و١٥٠ ألف دولار شهرياً. فجاءت النتيجة عكس المقصود، لأن الناس حسموها: رفضوا أن يحكمهم أمراء الحرب، فالتفوا حول “اتحاد المحاكم الإسلامية”، القوة الوحيدة التي كانت تقاتلهم. وبحلول يوليو ٢٠٠٦ سيطر الاتحاد على العاصمة، ثم حكمها ستة أشهر فتح فيها الطرق والميناء والمطار، فعاش الناس هدوءاً لم يعرفوه منذ ١٩٩١.

ولا ينبغي تجميل تلك التجربة: المحاكم لم تكن مشروعاً وطنياً جامعاً، بل بنية استندت إلى عشائر بعينها وموّلها تجار أرادوا فتح الطرق لتجارتهم.

وفي ديسمبر ٢٠٠٦ دخلت القوات الإثيوبية الصومال بغطاء أميركي كامل: طائرات وقوات خاصة ودعم استخباراتي، وحين انكشف التورط علناً أوقفت أديس أبابا إقلاع الطائرات الأميركية من قواعدها. والغارات التي قيل انها تستهدف المطلوبين لم تصب أياً منهم. فـ ” حركة الشباب” لم تكن قبل ذلك سوى جناح هامشي داخل المحاكم لا يتجاوز بضع مئات، وما أخرجها من هامشها هو الدبابة الإثيوبية في شوارع مقديشو والطائرة الأميركية فوقها. فحين انهارت المحاكم بقي هؤلاء وحدهم في الميدان، فقطفوا ثمرة لم يزرعوها: احتلال صنع لهم شرعية لم يملكوها. ولم يكونوا يوماً حركة تحرر، بل مجرمين: بايعوا القاعدة سنة ٢٠١٢، وقتلوا من الصوماليين أضعاف ما قتلته الولايات المتحدة الأميركية وإثيوبيا، وفجروا الأسواق والمساجد والجامعات. لكن السؤال الذي تتهرب منه واشنطن هو: من فتح لهم الباب؟ فحتى ٢٠٠٦ لم يكن أحد يعرف اسمهم، والذي أخرجهم من الظل هو من يقصفهم اليوم.

٢٠٠٧–٢٠٢٠: الأفريكوم وحرب الطائرات المسيرة

أنشئت القيادة العسكرية الأميركية لأفريقيا (أفريكوم) في ٢٠٠٧، ومع إدارة الرئيس أوباما حل القتل عن بعد محل الجنود على الأرض. وفي ٢٠١٧ خففت إدارة الرئيس ترامب القيود على تفادي الخسائر المدنية في الصومال تحديداً، فقفزت الغارات من ٣٨ إلى أكثر من ٦٠ في ٢٠١٩. وقدرت منظمة Airwars استشهاد مابين ٧٨ و١٥٣ مدنياً منذ ٢٠٠٧، بينهم ٢٣ طفلاً، بينما بقي الاعتراف الأميركي عند ٥ وفيات بلا تعويض، ثم أنهت إدارة ترامب البرنامج الذي كان يلزم الجيش قانوناً بمنع الوفيات المدنية. ولم تكن المسيرة البديل الوحيد: فمنذ ٢٠٠٧ تولت بعثة الاتحاد الأفريقي القتال البري بجنود أفارقة تجاوزوا ٢٠ ألفاً، مولها الاتحاد الأوروبي بنحو ٢.٨ مليار يورو وواشنطن بنحو ٣.٦ مليار دولار، فصارت أدمى عملياته ولم ينشر عدد قتلاها قط. وفي يوليو ٢٠٢٦ أبلغت واشنطن أنها ستوقف التمويل نهاية العام.

٢٠٢٥–٢٠٢٦: الرقم القياسي

في ١ فبراير ٢٠٢٥، بعد ١٢ يوماً من دخول الرئيس ترامب البيت الأبيض، نفذت أول عملية عسكرية أميركية في أفريقيا في ولايته الثانية، بتفويض من وزير الدفاع بيت هيغسيث الذي منح قادة أفريكوم قرار الضربة دون الرجوع إلى واشنطن. ثم جاءت الأرقام: ١٢٤ إلى ١٣٢ غارة في سنة ٢٠٢٥ وحدها، أكثر من مجموع ولايات الرؤساء بوش وأوباما وبايدن. وانتهت ولاية ترامب الأولى بـ ٢١٩ غارة، فتجاوزتها ولايته الثانية بأكثر من ٢٠٧ في أقل من عامين، أي قنبلة كل يومين. والأخطر أن أفريكوم توقفت عن نشر تقييمات الخسائر المدنية، وصارت بياناتها لا تذكر موقع الضربة — غطاء للإفلات من العقاب. لكن ما تخفيه البيانات كشفته الجنائز. في نوفمبر ٢٠٢٥ ضربت مسيرة أميركية أحياء سكنية في جامامي بجوبا السفلى بلا إنذار، فاستشهد ١٢ مدنياً، ٨ منهم أطفال. وفي مايو ٢٠٢٦ استشهدت في غارة على جبال كالمسكاد امرأة حاملاً وبناتها الثلاث. ويسأل الصحفيون عن سبب إصابة أطفال ظاهرين للعيان في الشارع، يراهم طيار المسيرة على شاشته قبل أن يضغط الزر.

الموانئ: العودة إلى نقطة ١٩٨٠

لم تصبح بربره مطلوبة فجأة. ففي ٢٠١٦ وقعت هرجيسا، عاصمة إقليم أرض الصومال الانفصالي، عقداً لثلاثين سنة مع “موانئ دبي العالمية” باستثمار ٤٤٢ مليون دولار، وحين حصلت إثيوبيا على حصة فيه ألغاه البرلمان الصومالي. ثم وقعت أديس أبابا في يناير ٢٠٢٤ مذكرة مع هرجيسا لاستئجار ٢٠ كيلومتراً من الساحل مقابل الاعتراف بها كدولة، فانفجرت أزمة انتهت إلى منفذ بحري لإثيوبيا تحت السيادة الصومالية، لكن المذكرة لم تلغ قط. ومن هنا صار كل طرف صومالي يعرض سعره.

في ١٦ مارس ٢٠٢٥ بعث الرئيس حسن شيخ محمود رسالة إلى الرئيس ترامب يعرض فيها “سيطرة تشغيلية حصرية” على ميناءي ومطاري بربره وبوصاصو ولا يسيطر على أي منها.

ففي يونيو ٢٠٢٥ قدم في الكونغرس مشروع قانون H.R. ٣٩٩٢ للاعتراف بالإقليم الانفصالي، وفي ديسمبر اعترف به الكيان الصهيوني وحده، فامتنعت واشنطن. وفي فبراير ٢٠٢٦ أعلن وزير شؤون الرئاسة في هرجيسا العرض صريحاً: قاعدة في ميناء بربرة ووصول حصري إلى معادن كالليثيوم والكولتان، مقابل الاعتراف الأميركي.

في أغسطس ٢٠٢٦ أعلن إقليم بونتلاند عاصمته غروي اتفاقاً أمنياً مع واشنطن يوسع الوجود الأميركي في ميناء بوصاصو، دون الرجوع إلى مقديشو. 

خلاصة المشهد: رؤوس أموال بنت الميناء، وإثيوبيا اشترت منفذاً، والكيان الصهيوني اعترف وواشنطن تنتقي من العروض.

ما الذي تغير فعلاً منذ ١٩٨٠؟

في العام ١٩٨٠ كان أمام واشنطن طرف صومالي واحد، دولة لها مقوماتها قبلت شروطها لأن ميزان القوى لم يكن في صالحها. في ٢٠٢٦ صار أمامها ثلاثة — مقديشو وهرجيسا وغروي — يعرض كل منها الموانئ، وهي تحدد السعر وتختار. لم يبق طرف صومالي يفاوض، بل كيانات تتزاحم على رضا واشنطن. وأما “حركة الشباب” الإرهابية، فبعد قرابة ٢٠ سنة من الحرب عليها ومئات الغارات ومليارات الدولارات، لا تزال تضم ١٢ ألف وتجبي نحو ٢٠٠ مليون دولار سنوياً. خصم أقوى مما كان، ودولة أضعف مما كانت. وما جرى في ليلة ٣ أكتوبر ١٩٩٣ لم يبق في مقديشو: فمتلازمة الصومال التي خرجت بها واشنطن أعادت رسم حدود تدخلها في القارة كلها. ليلة في حي صومالي أثبتت أن هذه القوة تهزم وأنها ليست قدراً. وفي كل مرة كانت المسيرات تفرغ حمولتها على الأبرياء في الصومال، كانت الموانئ تعرض على العدو لنيل رضاه. 

المراجع:

Jeffrey A. Lefebvre, Arms for the Horn.

Arms for the Horn: U.S. security policy in Ethiopia and Somalia, 1953-1991 | ULS Digital Collections – Digital

David N. Gibbs “Realpolitik and Humanitarian Intervention”.

somalia_0.pdf

International Crisis Group “Can the Somali Crisis Be Contained

Microsoft Word – 116 Can the Somalia Crisis Be Contained.doc

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

صناعة السعادة الصحية بين الشك واليقين

ظاهرة انتشار “عيادات” وأندية للاستشفاء النفسي، ازدادت بشكل ملحوظ، وذلك منذ أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. بل وقد وصلت هذه الظاهرة إلى أروقة الحكومات، وفي مقرات كبريات الشركات. فما هي جذور هذه الظاهرة الجديدة؛ النفسية الاجتماعية الاقتصادية، التي سميت لدى البعض بصعود “صناعة” الصحة والسعادة.

إعلام “الذكاء الاصطناعي”… والقانون

لسنا بحاجة إلى قانون جديد يفرض قيوداً جديدة على اﻹعلام بقدر ما نحن بحاجة إلى نمط تفكير جديد يرتقي ويواكب التغيرات الشاسعة التي نحن مقبلون عليها