واهم من يعتقد أن مستجدات دولية وإقليمية دفعت قادة الكيان الصهيوني إلى إخراج ملفات احتلال وقضم الأراضي العربية من خزائنهم، ومنها بطبيعة الحال مشروع “سوفا ٥٣”، فالعقيدة الراسخة لقادة الكيان هي التوسع ثم التوسع بهدف استيطان أراض عربية جديدة تلبية لنزعة قديمة رافضة نشوء دولة الاحتلال الصهيوني، والتي يمكن اختصارها بكلمات نتنياهو من على منبر الكونغرس الأميركي قبل عامين، حين أبرز خارطة المنطقة العربية قائلاً “إنها أرض إسرائيل”!
ما هو مشروع “سوفا ٥٣”؟
يمكننا اختصار المشروع بأنه مشروع هندسي وعسكري صهيوني واسع، يستهدف التوسع داخل الأراضي السورية في محافظة القنيطرة، بمحاذاة خط الفصل مع الجولان السوري المحتل، عبر شق طريق مراقب ومحصن عرضه ٨ أمتار، وخنادق ونقاط مراقبة وسواتر داخل المنطقة العازلة المحددة في اتفاقية فك الاشتباك بين سوريا والكيان الصهيوني عام ١٩٧٤، ويقدر أبناء المنطقة أن ٧٠٠٠ دونم من أراضي قرية جباتا الخشب جرى اقتطاعها لصالح المشروع الذي يقدر طوله بـ ٧٠ كيلومتر، وتم تدمير المراعي والأشجار المثمرة، كذلك جرفت آليات الكيان الغطاء النباتي لريف القنيطرة في قرى بريقة وكودنة والقحطانية وبئر عجم، وأن الأضرار شملت نحو ١٢ ألف دونم في الريفين الشمالي والأوسط من القنيطرة.
المشروع بدأ في تشرين الثاني/ نوفمبر عام ٢٠٢٢، لكنه توقف بعد تداعيات طوفان الأقصى وحرب الإبادة التي شنها الكيان الصهيوني على غزة وبقية المناطق الفلسطينية، وتابعت قوات الاحتلال العمل بالمشروع في نهاية عام ٢٠٢٤، بعد انهيار النظام السابق، وفي بداية تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٢٦ استأنف العدو الصهيوني أعمال التجريف غربي قرية العشم وبلدة الرفيد في ريف القنيطرة الجنوبي.
لقد مهد الكيان الصهيوني لاستئناف المشروع بعمليات عسكرية جوية وصاروخية عملت على تدمير القدرات المتنوعة للجيش السوري، البرية والجوية والبحرية، ومخازن الأسلحة والمصانع العسكرية واللوجستية، إضافة إلى اجتياح المناطق الحدودية، ووضع نقاط التفتيش، وإطلاق المدفعية باتجاه القرى والبلدات، واعتقال المواطنين السوريين.
الأطماع الصهيونية في المياه.. والثروات الأخرى
المبررات الأمنية بعد سقوط نظام الأسد، وكذبة حماية الأقليات بعد المجزرة التي ارتكبتها قوات سلطة (الأمر الواقع) وحلفاؤها بحق المواطنين في جبل العرب، تبدو الواجهة العلنية لأطماع لا حدود لها في سرقة المياه والثروات في الجنوب السوري، وهذا ما أكدته الباحثة الصهيونية مور ألتشولر علناً عن ضرورة السيطرة على منابع المياه والطاقة والثروات الأخرى في جنوب سوريا، وخاصة في درعا التي تضم القسم الأكبر من حوض اليرموك، الذي يتكون من نحو ٢١ سداً، ويعد شريان الحياة في المحافظة، كذلك تمتد الأطماع الصهيونية لتشمل الصخور البازلتية، والسجيل الزيتي الموجود في وادي اليرموك والذي يستخدم في توليد الكهرباء، وحزمة واسعة من المنتجات الزراعية في الجنوب السوري.
المسألة الأكثر خطورة في التمدد الصهيوني في الجنوب السوري بهذه الطريقة هي زرع مفهوم لدى السوريين أنها قادرة على التدخل في جميع القضايا السياسية والعسكرية والاقتصادية في سوريا، وأن المستجدات الدولية والإقليمية لا تعدو أن تكون نتاجاً للعقيدة الصهيونية، ولقدرة الكيان العسكرية المدعومة أميركياً لتنفيذ المخطط الأميركي – الصهيوني والهيمنة على المنطقة العربية بأكملها.. إنها تزرع اليأس والإحباط لدى السوريين وجميع الشعوب العربية.
سلطة (الأمر الواقع) والخطر الصهيوني
منذ أن تسلمت (هيئة تحرير الشام) السلطة في سوريا، أبدت موافقتها على مقترحات أميركية وبريطانية بالحوار مع الكيان الصهيوني لترتيب اتفاق سلام، وجرت عدة لقاءات بين الجانبين، كانت وفق تصريحات المراقبين قريبة من الاتفاق، لولا لجوء الكيان إلى فرض شروطه التي لا تستطيع سلطة (الأمر الواقع) قبولها في هذه الفترة – ربما تقبلها في فترات لاحقة – التي تعاني فيها البلاد أوضاعاً أمنية خطيرة تهدد السلم الأهلي، وأوضاعاً اقتصادية مضطربة بسبب عدم الجدية في تنفيذ الخطوات الضرورية لإنهاض الاقتصاد السوري، ويعاني فيها الشعب السوري مأساة معيشية تصل إلى حد المجاعة.
لقد اكتفت سلطة (الأمر الواقع) بمطالبة الكيان الصهيوني بوقف استباحته للأرض السورية، والتراجع إلى ما قبل ٨/١٢/٢٠٢٤، وأبدت موافقتها على توقيع اتفاق هدنة جديد بدلاً من اتفاق ١٩٧٤، ولم تصدر بياناً رسمياً حول تصريحات ترامب بمنح الجولان للكيان، وتطالب اليوم بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالجولان السوري المحتل.
بعد انهيار النظام السابق، وتسلم (هيئة تحرير الشام) السلطة في سوريا بموجب اتفاقات دولية وإقليمية، طالبنا نحن في الحزب الشيوعي السوري الموحد، وطالب غيرنا من القوى السياسية الوطنية أيضاً، بالحفاظ على الثوابت الوطنية، والتي يأتي في مقدمتها:
١- استعادة السيادة السورية على كل شبر من الأرض السورية، وطرد جميع الاحتلالات الصهيونية والتركية والأميركية، وتحرير الجولان السوري المحتل.
٢- مواجهة المخطط الصهيوني الساعي إلى تفتيت سوريا، وذلك بالسعي الجدي لوحدة الأرض والشعب، واستعادة السلم الأهلي، ووقف حملات التطرف “الديني” والطائفي، ولجم نزعات التخوين والتكفير، واستدعاء الفزاعات العشائرية، بالاستناد إلى الخلفية “الدينية” والمناطقية، التي ساهمت في مجازر الساحل و”غزوة” جبل العرب.
٣- عقد مؤتمر حوار وطني شامل، يضم جميع الأطياف السياسية والدينية والاجتماعية والإثنية، للتوافق على ملامح سوريا الجديدة، الديمقراطية، المدنية، والتي تستند إلى دستور ديمقراطي يضمن حقوق جميع السوريين السياسية والديمقراطية، دون النظر للجنس والدين والطائفة والإثنية والمعتقد.
نعتقد أن مشاريع أخرى ستنفذها قوات الاحتلال، ربما سوفا ٥٤ و٥٥، في لبنان والعراق، فأطماع الكيان بالأرض العربية بلا حدود، والحل الوحيد حسب اعتقادنا هو تكاتف الشعوب العربية، ومواجهتها للخطر الصهيوني القادم.
سوريا لن تنهض إلا بوحدة السوريين.
-
عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري الموحد، رئيس تحرير صحيفة "النور" السورية.
View all posts