
القمة الصينية – الأميركية: ما بين فخ ثوسيديدس ومضيق تايوان
الصين تقرأ المشهد الدولي الراهن من منظور يرى الولايات المتحدة قوة في طور التراجع، مقابل صعود صيني كقوة ناهضة تقود عالم اليوم
منذ أن أعلن إقليم أرض الصومال الانفصالي انفصاله عن الصومال في مايو/أيار 1991، وهو يسعى لانتزاع اعتراف دولي بالأراضي الواقعة تحت سيطرته. وعلى الرغم من كونه دولة قائمة بحكم الواقع منذ سنوات، فقد ظل محروماً من أي اعتراف رسمي على المستوى الدولي حتى عهد قريب، عندما غدا الكيان الصهيوني كأول من يمنح إقليم أرض الصومال الانفصالي اعترافاً رسمياً بوصفه دولة مستقلة. ففي 26 ديسمبر/كانون الأول 2025، كشف رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو توقيع الكيان الصهيوني وإقليم أرض الصومال الانفصالي وعن إعلان مشترك لتأسيس علاقات دبلوماسية كاملة، معتبراً أن ذلك ينسجم مع روح الاتفاقيات الإبراهيمية.
وبالرغم من الحفاوة البالغة التي قوبلت بها الخطوة في إقليم أرض الصومال الانفصالي، فإن موقف الكيان لم يلقَ تأييد أي دولة سواها. إذ أصدر الصومال — ومعه دول داخل المنطقة وخارجها — بياناً رافضاً للقرار “الإسرائيلي”، عادّاً إياه تعدياً على سيادته، في حين رفض الاتحاد الأفريقي أي خطوة أو مسعى يرمي إلى الاعتراف بإقليم أرض الصومال الانفصالي كياناً مستقلاً. وعلى المنوال ذاته، شدّد الاتحاد الأوروبي من جديد على ضرورة صون وحدة جمهورية الصومال الفيدرالية وسيادتها وسلامة أراضيها. وفي تلك الأثناء، لم تسلك الولايات المتحدة مسلك الكيان الصهيوني في الاعتراف بإقليم أرض الصومال الانفصالي كما رجّح كثيرون؛ فقد نُقل عن الرئيس دونالد ترامب قوله: “كل شيء قيد الدراسة. سندرس الأمر”.
وفي تتويجٍ لهذا المسار، ومحطةٍ وُصفت بأنها تاريخية في مسار العلاقات بين الجانبين، وصل رئيس الإقليم عبد الرحمن محمد عبد الله، المعروف باسم “عيرو”، إلى الكيان الصهيوني يوم الأحد 14 يونيو/حزيران 2026 برفقة فردوسة محمد روبلي مع وفد رفيع المستوى، ليصبح أول رئيس لإقليم أرض الصومال الانفصالي يزور الكيان الصهيوني بعد نحو ستة أشهر من الاعتراف. واستُقبل الضيف في مراسم رسمية بمقر الرئاسة في القدس المحتلة، حيث عقد لقاءً سياسياً مع رئيس الكيان الصهيوني إسحاق هرتسوغ الذي نشر صوراً وفيديو من الاستقبال عبر منصة “إكس”. وقد زار رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي وزوجته نُصب تخليد ذكرى ضحايا المحرقة “ياد فاشيم” في مدينة القدس المحتلة ووضع إكليلاً من الزهور على قبر هرتزل، إلى جانب غال غرينوالد، نائب رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، قبل أن يُختتم اليوم بعشاء جمع كبار رجال الأعمال الصهاينة في إشارة إلى مساعي الجانبين لتعميق الروابط الاقتصادية. وفي اليوم التالي، لتقى عبد الرحمن محمد وزير الخارجية جدعون ساعر ثم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، حيث توّج اجتماعاتهما بتوقيع “إعلان استراتيجي للتعاون” يشمل مجالات الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا والاستثمار والتنمية الاجتماعية، فيما قدّم رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي لنتنياهو وسام الشرف الوطني تقديراً لاعتراف الكيان الصهيوني ببلاده، واصفاً الاتفاق بأنه يرسي أساساً لعلاقة استراتيجية دائمة. وعلى الصعيد الأمني، أفادت تقارير بأن الوفد قام بإبرام اتفاقيات إطارية بشأن الأمن البحري وتبادل المعلومات الاستخباراتية، في ظل أنباء مؤكدة عن تلقّي مسؤولين ووحدات من الحرس الرئاسي لإقليم ارض الصومال الانفصالي — نحو 50 عسكرياً وضابطاً — تدريباً في الكيان الصهيوني، ونقاشات حول الأهمية الاستراتيجية لمطار بربرة ومينائها — وهو ما يتقاطع مع ما كشفته بلومبيرغ عن المسعى الإسرائيلي لإقامة قاعدة عسكرية هناك. وكان الحدث الأبرز افتتاح سفارة إقليم أرض الصومال الانفصالي رسمياً في القدس المحتلة مساء الاثنين الماضي، لتصبح السفارة الثامنة العاملة في المدينة.
البوابة الجنوبية: لماذا يقود البحر الأحمر الكيان الصهيوني إلى إقليم أرض الصومال الانفصالي؟
لفهم البواعث العميقة وراء هذا الاعتراف، لا بدّ من العودة إلى البحر الأحمر بوصفه المنفذ البحري الثاني للكيان بعد المتوسط، والشريان الذي يصل ميناء إيلات الجنوبي بآسيا وشرق إفريقيا. فمنذ أكتوبر 2023، شنّ أنصار الله حملةً مكثّفة استهدفت الكيان والملاحة الدولية في جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب، الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقطة نحو ٢٦ كم٢وتمرّ عبره نسبة وازنة من التجارة العالمية. وأطلقت خلالها مئات المسيّرات وعشرات الصواريخ الباليستية والمجنّحة والزوارق المفخّخة، مستهدفةً إيلات ومجبرةً شركات الشحن على الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بكلفةٍ باهظة. وقد تراجع نشاط ميناء إيلات — منفذها الوحيد على البحر الأحمر — بأكثر من ثمانين في المئة، بل توقّف عن العمل في صيف 2025؛ ومع أنّ الجزء الأكبر من تجارة الكيان يمرّ عبر حيفا وأشدود، فإنّ استمرار التهديد كشف هشاشة بوابته الجنوبية وحوّل تأمين هذا الممر إلى مسألة أمن قومي مباشر. وفي هذا السياق يضع المحلّلون اعتراف الكيان بإقليم أرض الصومال الانفصالي؛ بأنه يمنحه موطئ قدمٍ على الضفة الإفريقية لمدخل البحر الأحمر، قبالة باب المندب مباشرة، يتيح بناء حضورٍ أمني واستخباراتي ومنظومة إنذارٍ ورصدٍ مبكر للتهديدات اليمنية والإيرانية قبل بلوغها عمقه الحيوي — وهو ما يفسّر الأنباء عن سعيه لإقامة قاعدة عسكرية في بربرة، ليتحوّل إقليم أرض الصومال الانفصالي من كيانٍ يبحث عن اعتراف إلى ركيزةٍ متقدّمة في معادلة الأمن البحري “الإسرائيلي”. فالتغطية الرادارية والمراقبة الدائمة قبالة اليمن كفيلةٌ بتقليص زمن رصد “إسرائيل” لعمليات إطلاق أنصار الله للصواريخ والمسيرات والرد عليها، وبتعزيز استمرارية الرصد عبر خليج عدن، وبإتاحة تفكيك مسارات التهريب الإيرانية على نحوٍ أسرع. ولطالما عوّلت “إسرائيل” على تبادل المعلومات الاستخباراتية السرّي في القرن الأفريقي، كاستعانتها سابقاً بنقاط مراقبة في إريتريا جرى التكتّم على وجودها، بيد أنّ هذه الترتيبات تظل هشّة، إذ تعجز عن صون منظومات إنذارٍ دائمة أو ضمان النفاذ إلى المجال الجوي أو إتاحة دخول السفن الحربية إلى الموانئ اعتيادياً، وهي أمورٌ تستلزم اعترافاً رسمياً لتغدو مقبولة قانونياً. فالاعتراف يحيل الوصول المؤقت إلى ترتيبٍ أمني مضمون، ويُرسي طبقةً جديدة من الردع في بقعةٍ مفرطة التوتر. غير أنّ هذا الرهان لا يخلو من ثمن؛ فقد سارع زعيم أنصار عبد الملك الحوثي، مساء 28 ديسمبر 2025 — بعد يومين من الاعتراف — إلى التحذير من أنّ أي وجود إسرائيلي في الإقليم يُعدّ “هدفاً عسكرياً” وعدواناً على الصومال واليمن، ثم صعّد لهجته في 15 يناير 2026 مؤكداً الجدية “في استهداف أي تمركز إسرائيلي في إقليم أرض الصومال الانفصالي” ولن تتردد في ضربه، بل لمّح إلى أنّ زيارة وزير الخارجية جدعون ساعر للإقليم جرت سرّاً عبر إثيوبيا. ومن ثمّ فإنّ أي صورة من صور هذا الحضور قد تُزكي القدرة على إشعال حربٍ قرب باب المندب. ومع ذلك ترى “إسرائيل” أنّ المكاسب ترجح على المخاطر؛ فالحضور الاستخباراتي والبحري الرسمي يُثمر فوائد ملموسة وترتيباتٍ دائمة يتعذّر تأمينها بغير اعتراف.
إقليم أرض الصومال الانفصالي بين اعتراف إسرائيلي وتردّد أميركي على استحياء
بتاريخ 26 ديسمبر 2025 أصبح الكيان الصهيوني أول دولة تعترف رسمياً بانفصال إقليم أرض الصومال الانفصالي عن الصومال، وسارع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تبريد التوقّعات بأنّ واشنطن قد تحذو حذو “إسرائيل”؛ فقد قال في مقابلة هاتفية مع صحيفة نيويورك بوست إنّ المسألة “كلها قيد الدراسة… سندرس الأمر، أنا أدرس أشياء كثيرة وأتّخذ دائماً قرارات عظيمة تتبيّن صحّتها”. ثم أضاف بنبرة تنمّ عن الاستخفاف: “هل يعرف أحد ما هو إقليم أرض الصومال الانفصالي أصلاً؟”، كما ردّ على عرض الإقليم منح الولايات المتحدة منفذاً إلى ميناء استراتيجي على خليج عدن بكلمة واحدة ساخرة: “أمرٌ جلل!”. وتأكّد هذا التردّد لاحقاً في تقرير وزارة الخارجية الأميركية المقدّم إلى الكونغرس بعنوان «المجالات المحتملة لتحسين انخراط الولايات المتحدة مع إقليم أرض الصومال الانفصالي»، فرغم استكشافه فرص التعاون، شدّد على أنّ واشنطن لا تزال تعترف بسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية ووحدة أراضيها — التي تشمل الإقليم. وتناول ثلاثة محاور: التعاون الأمني استناداً إلى الموقع الاستراتيجي قرب باب المندب واليمن وإمكان رصد الصلات بين أنصار الله وحركة الشباب؛ والانخراط الدبلوماسي عبر سفارة مقديشو؛ والتجارة والاستثمار، لا سيما تطوير مطار وموانئ بربرة. لكنّه ختم بالتحذير من أنّ المخاوف الأمنية والنزاع حول وضع الإقليم — بما فيه رفضه التعاون مع السلطات الوطنية الصومالية — تظلّ عقباتٍ أمام الاستثمار والنشاط المصرفي والتجارة.
بين نشوة هرجيسا وغضب الشارع: شعبٌ يرفض ما احتفت به السلطة
أما شعبياً، فقد كشف الاعتراف “الإسرائيلي” فجوةً عميقة بين الحفاوة الرسمية في هرجيسا والرفض الواسع في الشارع الصومالي بضفّتيه. ففي الصومال الفيدرالي، خرج عشرات الآلاف في مقديشو وبايدوا وغوريسيل ولاسعانود يلوّحون بالأعلام الصومالية والفلسطينية معاً، رفضاً لما عدّوه تقسيماً لبلادهم وربطاً لقضيتهم بالقضية الفلسطينية. والأهمّ أنّ موجة الرفض اخترقت معقل الانفصاليين حيث اندلعت مظاهرات حاشدة رفعت الأعلام الفلسطينية، في رسالةٍ مفادها أنّ مشروع التطبيع لا يحظى بإجماعٍ داخلي حتى بين الطامحين إلى الاستقلال. فقد خرجت قبائل من خارج العشيرة المهيمنة على المشروع منددةً بما وصفته بـ “الخيانة الوطنية”، فيما شهد إقليم الشمال الشرقي “خاتمو” احتجاجاتٍ موازية تؤكّد الانتماء إلى الصومال الموحّد. وهكذا أعاد الاعتراف إحياء الخطوط الفاصلة داخل إقليم أرض الصومال الانفصالي، وكشف هشاشة “الإجماع الانفصالي”؛ فالطموح إلى الاستقلال شيء، والقبول بأن يكون ثمنه بوابةً “لإسرائيل” على القرن الإفريقي شيء آخر رفضته شرائح واسعة من السكان والزعماء الدينيين والقبليين. ولم تَخْب هذه المشاعر مع الأشهر، بل تجدّدت بحدّةٍ مع زيارة رئيس الإقليم إلى الكيان الصهيوني (14-15 يونيو 2026) وافتتاحه سفارةً في القدس المحتلة. فقد عمّقت الزيارة الفجوة بين هرجيسا ومقديشو، إذ عدّتها الحكومة الفيدرالية تتويجاً لسلسلة “توغّلاتٍ غير مصرّح بها” في سيادتها، واعتبرت افتتاح السفارة باطلاً لا أثر له. أما في الشارع، فجدّد الرفض الشعبي حضوره على ضفّتي البلاد؛ إذ رأت شرائح واسعة في مشهد رئيسٍ مسلمٍ يفتتح سفارةً في القدس المحتلة تطبيعاً مرفوضاً يقايض الشرعية الدولية بالتفريط في قضيةٍ مركزية، ويهدّد بتحويل إقليم أرض الصومال الانفصالي إلى ساحةٍ مفتوحة لصراعٍ إقليميٍّ لا ناقة لها فيه ولا جمل.
لكنّ السؤال الأعمق يبقى: أين نحن من كلّ هذا؟ إنّ توقيت القرار “الإسرائيلي” أهمّ من الحدث نفسه، فنحن في لحظةٍ قد تمثّل “نهاية الزمن العربي”، حيث الأمن الجماعي في أضعف حالاته، ومشروعات التقسيم تجري على قدمٍ وساق في سوريا واليمن وليبيا والسودان، وأخيراً الصومال، في عمليات هندسةٍ جديدة للإقليم برمّته تُنذر بتحالفاتٍ وتوازناتٍ مختلفة. ولهذا تبدو محاولة استغلال قضية الانفصال مقامرةً على أدواتٍ عفا عليها الزمن؛ فالتاريخ يُثبت أنّ الاعتراف لا يُستورد، والسيادة لا تُمنح من الخارج، والشرعية تُبنى داخل الدول لا عبر صفقات اللحظة الأخيرة. واليوم يأتي إعلان رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي عبد الرحمن عيرو، عن وصوله إلى الكيان الصهيوني في أوّل زيارةٍ من نوعها، ليصدم المبادئ الثابتة ويكشف عن استعدادٍ للارتماء في أحضان الاحتلال تحت ذريعة “البحث عن الأمل والوجود”، وكأنّ الوجود لا يتحقّق إلّا ببيع المواقف والتنكّر للتاريخ المشترك. والكيان الصهيوني لن يكون طوق النجاة لأيّ أمّة؛ ومن ظنّ أنّ شرعيته تُستمَدّ من الكيان فهو واهمٌ يطارد سراباً، وسيسجّل التاريخ أنّ هذه الخطوة لم تكن “فصلاً جديداً من الصداقة”، بل طعنةً في ظهر الأخوّة وتفريطاً بوعي الأمّة وثوابتها. إنّ الدفاع عن وحدة الصومال وسيادته وسلامة أراضيه ضرورة لاستقرار المنطقة، وكلّ الدعم والتضامن مع الشعب الصومالي في وجه المخططات الاستعمارية التي تستهدف استنزافه وتقسيمه لأغراضٍ جيوسياسية. ستبقى الصومال دولة واحدة وشعباً واحداً.
المصادر والمراجع:
وزارة الخارجية الأميركية، تقرير مقدّم إلى الكونغرس بشأن المجالات المحتملة لتحسين انخراط الولايات المتحدة مع اقليم ارض الصومال الانفصالي، القسم 7019(هـ) من قانون مخصّصات الأمن القومي ووزارة الخارجية والبرامج ذات الصلة لعام 2026 (الباب F، القانون العام رقم 119-75) وتقرير مجلس النواب رقم 119-217.
مدى موسّع: كيف يفتح الاعتراف الدبلوماسي الباب أمام تمركز الجيش الإسرائيلي في إقليم أرض الصومال الانفصالي

الصين تقرأ المشهد الدولي الراهن من منظور يرى الولايات المتحدة قوة في طور التراجع، مقابل صعود صيني كقوة ناهضة تقود عالم اليوم

تتضمن المبادرة إطاراً شاملاً يُعرف بـ “الممرات الستة والطرق الستة وبلدان وموانئ متعددة”. هذا الإطار يدمج بين الممرات الاقتصادية البرية وشبكات النقل المختلفة ويربطها عبر سلسلة من الموانئ العالمية

بعيداً عن تكرار الخطاب التقليدي الوعظي الناصح بتجنّب الطائفية والقبلية والعنصرية، التي ابتليت بها مجتمعات عديدة، وبينها مجتمعاتنا العربية، بما فيها مجتمعنا الكويتي، فإنّ الأهم

صياغة المستقبل تحتاج القدر الكبير من الحنكة السياسية والنظرة الاستراتيجية ما يدفعنا جميعاً إلى التعاون من أجل تحديد مصيرنا على مستوى الدول مجتمعة وكل على حدة



