الشيوعي البرازيلي المنسي الذي فاز بالمونديال لكنه لم يحرزه!

-+=

بعد الإطاحة بالحُكم ضد الرئيس جواو غولار عام ١٩٦٤ دخلت البرازيل في منعطف الدكتاتورية البشعة لأكثر من عقدين من الزمن.. تم استفحال المخابرات وزادت قوة سطوة الجيش في الحد من حرية التعبير بتلك الرقعة الجغرافية الكبيرة في أميركا الجنوبية.. في هذه الأثناء كان قد طغى ما يُسمى «تحالف التجديد الوطني البرازيلي»، أي بمعنى المجلس العسكري البرازيلي وتزامن ذلك مع فشل المنتخب البرازيلي في مونديال ١٩٦٦ الذي نتج عن اعتزال الأسطورة بيليه عن اللعب مع المنتخب البرازيلي والاكتفاء بالجولات الودية الخارجية لفريق “سانتوس” مع بعض المباريات المحلية القليلة التي لا تتعدى أصابع اليد الواحدة في الموسم البرازيلي الوطني المحلي.. بيليه كان يجني الأموال الطائلة من خلال جولته الودية الخارجية..

رئيس الـ FIFA  هافيلانج  الذي كان رئيس الاتحاد البرازيلي لكرة القدم وقتها كان يتخبط فتارة يقوم بتعيين مدربين مؤقتين لتدريب (السيلساو) الذي فشل بتعزيز عدد نجومه إلى النجمة الرابعة والاكتفاء بنجمته الثالثة، وتارة أخرى يريد أن يُلجم النقد البرازيلي الشعبي وغير الشعبي. وقد اضطر إلى أن يُعين المُدخن الشره وهو سليل عائلة من ضاحية القمع في الثورة الفدرالية البرازيلية في (ريو غراندي دو سول)، جواو سالدانيا حتى يقضي على مسيرته والاكتفاء بقلمه الحاد ذي الشفرات.. وهو كان عضواً في الحزب الشيوعي البرازيلي والمُحب لنادي بوتافوغو وصاحب القلم الحاد ليس فقط بالمجال الرياضي بل حتى بالمجال العالمي. يكفي ان من أهم نقاط حياته انه قاد مظاهرة في ساوباولو ضد خفض أجور عمال مصانع الإسمنت..

لكن شهرة جواو سالدانيا كانت بأنه صحفي معروف بالبرازيل.. جواو سالدانيا انخرط في مجال الصحافة بالشِق الرياضي لأنه أدرك أن كرة القدم هي التي تُلامس مشاعر شعب البرازيل.

هافيلانج عندما عيَّن ذلك الشيوعي المنسي الذي يُسمى جواو سالدانيا كان في ظاهره عبارة عن تعيين مدرب للبرازيل لكن في باطنه عبارة عن شيء آخر مختلف.

قاد جواو سالدانيا التدريب واستطاع إقناع بيليه بأن يكتفي من رحلاته الودية والعودة لمنتخب البرازيل واستطاع أن يشكل فريقاً قومياً برازيلياً ساخرا “الجواهر السوداء” يضم بيليه، وتوستاو الذي كان هداف البرازيل بالتصفيات المؤلفة لمونديال ١٩٧٠، وكارلو البيرتو، والحارس القوي فيلكس، والمبدع ريفيلينو، كذلك بالو سيزار المُلقب بـ “كاجو”.

لكن جواو سالدانيا أدرك انه صنع فريقاً لا يُقهر واستغل هذا الشيء حتى أصبح محط أنظار الجميع حيث ان الكاميرات تتهافت عليه بالتصريحات وكانت تصريحاته عن المعتقلين بالبرازيل دائماً لدرجة انه ترك قرعة مونديال ١٩٧٠ كي يذهب إلى مراسل لإذاعة الـ BBC ليس ليتحدث عن حظوظ البرازيل بمونديال ١٩٧٠ بل عن حالة القمع والتضييق على الحريات في ظل الحُكم العسكري البرازيلي!!

تمت اقالة جواو سالدانيا بسبب تمرده على النظام العسكري البرازيلي.. وتم تعيين البرازيلي من الأصول اللبنانية ماريو زاغالو الذي درب الأزرق الكويتي لاحقاً..

ماريو زاغالو قطف ثمار جوار سالدانيا وأحرز مونديال ١٩٧٠ لكن جوتو الشيوعي الذي يحمل هم شعب البرازيل كان متواجداً داخل أرضية الملعب كونه صحافياً وجميع لاعبي البرازيل احتضنوه لأنهم يرون أنه السبب الرئيسي في فوز البرازيل بالمونديال، لكن جواو سالدانيا لم يفرح لأن جوازه سفره يحتوي على فيزا كأس العالم، وكانت لديه ورقة مكتوب عليها:

على حامل هذا الجواز أن يسلم نفسه إلى السلطات البرازيلية بعد المونديال مباشرة!!

الكثير كان ناقماً على البرازيلي بيليه خصوصاً اللاعب البرازيلي باولو سيزار المُلقب بـ “كاجو” والذي كان يرى بيليه بأنه لم يستغل شهرته في التعبير عن معاناة شعب البرازيل. حينها كان بيليه يُعتبر علامة تجارية لدرجة انه كان يُصنف بأشهر علامة تجارية من بعد كوكا كولا.. الصحافي فيريرا بلارينيو كان يقول إن اقالة جواو سالدانيا كانت بسبب اليقين التام لدى النظام العسكري البرازيلي المتمثلة بالجنرال ميدتشي بأن الفريق الذي خلفه كان سيحرز المونديال.. لذلك من غير المُحتمل أن يكون ذلك الشيوعي محمولاً على الأكتاف لدى جمهور البرازيل وهذا يجعله بطلاً قومياً على حد وصف الكاتب.. كذلك الكاتب نفسه أكد بأن جواو سالدانيا بالغَ بنقده للنجم الأسطوري بيليه بحجة انه لم يستغل شهرته لإيصال صوت المقموعين بالبرازيل.. لأن جواو سالداينا كان يرى ان محمد علي كلاي أكثر إخلاصاً من بيليه إلا ان جواو سالدانيا نسى ان محمد علي كلاي أميركي وبيليه برازيلي ومحمد علي كلاي كان محمياً من القانون الأميركي بعكس البرازيلي بيليه.

بيليه مع مجموعة من لاعبين البحرين 1973

عندما التقيت بالحكم البحريني إبراهيم الدوي، الذي أدار المباراة الودية بين منتخب البحرين وفريق سانتوس البرازيلي عام 1973، روى لي حادثة مفادها أن بيليه كان كثير التذمر، لأنه لم يكن يرغب في خوض المباراة الودية في البحرين بحجة الإرهاق. ويقول إن بيليه طلب منه أن يطرده أثناء المباراة حتى يغادر الملعب، إلا أن الحكم البحريني رفض ذلك واكتفى بإشهار بطاقة صفراء له، الأمر الذي أثار غضب بيليه، بعد رفض طلبه.

الحكم البحريني إبراهيم الدوي مع رئيس الفيفا السابق ورئيس الاتحاد البرازيلي لكرة القدم السابق (هافيلانج)

وذكر لي إبراهيم الدوي، في حوار أجريته معه ضمن برنامج «بالسنتر» على تلفزيون الكويت، “أنه بعد انتهاء المباراة الودية الاحتفالية في البحرين، والتي تقاضى بيليه نظير مشاركته فيها عائداً مالياً سخياً بالدولار، جرى الحديث عن الإنجاز الذي حققه المنتخب البرازيلي في مونديال 1970، الذي كانت قد مضت عليه ثلاث سنوات”.

غير أن المفاجأة جاءت عندما سأل إبراهيم الدوي بيليه عن المدرب جواو سالدانيا وعن آخر أخباره.

يقول إبراهيم الدوي:

«نظر إليّ بيليه بعد ذكر اسم جواو سالدانيا بشكل صادم، ولم يرد عليّ».

ومن الواضح أن مجرد ذكر اسم ذلك الشيوعي كان يثير انزعاج بيليه، باعتباره الشخص الذي أدرك حقيقة هذا اللاعب البرازيلي، وتقصيره في تسليط الضوء على معاناة شعب البرازيل.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

ابن رشد: فيلسوف قرطبة

نتاج ابن رشد الفلسفي تمت قراءته في ضوء المنهج المادي العلمي التي أبرزت علاقته بالواقع الاجتماعي وتناقضاته، وإبراز النزعات المادية فيه وفي نتاج الفلاسفة العرب – المسلمين؛ المحجوبة بدراسات تلغي، بخلفية منهجية مثالية، ارتباط الفكر بالواقع وتطوره وأشكال المادية وتطورها في تلك المرحلة التاريخية، وارتباط التراث بقضايا التحرر الوطني

طيب تيزيني: محطات في مسيرته الفكرية

قرأ الطيب تحولات الشرق من وراء سور برلين الشرقية وكتب لاحقاً مؤلفات منها الموقف الروحي من الإسلام، والصراع بين الظلامية والتنوير مميزاً بين المطلق والنسبي، ومناقشاً مسألة احتكار الحقيقة من طرف على حساب آخر