«في علمية الفكر الخلدوني»: كتيب للشهيد مهدي عامل

-+=

أحدث ابن خلدون (١٣٣٢م- ١٤٠٦ م) نقلة نوعية في بحثه لحركة التاريخ وشروطها المادية بعيداً من تناقل الأخبار، ودوره في تأسيس علم العمران. فكر ابن خلدون قرأه الشهيد مهدي عامل (استشهد في ١٨ أيَّار \ مايو ١٩٨٧)  في ضوء الفكر المادي العلمي ومنهجيته في محاولة منه لتحديد علميته، وذلك ببحث له بعنوان “في علمية الفكر الخلدوني” صدر في كُتيب من دار الفارابي، بيروت. افتتح مهدي عامل بحثه:” بهمّ تربوي أكتب هذا البحث. أردته اختبارياً، أعني تمريناً في قراءة نص تراثي بفكر مادي. والنص لابن خلدون، مقتطف من المقدمة التي بعنوان:«في فضل علم التاريخ…» ومن الصفحات الأولى من الكتاب”.

يقع كتيب – بحث مهدي عامل في تسعة عناوين هي:

  • في موضوع المقدمة.
  • التاريخ بين مفهومين.
  • في السببية التاريخية.
  • في موضوع التاريخ.
  • في علمية الفكر الخلدوني.
  • القفزة العلمية للفكر الخلدوني في حقل الفكر الاجتماعي.
  • القفزة العلمية للفكر الخلدوني في حقل الفكر التاريخي.
  • تحليل مثال.
  • مقاييس النقد التاريخي.

أما خاتمة الكتيب – البحث فهي بعنوان: “في غياب الاقتصادي في الفكر الخلدوني” طرح فيها أسئلة هي: “ما الذي يفسر غياب هذا المفهوم في الفكر الخلدوني؟ ألا يحول هذا الغياب دون طبع هذا الفكر بطابع مادي؟ كيف يصحّ تأكيد علمية هذا الفكر، بينما علمية الفكر تقتضي بأن يؤكد الفكر أن الاقتصادي هو المحدِّد للكل الاجتماعي في حركته الداخلية نفسها؟

قد يكون للبعض على هذا السؤال اعتراض هو أن السؤال قد يتضمن، في صيغته نفسها، إسقاطاً للفكر الماركسي على الفكر الخلدوني – أو ما يشبه الإسقاط – في شدّ هذا قسراً، في اتجاه ذاك، كأن المأخذ عليه أنه لم يكن فكراً ماركسياً، حتى قبل أن يكون فكرٌ ماركسي” (عامل، مهدي، “في علمية الفكر الخلدوني”، دار الفارابي، بيروت، الطبعة الثانية، ١٩٨٦، ص٧١) 

أسئلة أجاب عليها مهدي عامل في الخاتمة وحدّد الأسس المنهجية التي انطلق منها في قراءته لنصوص ابن خلدون وتحديده تمييز ماديته المرتبطة بالواقع الاجتماعي الذي وجدت فيه وشروطه المادية التاريخية. عاد مهدي عامل وصاغ سؤاله مرة أخرى في سياق الخاتمة بما يلي: “لماذا غياب الاقتصادي في فكر هو، في تميّزه نفسه، فكر مادي؟ وكيف تستقيم علمية هذا الفكر على قاعدة ذلك الغياب؟” (عامل، مهدي، في علمية الفكر الخلدوني، المصدر نفسه، ص ٧٥). يعود مهدي عامل في إجابته على السؤال ليحدد قضية منهجية رئيسة وهي “التأكيد على ارتباط الفكر، حتى في نشاطه النظري نفسه، بشروطه المادية التاريخية، ارتباطاً لا افلات منه، مهما شطّ الفكر أو جمح. بل إنه، حتى في جموحه هذا، يؤكد ارتباطه ذاك في أكثر من شكل. فغياب الاقتصادي، مثلاً، في الفكر الخلدوني (…) لا ينفي عن هذا الفكر طابعه المادي بقدر ما قد يؤكده. وما في هذا القول منا لعب لفظي، وما فيه مهارة جدل. فلو صح أن تمفهم الاقتصادي مشروط بتكوّن نمط الإنتاج الرأسمالي وسيرته، فمن الخطأ الفادح أن يطلب من هذا الفكر أن ينتج معرفة تحول الشروط المادية نفسها لنشاطه النظري دون إنتاجها، ومن الخطأ الفادح أن يُنفى الطابع المادي عنه بسبب غياب ذلك المفهوم فيه. ولعل ما يقود إلى الوقوع في مثل هذا الخطأ هو ما يسميه ابن خلدون، بحسّ تاريخي مادي رهيف، «الذهول عن تبدل الأحوال بتبدّل الأعصار ومرور الأيام». إنه، بالضبط، تغييب التاريخ في قراءة الفكر وفي قراءة الواقع أيضاً. وما نظن أن فكراً مادياً متسقاً ترتكب خطأ كهذا. فلئن فعل، فإسقاط لنفسه على فكر خلدوني فيه يتمرأى. وما هو، في هذا، بفكر مادي، حتى لو ادّعى المادية، أو الماركسية. أما الفكر المادي، فمن موقع اختلافه، في الحاضر، كفكر ماركسي، يبحث، بل من الضروري أن يبحث عن الطابع المادي للفكر الخلدوني في حيّز آخر غير الحضور النظري للاقتصادي في البناء المفهومي لهذا الفكر” (المصدر نفسه، ص. ص ٧٦- ٧٧). ويضاعف مهدي عامل تمييز تحديده لمادية الفكر الخلدوني بقوله: “لا في حيّز مفهوم الاقتصادي، بل ربما في حيّز مفهوم العصبية، من حيث هو ناظم شبكة المفاهيم العمرانية، يمكن البحث عن الطابع المادي للفكر الخلدوني. أما علميّته، فلها شكل مادّيته، ولها، بالتالي، كهذه، طابع تاريخي تحدده الشروط نفسها التي تحدد شكل ماديته. هذا يعني أن من الخطأ وضع نموذج للعلميّة، (أو للمادية)، به تُقاس علمية (أو ماديّة) كل فكر، كأن فكراً ما (ضمنياً هو الماركسي) هو النموذج، فهو المطلق الذي، به، كل ما عداه نسبي.

ليس من فكر هو النموذج، وليس على نموذج ينبني الفكر العلمي. ولئن كانت المعرفة التي ينتجها هذا الفكر نسبية، فهي نسبية، لا بقياسها على مطلق من المعرفة ينتجه فكر – نموذج، بل بضرورة طابعها التاريخي. فعلميتها قائمة في الحدود التي ترسمها شروطها التاريخية المادية، تلك التي هي فيها تُنتج” (المصدر نفسه ص٨٠). 

يكمل مهدي أن علمية الفكر الخلدوني “انبت ضد فكر غيبي يلغي بالوهم التاريخ، ويلغي بالوهم شروطه. لقد أقام ابن خلدون في الفكر العربي قاعدة للفكر العلمي، وهيّأ لهذا الفكر البناء التحتي النظري الذي هو ضروري لإقلاعه، وأقلع به في حقل التاريخ والعمران، فاخترق جدار الفكر الديني إلى فضاء آخر من المعرفة يرتسم جديده في حدود بنية اجتماعية قبلية هي التي كانت قائمة في المغرب في القرن الرابع عشر. ولئن نحن حاولنا، في هذا البحث، قراءة نص منه بفكر مادي، فلأن الفكر المادي قادر، من حيث هو فكر اختلافي، على تحرير العلمي فيه من حدود تعوق تطوره، كفكر مادي متسق. ليست العلاقة التي نُقيمها بين ابن خلدون وماركس علاقة استبدال لهذا بذاك، أو لذاك بهذا. إنها بالعكس، علاقة تاريخية يتحدد فيها الفكر الماركسي كنقد للفكر الخلدوني، من حيث أن بهذا النقد تتحدد علميّ هذا الفكر، وبه تتقدم المعرفة” (المرجع نفسه ص. ص ٨١-٨٢).

” في علمية الفكر الخلدوني “

في ما يلي بعض ما كتبه الشهيد مهدي تحت عنوان “في علمية الفكر الخلدوني” وهو العنوان الخامس من كتيبه – بحثه الذي يحمل العنوان نفسه.

“ليس ما كتبه ابن خلدون في “مقدمته” بحثاً في فلسفة التاريخ أو العمران. لو كان الأمر كذلك، لكان الفكر الخلدوني، برغم أصالته، امتداداً للفكر الفلسفي العربي الإسلامي السابق عليه، ينخرط فيه ويكمّله في خطه نفسه. ولقد ذهب البعض هذا المذهب في تأويله، فغاب عنه جديد ذاك الفكر. وجديده أنه لا يستوي على أرض معروفة هي أرض الفلسفة، يشذّب بعضاً منها، أو يصلح، أو يضيف. جديدة أنه ينتقل بالفكر إلى أرضٍ بِكْر، في تأسيسه علماً هو علم التاريخ، بناه – على حدّ قوله- «على أخبار الأمم الذين عمّروا المغرب في هذه الأعصار (…) وهما العرب والبربر». وفي موضع آخر من «المقدمة» يقول، محدِّداً موضوعه، ومبيناً الهمّ الذي يستحوذ على تفكيره: «… قصدي في التأليف المغرب وأحواله أجياله وأممه وذكر ممالكه ودوله ودون ما سواه من الأقطار لعدم اطلاعي على أحوال المشرق وأممه. وإن الأخبار المتناقلة لا تفي كنه ما أريد منه…».

منطلق الفكر الخلدوني في «المقدمة» منطلق مادي. و«المقدمة» تكاد تكون بكاملها بحثاً في أسباب أزمة التطور التاريخي للمغرب، واحتدامها في القرن الرابع عشر. في تاريخ المغرب، وفي منطق هذا التاريخ نفسه، يبحث ابن خلدون عن هذه الأسباب، فلا يُرجعها إلى مبادئ فلسفية قبْلية يُسقطها، من خارج، على هذا التاريخ وواقعه، كما قد يفعل فيلسوف من قبله. منطلق الفكر الخلدوني علمي لأنه، بالضبط، منطلق مادي: فابن خلدون يعالج مشكلة محدَّدة هي مشكلة تلك الأزمة التي كان يتلمّسها في مظاهر انحطاط المغرب في القرن الرابع عشر. وفي هذا المجال يقول مؤرخ معاصر:

«في القرن الرابع عشر أصبح الاضطراب عاماً: بدا نفوذ الملوك هزيلاً أكثر فأكثر. محاولتهم لمركزة الحكم كانت تنهار عند موتهم، إن لم تكن في حياتهم. المطالبون بالعرش يتكاثرون، كما تتكاثر ثورات القصور. تمرّد الحكام يتضاعف، فيحاولون الانشقاق أكثر فأكثر (…) أما بخصوص القبائل العسكرية، فإن أهميتها كانت تزداد باستمرار، تُزكيها إغراءات مختلف الملوك أو الطامعين بالعرش. وكان رؤساء القبائل يجيزون لأنفسهم حق التمتّع بإقطاعات متزايدة الأهمية. وكانت هذه الامتيازات الأميرية تُضعف من السلطة المركزية التي كانت أعجز من أن تقاوم مطامع الرؤساء الكبار (…).

إن تباطؤ تجارة الذهب بين أفريقيا الشمالية وبين السودان أثار أكبر قسم من العقبات التي عرفتها الدول المغربية من القرن الرابع عشر. ومن أجل محاولة الحفاظ على الأرباح التي كانوا يجنونها من التجارة، استخدم الملوك مختلف السبل المغلّة على المدى القصير، والمفلسة على الأجل الطويل (…) إن مصادرة البضائع، والسلب، والاحتكارات، والامتيازات الفادحة، وسائر هذه التصرفات المخربة، والمستخدمة كما يشير ابن خلدون، عندما دخلت المملكة مرحلة الانهيار، لتتعارض مع أشكال التعاون التي تُشرك التجار والملك في مراحل ازدهار مرحلة التجارة…» (إيف لاكوست، “ابن خلدون”، ترجمة ميشال سليمان، دار ابن خلدون، ص ٩٩- ١١٥. راجع الفصل الخامس بكامله بعنوان: “أزمة القرن الرابع عشر”).

لا يهمّ بحثنا كثيراً أن ندخل في تفاصيل هذه الأزمة وأسبابها، أو في اختلافها عن الأزمات السابقة التي مرّ بها المغرب. (ويرى إيف لاكوست هذا الاختلاف في تحوّل طرق الذهب بين أفريقيا الشمالية والسودان، فيجعل من هذا التحول السبب الأساسي – إن لم يكن الأوحد – لأزمة القرن الرابع عشر، وهذا التفسير الواحدي قابل للنقاش). ما يهمّ البحث هو أن ننظر في هذه العلاقة العضوية بين العملية المعرفية لتكوّن علم التاريخ عند ابن خلدون، وبين الحركة التاريخية المادية لمغرب القرن الرابع عشر. وجود هذه العلاقة هو الذي يسمح لنا بتمييز الفكر الخلدوني من الفكر السابق عليه، بأنه فكر علمي. وعلميته تكمن في أنه يبحث في حركة التاريخ المادية وشروطها الفعلية عن الأسباب التي تفسر تلك الأزمة، وتفسّر أيضاً غيرها من الأزمات التي تعاقبت في تاريخ المغرب فمنعته من أن يصل إلى نوع من الاستقرار ينطلق فيه في حركة تطور دائم ومتصاعد، بدلاً من أن يكون أسير حركة دائرية متكررة، ما إن تبلغ فيها الدولة ذروة تطورها حتى تبدأ بالانهيار، كأنها محكومة بلعنة. وفي تعبير آخر نقول إن الشرط الأول لتكوّن علم تاريخي هو أن ننظر في التاريخ بعين مادية تجد في التاريخ نفسه أسباب حركته وظاهراته. (…) . علمية هذا الفكر تكمن في موقف مادي من التاريخ يفسر التاريخ من داخله – لا باللجوء إلى مبدأ خارجي – بأسباب هي فيه، لها بالتالي، طابع مادي. ولهذا التفسير الطابع العلمي الذي للفكر، حتى لو أخطأ الفكر في التفسير، أو قل في تحديد الأسباب بدقة. لذا وجب التمييز في المعرفة بين خطأ علمي وخطأ غير علمي. فالأول ضروري بسبب من تاريخية المعرفة، ووجوده لا ينفي الطابع العلمي من الفكر الذي يقع فيه، بل هو، بالعكس، يؤكده، فيحدّده، أي يضعه في موقعه من الحركة التاريخية للمعرفة. وقد يلعب هذا الخطأ، أحياناً، دوراً ايجابياً في تطور المعرفة، في ميدان من ميادينها، بمعنى أنه قد يكون ضرورياً لهذا التطور. انه، في كل حال، خطأ فكر علمي، ويتحدّد، كخطأ، بالنسبة إلى هذا الفكر وعلى تربته. أما الثاني، فهو من فعل فكر غير علمي. وقد لا يصح تحديده، بكل دقة، كخطأ، لأنه من فعل هذا الفكر، بينما الخطأ ليس خطأ إلا قياساً على فكر علمي. (…)

ونعود إلى ما كنا فيه من تحديد علمية الفكر الخلدوني فنقول: إن فكراً تاريخياً لا يمتلك أدواته المعرفية النظرية يصعب عليه أن يعالج، بعلمية، مشكلة ملموسة محددة. إلا إذا كان فكراً تجريبياً، فقبل أن تكون معالجته متسطحة، تكتفي من الواقع بظاهره، ومن المعرفة بمقاربة هذه الظاهرة. فالمقاربة العلمية نفسها تفترض، بالضرورة، وجود نظرية بها تكون المقاربة. وتملّك القانون الكوني شرط، بالطبع، لإمكان تمييزه. يدفعنا إلى هذا القول سؤال طرحه إيف لا كوست هو التالي: «لماذا لم يشرح ابن خلدون هذه الأسباب الخارجية للأزمة العامة التي عاناها المغرب في القرن الرابع عشر» (المرجع السابق نفسه). والمؤلف يرى في عدم طرح هذا السؤال «ثغرة» في فكر ابن خلدون، وإن كان يحاول أن يجد لهذه «الثغرة» مبرراتها. أما الأسباب الخارجية التي يشير إليها فتنحصر عنده، كما سبق القول، في انعطاف طرق الذهب عن شمال أفريقيا.

لن ندخل في نقاش تاريخي حول الأسباب الفعلية لأزمة القرن الرابع عشر، فهذه القضية ليست من صلب بحثنا. ما نبحث فيه له طابع منهجي، هو تحديد علمية الفكر الخلدوني. فما هو في نظر ذلك المؤرخ «ثغرة» في هذا الفكر، ربما كان، في الحقيقة، وجهاً أساسياً من وجوه علميته. لو كان النظر الخلدوني محدوداً بحدود القرن الرابع عشر وأزمته، لربما كان في عدم طرح ذلك السؤال تلك «الثغرة». لكنه يخترقها إلى ما قبل هذه الأزمة وما بعدها أيضاً، في اتجاه المنطق الداخلي العام للحركة التاريخية المادية – وبالتالي- لحركة العمران- التي بها تتولّد تلك الأزمات جميعاً، على اختلافها. إنه في تعبير آخر، يخترق حدود واقع تاريخي معيّن، في اتجاه واقع من نوع آخر هو واقع نظري ينتجه في ضرورته المعرفية. ففي ضوء هذا الواقع النظري يكون النظر العلمي ممكناً في الواقع التاريخي، وتكون معرفته، في ضوئه، ممكنة. هكذا يتميّز الكوني من المعرفة: بأن تنظر، مثلاً، في أزمة القرن الرابع عشر بعين النظرية، لا بعين تجريبية تقطع الواقع عن نظريته، فيتسطح، ويدب فيه الهزال. فكونية المعرفة سابقة على تمييزها، ضرورية بالطبع، له. ومعرفة الملموس من الواقع (ويقال الخاص) ليست علمية إلا بقدر ما تكون تمييزاً للكوني من المعرفة. هذا الترابط القائم في الفكر الخلدوني بين النظري والتجريبي، يلازم الفكر العلمي ويميزه من غيره. لكن ضرورة النظري تتأكد فيه ساطعة، كأنّ لها الأولية، لا سيما في بدايات تكوّن العلم، أي في مرحلة انبناء منظومة مفاهيمية. وابن خلدون نفسه يؤكد ما نقول، في كلامه على المنهج الذي اعتمده في كتابه، والذي يذهب فيه الفكر، على حد تعبيره، «من باب الأسباب على العموم، إلى الإخبار عن الخصوص».

ويذكرنا هذا القول بقول يحدّد فيه ماركس منهجه فيقول إن الفكر فيه «يرتقي من المجرد إلى الملموس».

خلاصة القول إن المعرفة العلمية لأزمة تاريخية معينة، كأزمة المغرب مثلاً، ليست ممكنة إلا على قاعدة نظرية علمية للتاريخ؛ وانتفاء هذه النظرية يحول دون الوصول إلى تلك المعرفة. أما الوهم بإمكان الوصول إلى معرفة علمية خاصة بأزمة تاريخية معينة دون إسناد هذه المعرفة إلى نظرية علمية للتاريخ، أي، بالتالي، إلى معرفة القوانين الكونية للحركة التاريخية المادية، فذلك هو الوهم التجريبي بعينه. فيه لم يقع ابن خلدون لأن همّه في تأسيس علم التاريخ كان همّ الوصول إلى صياغة هذه القوانين، انطلاقاً من البحث في أسباب الحركة التاريخية الملموسة للمغرب. فعلمية فكره، في هذا المجال، تكمن في ربطه عملية صياغة تلك القوانين، التي هي هي عملية بناء النظرية العلمية للتاريخ، بعملية البحث في هذه الأسباب، أي بعملية التفسير المادي (الاجتماعي) للتاريخ المغربي. لذا كان قادراً على أن يقرأ بنظريته العلمية هذه، ليس تاريخ المغرب وحده، بل تاريخ المشرق أيضاً. ان قبضه المعرفي على الآلية الداخلية للحركة التاريخية – لا سيما بمفهوم العصبية ودورها في صيرورة الدولة، وعلاقة هذه الصيرورة بطبيعة العمران البشري – مكّنه من تفسير تاريخ المغرب وغير المغرب من الأقطار التي تتحكم بصيرورتها القوانين التاريخية والعمرانية نفسها التي حدّدها في مقاربته تاريخ المغرب. وفي تعبير آخر نقول إن الطابع العلمي لقراءة التاريخ المغربي، (البحث في الأسباب العمرانية للواقعات التاريخية) هو الذي يعطي الأدوات النظرية (منظومة المفاهيم الخلدونية) قدرتها الاستقرائية التي تمكّنها من أن تتخطى حدود الحقل التاريخي المغربي إلى حقل التاريخ الاجتماعي بعامة، فتكتسب، بهذه القدرة الاستقرائية، طابعها الكوني. لذا، أمكن لابن خلدون، في مواقع كثيرة من مقدمته، أن يفسر صيرورة الدولة العباسية أو الأموية أو غيرهما من الدول التي تقوم على عصبية، لأن أدواته النظرية تمتلك هذه القدرة التفسيرية، برغم كونها قد أنتجت في حقل التاريخ المغربي. والأصح القول: لأنها أنتجت في هذا الحقل. ذلك أن العلاقة بين هذا التاريخ المحدد وبين كونية المفاهيم النظرية الخلدونية ليست علاقة واهية، او عَرَضية. فتأريخ المغرب يسمح بأكثر من غيره برصد العصبية التي هي، عند ابن خلدون، القوة المحركة للتاريخ في المجتمعات القبلية. لقد بلغت العصبية في تاريخ المغرب مرتبة من الصفاء النظري لم تبلغها، مثلاً، في تاريخ المشرق. من هنا أتت العلاقة بين كونية النظرية التاريخية الخلدونية وبين تميّز الواقع المغربي، حقل تكونها التاريخي. هذه العلاقة شبيهة، إلى حد كبير، بالعلاقة بين نظرية رأس المال عند ماركس، في طابعها الكوني، وتاريخ انكلترا الاقتصادي. ففي هذا البلد، بلغت الرأسمالية، في تحقّقها التاريخي الفعلي، درجة من الصفاء النظري لم تبلغها في البلدان الأوروبية الأخرى في القرن التاسع عشر، فكانت انكلترا، بذلك، حقل اختبار للنظرية الماركسية، بالشكل الذي كان فيه المغرب، في القرن الرابع عشر، حقل اختبار للنظرية التاريخية الخلدونية” (عامل، مهدي، “في علمية الفكر الخلدوني”، المصدر نفسه ص.ص ٢٣-٢٩).

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

طيب تيزيني: محطات في مسيرته الفكرية

قرأ الطيب تحولات الشرق من وراء سور برلين الشرقية وكتب لاحقاً مؤلفات منها الموقف الروحي من الإسلام، والصراع بين الظلامية والتنوير مميزاً بين المطلق والنسبي، ومناقشاً مسألة احتكار الحقيقة من طرف على حساب آخر

سعد الله ونوس:” إننا محكومون بالأمل “

سعد الله ونوس أحد أبرز الأصوات العربية في الكتابة المسرحية في القرن العشرين، وأحد أصوات المقاومة والنضال بكتاباته وقلمه، والمثقل بقضايانا وهمومنا العربية والإنسانية على السواء

على العهد باقون: عهد الكلمة الحرّة

تمثّل «تقدُّم» امتداداً تاريخياً للصحافة الوطنية والتقدمية الكويتية، التي انطلقت في النصف الأول من خمسينات القرن العشرين.

من دفاتر المقاومة الوطنية اللبنانية: ملحمة تحرير بلدة أرنون

دموع الفرح سقت تراب أرض بلدة أرنون، حيث اختلطت رائحة الطين بعبق شتلات التبغ. وحيث حملت الطيور خبر التحرير، وطارت إلى القرى الجنوبية المحتلة، ومنها إلى أرجاء الوطن وفلسطين والبلدان العربية والعالمية