عندما نتحدث عن الحاجة إلى إطلاق مبادرة عربية بديلة ومختلفة فنحن هنا لا نتحدث عن إحياء ما كان يُسمى “المبادرة العربية”، التي أطلقتها قمة بيروت في العام ٢٠٠٢ وتجاوزها الواقع ولم تعد ذات معنى، وإنما ننطلق من أنّ حال الأمة العربية هو اليوم أحوج ما يكون إلى عملية إنقاذ سريعة توقف التفكك والتدهور وعلى أمل الاستفادة من بعض التحولات الجارية في العالم والمنطقة لتحقيق درجة من التماسك في الموقف العربي، ومحاولة استعادة القدرة على التعامل في الحد الأدنى مع ما تواجهه الأمة العربية ككل بأنظمتها وشعوبها من تحديات وجودية وفي مقدمتها العربدة الصهيونية، التي أسقطت بالفعل والقول أوهام الرهان، نهائياً، على ما كان يُدعى بمعادلة الأرض مقابل السلام وحلّ الدولتين واتفاقيات أوسلو…ناهيك عن الحروب الأهلية، التي مزّقت العديد من المجتمعات العربية وفتت كياناتها السياسية… هذا غير الخضوع التام للهيمنة الإمبريالية وفقدان الإرادة السياسية المستقلة، رغم ما أصاب النظام الإمبريالي العالمي من هزات وتداعيات وما اتضح من عجزه عن توفير الحماية الموعودة لحلفائه من الأنظمة العربية… وانكشاف عجز النظام الرسمي العربي عن تقديم أبسط أشكال التضامن حتى الإنساني منها مع الشعب العربي الفلسطيني، مثلما اتضح بجلاء في غزة، من دون أن نتجاهل التواطؤ المكشوف مع العدو من بعض الأطراف العربية.
وبالنسبة لنا فإنّه ليست لدينا أية أوهام حول الطبيعة الطفيلية والمصالح الأنانية الضيقة للأطراف المهيمنة في غالبية الأنظمة العربية، التي شكّلت الأساس الموضوعي لعلاقات التبعية وحالة العجز، وبالتالي فنحن لسنا بصدد الرهان على أن تنتج هذه الأطراف مشروعاً تحررياً وطنياً… ولكننا نرى خمسة معطيات وتبدلات أصبحت تشكّل أسساً يمكن البناء عليها لالتقاط الفرصة ولوضع حدّ لحالة التدهور واستعادة شيء من التماسك في الموقف العربي:
أولها: العنجهية الصهيونية، التي تمادت وأصبحت تهدد علانية الأنظمة العربية نفسها، بدءاً من التمسك الصهيوني المعلن بما يسمى “مشروع إسرائيل الكبرى”، مروراً بمؤامرة تهجير الفلسطينيين إلى البلاد العربية، وصولاً إلى التبجح بالرد على الدعوة السعودية لإقامة الدولة الفلسطينية بأنّ مكانها هي الأراضي السعودية، وانتهاز ما حدث في سورية لتمدد رقعة احتلال المزيد من أراضيها، وكذا حال توسع الاحتلال الصهيوني في جنوبي لبنان، والمجاهرة بإعلان سقوط اتفاقيات أوسلو الساقطة أساساً، والوصاية الفجّة على حقّ مصر في تسليح جيشها وانتشاره، ودعم الكيان الانفصالي في الصومال… وهذا ما يفرض بالضرورة على الأنظمة العربية مهما بلغ عجزها درجة من الحذر والاحتياط، وإدراك حقيقة أن الكيان الصهيوني بات يمثل خطراً وجودياً على أمن المنطقة واستقرارها ويهدد أمن أنظمتها نفسها، مثلما يهدد شعوبها.
وثاني هذه المعطيات: التدهور غير المسبوق لسمعة الكيان الصهيوني على الصعيد العالمي بعد جرائم الإبادة في غزة، وحالة التضامن المتنامية للرأي العام الشعبي في غالب دول العالم بما فيها بلدان الغرب الإمبريالي مع القضية الفلسطينية، واتساع المطالبات بما فيها الحكومية منها بضرورة إيجاد حلّ سياسي للقضية الفلسطينية.
وثالثها: بدء تشكّل ملامح نظام دولي جديد على أنقاض النظام الدولي الأحادي القطب الذي يعيش أزمة عميقة على مستوى بنيته الداخلية وقيمه وقوانينه ومؤسساته، كما يعاني من اختلالات متزايدة في موازين القوى والعلاقات الدولية، بما في ذلك مع أقرب حلفاء المركز التاريخيين في أوروبا.
ورابعها: ما بدأ يتشكّل من ملامح لشرق أوسط مختلف في ظل فشل المشروع الأميركي – الصهيوني لإعادة تشكيل المنطقة وفق ما سُمّي بـ”الشرق الأوسط الجديد”، وهو المشروع الذي انحسر وتقلصت آفاقه مع تراجع قدرة أطرافه على فرض وقائعه بالقوة، خصوصاً بعدما فرضت إيران نفسها بعد الحرب كقوة إقليمية ذات تأثير مقرر.
وخامس هذه المعطيات: ما كشفته الحرب الأخيرة والهجمات الإيرانية المرفوضة على بلدان الخليج من ضرورة إعادة النظر جديّاً في سياسة الاعتماد على الحماية الأميركية، ناهيك عما يمثله الوجود العسكري الأميركي المباشر في المنطقة من تحديات ومخاطر وتهديدات.
ولعله يمكن البناء على هذه المعطيات الخمسة للتوافق على أسس لإطلاق مبادرة عربية بديلة ومختلفة لتحقيق الحدّ الأدنى من الأمن العربي الجماعي، بحيث تتضمن مثل هذه المبادرة المأمولة خطوات ملموسة باتجاه:
١- التعامل مع الكيان الصهيوني ككيان احتلال معاد وعدواني وعنصر تهديد وخطر يستهدف المنطقة وأمنها.
٢- توفير مستلزمات دعم صمود الشعب العربي الفلسطيني في وجه الاحتلال، ورفض مؤامرات التهجير، والتمسك بمطلب الدولة الفلسطينية المستقلة، وتجميد اتفاقيات التطبيع وإعادة النظر فيها.
٣- التحرك لبناء منظومة دفاع وأمن قومي عربية وتطوير اتفاقية الدفاع العربي المشترك، مع تعزيز القدرات الدفاعية لدول الطوق المحيطة بفلسطين المحتلة، وإصلاح جامعة الدول العربية وتطويرها كمؤسسة تحقق التضامن العربي.
٤- بذل جهود لإطفاء بؤر التوتر والحروب الأهلية المدمرة في ليبيا والسودان، والمسارعة إلى التوصل إلى حلّ سياسي عادل في اليمن.
٥- عقد معاهدة إقليمية لعدم الاعتداء وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والحفاظ على السلم والأمن في منطقة الخليج.
٦- التوجّه بشكل جماعي للانضمام الكامل إلى مجموعتي بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، بما يفتح آفاقاً أوسع للتعاون الاقتصادي والأمني ويؤسس لاندماج أكبر ضمن فضاء التعاون الآسيوي الصاعد.
٧- إطلاق مشروع تنمية عربي مشترك.
٨- تماسك الجبهات الداخلية في البلدان العربية عبر الانفتاح على الشعوب العربية وإطلاق حرياتها وتحقيق المشاركة الشعبية.
ويبقى السؤال، ترى هل ستتمكن الأنظمة العربية من إدراك خطورة ما تواجهه من تحديات وأخطار وجودية بحيث تلتقط ما يتشكّل من فرص جديدة في ظل التحولات الجارية في العالم والمنطقة لتتوافق على هكذا مبادرة؟ أم أنّ “الشقّ عود” كما يقول مثلنا الشعبي الكويتي؟