صدر عن منشورات تكوين كتاب:
” تاريخ الكويت مما غاب عن ذاكرة المؤرخ“
للمؤلف أ. د. هشام العوضي.
المقدمة
يهدفُ، هذا الكتاب، إلى جعلِ تاريخ الكويت قصةً يقرؤها الجيلُ الجديد مستمتعًا، بالاطِّلاع على الأحداث ومعرفة ماضي المجتمع. فنحن بين جيل قديم يحنُّ إلى الماضي، وجيل جديد ومتعلِّم ضعيف الصِّلة بتاريخ الكويت، لا يعرف إلَّا أحداثًا متفرِّقة، سمعها من هنا وهناك. لهذا تزداد أعداد المؤلفات عن تاريخ الكويت، ومعها أعداد الجاهلين بهذا التاريخ، بين أفراد الجيل الجديد بشكل خاص.
غالبًا ما تركِّزُ، كُتب تاريخ الكويت، على سكَّانِ المدينة، وسِيَرِ التُّجَّار والسِّياسيينَ، والبَحر، والإنجليز، والمعارك. تاريخ غزير بلا شك، لكنه غير مكتمل، لأن عدسة المؤرِّخ التقليدي مثبَّتةٌ إلى داخل «السُّور»… وداخل «السُّورِ» فقط. أمَّا ما يجري خارج ذلك السور، فيُذكر بحسب درجة أهميته بالنسبة للمدينة. كلُّ ما سِوى ذلك سوف يُهمَل، أو سيُشار إليهِ باختصار. إنَّ سكَّانَ الباديةِ، وأهلَ القُرى والجزر، والعبيد، والمسيحيينَ، واليهودَ، هم غالبًا صَدى صوتٍ. فإذا ذُكر الصَّدى فلا بأس، وإنْ لم يُذكر فلا بأس أيضًا.
التَّاريخ التقليدي مَليء بالمعلومات، والمصادر المعروفة عند المتخصصين، لكن تندر فيهِ المراجعة النقدية، وإعادة النظر في بعض المسلَّمات التي غالبًا ما يُعاد تدويرها، من كتاب إلى آخر. وعادة ما يُصاغ النَّصُ المكتوب، في هذه المؤلَّفات، بحذرٍ شديد ورقابة ذاتية صارمة، كمن يعي سَلفًا ما هو مقبول، وما هو غير ذلك.
لكتَّاب التاريخ التقليدي طقوسٌ واضحة، عند كتابة تاريخ الكويت. الطَّقْس الأول هو الكتابة، بنبرةِ الحنينِ إلى الماضي. وفي إطار هذه النبرة، يُصوَّر الحدثُ أحيانًا، وقد يكون عاديًّا، على أنه حدثٌ فريدٌ، ومُبهِرٌ. تعمل هذه النَّزعة، على إبهار القارئ، كأنَّها تقول له: انْظر! كم كنا رائعينَ، ومتميزينَ، وفريدينَ! في محاولةٍ لصناعة عالمٍ مثاليٍّ، سَيَودُّ القارئ لو أنَّه عاشَ فيه.
الطَّقْس الثَّاني، تجنُّب ذكر ما يشوِّش أو يربك تلك النَّزعة المِثالية. وإذا كان ولا بدَّ من ذِكر حادثة تمثِّلُ نشازًا، في هذه الاحتفالية، فستُذكرُ باختصار، أو كتعليقٍ يهدف إلى التَّقليل مِن أهميَّتِها التَّاريخية.
أمَّا السَّرديةُ الجديدة، فتنطلقُ مِن زاويةٍ أخرى. فهي ليستْ منشغلةً بتحدِّي أو مُنافَسة رُواةِ التَّاريخ التَّقليديينَ. لأنَّها تعيدُ روايةَ التَّاريخ، بصورةٍ أوسع مِن نطاق سُور المدينة. فهي ليستْ سَرديةً بديلةً بالضَّرورةِ، بل هي سَرديةٌ مكمِّلةٌ. كما أنها ليستْ معنيةً بإثبات جدارتها عند جمهور المؤرِّخينَ المتخصِّصينَ، وإنْ كانتْ مؤهَّلةً من النَّاحية الأكاديمية، إنَّما همُّها هو الوصولُ إلى أكبر شريحةٍ ممكنة من الجيل الجديد، غير المتخصص.
يريدُ هذا الجيل، الجديد، أنْ يقرأ التَّاريخ على شكل قصَّة عن أناسٍ يشبهونه. أناسٌ عاشوا قبل النفط، ومع هذا كانت همومهم واهتماماتهم، قريبة من اهتماماته: الأُسْرة، والعمَل، وتحدِّيات الحياةِ اليومية المختلفة.
كما يريد أن يجدَ له مكانًا في كويت الماضي، خاصة وأن أجدادَهُ لم يكونوا بالضَّرورةِ مِن النُّخبة، أو لم يسكنُوا المدينةَ، رُبَّما سكنوا الباديةَ، أو الجزيرةَ أو القريةَ. لدى هذا الجيل استعدادٌ للتَّخلِّي عن بعض التفاصيل التي تهمُّ جمهورَ المتخصِّصينَ. نعني التفاصيل المثقلة بالسَّنوات، والإحصائيات، والحواشي ذات الضَّرورة في الكتب الأكاديمية.
يريد هذا الجيل سَرديةً غير اعتذاريةٍ، ولكنها جريئةٌ ومتَّزنةٌ. بعيدةٌ عن جفافِ الأسلوبِ الأكاديمي، وقريبةٌ من اهتمام الإنسان العادي. تاريخ لا يقتصرُ على شريحةٍ معينةٍ، ولكنه يشمل جميع الشَّرائح، بتناولٍ موضوعيٍّ ومُنصِفٍ للجميع.
ذلك تحديدًا ما يحاول هذا الكتاب تحقيقَهُ…
لقد حاول الفصل الأول، «البادية»، إعادة الاعتبار لأهمية البادية مقارنةً بالمدينة. فكثيرًا ما يتم التركيز على التُّراث البَحري، مقارنةً بالتُّراث البّرِّي. عِلمًا بأنَّ الميناء ما كان ليزدهرَ، لولا القوافل التي كانت تنقل، البضائع المستوردة من الهند وشرق إفريقيا، إلى أسواق نجد، والعراق والشام. بل لعبتِ الباديةُ الدور الأكبر في إنقاذ المدينة من الانهيار الاقتصادي، خلال الفترة ما بين كساد تجارة اللُّؤلؤ وظهور النفط، أي في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي.
بينما تناول الفصل الثاني، «البدو»، الدَّورَ المركزيَّ الذي لعبهُ سكَّانُ الباديةِ في نشأة الكويت. فقبلَ تحديد الحدود، كانت قوة الحاكم في المدينة، تقاس بمَدى قدرتهِ في بسْط سلطان نفوذهِ على البادية. مكَّنت هذه السلطة الحاكمَ من توسيع نفوذه الجغرافي، الذي يعود بالنفع على سكَّان المدينة أنفسهم. ولكن بدلًا من التقسيم الصارم بين البدو والحضر، أكَّد الفصلُ على تكامل الفئتيْنِ، وأهمية دورهما التاريخي.
كما أكد الفصل الثالث، «القُرى والجزر»، على أن تلك الجُزر والقرى، لم تكن مجرد امتدادات جغرافية أقلّ أهميةً من المدينة. بل هي حواضر سكَّانية، لعبتْ أدوارًا مستقلة، فاقت أحيانًا دور المدينة. لقد كانت القُرى -الجهراء مثلًا- هي مقر مرابطة الجيش، الحامي لسكَّان المدينة، والمكان الآمِن لِلقاء وتفاوض كِبار الشَّخصياتِ، بعيدًا عن أعيُن وجواسيس القوى الأخرى، المتواجدة في المدينة. كما كانت الجُزرُ -مثل فيلكا- المكانَ الذي تُمارَس فيه بعضُ الطُّقوسِ الدِّينية، غير المقبول بمُمارستِها في المدينة. الأهمُّ، هو دور الجُزُر، مثل بوبيان، في ترسيم حدود الكويت.
أمَّا الفصل الرابع، «عرب فارس»، فتناولَ أزمة الهُوية التي تواجه العربَ القادمين من فارس، الذين استقروا في الكويت. لقد قدِموا من بلادٍ، لم تعد مقبولة بين العرب، لأسباب سياسية مختلفة، وصارَ إثبات العروبة هو التَّحدي، الذي يواجه هؤلاء العرب إذا ما أرادوا الاندماج في المجتمع، دون متاعب. وهو تحدٍّ جدِّيٌّ. سيبقى موضوع عرب فارس شائكًا ومثيرًا للجدل، دائمًا.
كما كان الفصل الخامس، «العبيد»، شائكًا أيضًا. فالتصوراتُ الخاطئة، التي نحملها عن العَبِيد، جعلت تناول هذا الموضوع، حسَّاسًا ومُحرِجًا. ولهذا لا يتناوله المؤرِّخون التَّقليديُّون، عندما يكتبونَ عن تاريخ الكويت. هذا علمًا بأنَّ شريحةَ العبيد، داخلةٌ في تُراثِنا الشَّعبي، والبَحري، واللُّغوي، بشكلٍ أو بآخر. بالتَّالي، فإنَّ أية دراسةٍ تتناولُ تاريخَ الكويت، وتغفلُ الإشارةَ إلى العَبيد، هي دراسةٌ غيرُ مكتملةٍ. بقيَ أن نؤكد على أمريْن هامَّيْنِ: أولًا، إنَّ العَبيد، لم يكونوا من أصلٍ واحد، أو لون بشرة معينة، بل من أصولٍ وألوان بشرةٍ مختلفة. ثانيًا، إنَّهم لم يكونوا عَبيدًا أصلًا، بل كانوا أحرارًا اُختُطِفوا من أوطانهم، ظُلمًا وعدوانًا.
إلى ذلك، فقد تناول الفصل السادس، «غير المسلمين»، تاريخَ اليهود والبهائيين والمسيحيين في الكويت. لقد وفدَ معظمُ البهائيين من إيران، ومعظم اليهود والمسيحيين من العراق. استمرَّ وجود اليهود، حتى أحداث فلسطين، التي أنهت وجودهم، والتَّغيير في قانون الجنسية، الذي حدَّ من زيادة أعداد المسيحيين والبهائيين الكويتيين.
بينما تناول الفصل السابع «المنسيون»، بعضَ الشَّرائح التي سقطت من ذاكرة المؤرِّخ التَّقليدي، شرائح من قبيل الفقراء، والمرضى، والمجرمين، والأطفال. ينبغي لتاريخ الكويت أن يشمل جميعَ مَن سكن الكويت مِن سكَّان المدينة، والبادية، والقرويين، و«عريبدار»، وأهل الجُزُر، وذوي الإعاقات، والعمَّال، والوافدين، أيًّا كانت أعدادُهم وشؤونُهم، ومحالُّ إقامتهم.
يتناولُ هذا الكتاب تاريخ الناس، لا تاريخ النخبة. وفي تاريخ الناس، ليس ثمَّة نبرة طاغية، أو رؤية أحادية، أو تعميم مثالي، بل الاختلاف والتنوُّع، حتى لو كان هذا التنوُّع بسبب شريحةٍ محدودةٍ من النَّاس. فهذه الشريحة، وغيرها من الشَّرائح الأخرى، هي التي ساهمت في كتابة تاريخ الكويت.
نحن نعرف أن الواقع التاريخي ليس صوتًا واحدًا، فهو مشهدٌ بشريٌّ طويلٌ من الأصوات والأفكار والأماكن. إنَّه قوس قزح من الألوان الطبيعية، تلك التي لا يملك أحدٌ أن يقول أمامها إنَّ لونًا بعينه أجملُ أو أهمُّ مِن باقي الألوان.
تاريخ الكويت، هو ألوان هذا القوس قزح الطَّبيعية، ولا يمكنُ لنا تَجاهلُ أيِّ لونٍ من ألوانه.
اضغط هنا للحصول على الكتاب من مكتبة تكوين
-
دار نشر تأسست عام 2017، مقرها الكويت والعراق، متخصصة في نشر الكتب الأدبية والفكرية تأليفاً وترجمة.
View all posts