
تاريخ التدخلات الأميركية في الصومال
في الذكرى الثالثة والثلاثين لمعركة مقديشو، نعود الى ٣ أكتوبر ١٩٩٣ حين سقطت مروحيتان أميركيتان من طراز بلاك هوك فوق أحياء العاصمة. ولم يسقطهما جيش
صدر عن وزارة الصحة الكويتية القرار الوزاري رقم (٢٢٥)، وذلك في شهر أغسطس ٢٠٢٦ بشأن لائحة الاشتراطات والضوابط عامة لتراخيص مزاولة المهنة لتقديم العلاج النفسي والاستشارات النفسية في القطاع الطبي الحكومي والقطاع الطبي الأهلي والاشتراطات والضوابط الواجب توافرها في المنشآت الصحية الأهلية المرخصة لتقديم العلاج النفسي والاستشارات النفسية. القرار لم يأتِ من فراغ، بل سبقته مطالب وتحركات مهنية لتنظيم ممارسة العلاج والاستشارات النفسية وحماية المراجعين من انتحال الصفات المهنية والممارسات غير المستندة إلى أدلة علمية.
وواضح من هذا القرار أنه يهدف إلى ضبط الوضع الصحي وعدم الاستغلال من قبل أشخاص أو مؤسسات خاصة تتلاعب بعقول الناس، وتوهمهم بأن لديها “العلاج السحري” لحالاتهم المرضية، والنفسية منها على وجه الخصوص. لذلك، شمل هذا القرار، حظر جميع الأنشطة التي تُقدم تحت أي مسمى أو وصف، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر: التوجيه الحياتي أو الإرشاد الحياتي أو تطوير الذات أو تنظيم التفكير أو السلوك، متى كان من شأن تلك الأنشطة التأثير على الحالة النفسية أو السلوكية أو العاطفية للفرد، إلا من خلال مزاولة مهنة مرخص لها في العلاج النفسي وضمن برنامج علاجي أو تدريبي مستند إلى الأدلة العلمية. ولذا، فقد حظر القرار استخدام أي ألقاب أو توصيفات، مثل معالج نفسي أو مستشار نفسي، أو موجه للحياة، أو غيرها من المسميات التي تفيد أو توحي بتقديم خدمات نفسية للجمهور، متى كان استخدامها في سياق الإعلان أو الترويج أو تقديم الخدمات، بأي وسيلة كانت، بما في ذلك الوسائل الإلكترونية أو منصات التواصل الاجتماعي، وبما يؤدي إلى إيهام الغير بممارسة خدمات تدخل ضمن نطاق العلاج النفسي أو الاستشارات النفسية الخاضعة للترخيص.
وإلى هنا، فالمسألة طبيعية ومنطقية ومقبولة، وهي تدخل ضمن تنظيم القطاع الصحي وعدم تداخله مع أنشطة تمارسها جمعيات أهلية، أو مؤسسات خاصة مسجلة ومرخصة كالأندية الصحية، أو المراكز الخاصة وأندية الرشاقة والمساجات والارتخاء الجسدي أو النفسي. وذلك مقابل رسوم مالية للاشتراك في هذه الدورات “العلاجية” الروحانية تحت إشراف “اختصاصيين” و”استشاريين” يحملون “شهادات” من معاهد مختصة لهذه “الرياضات” الروحانية والعضوية. وبهدف عدم خلق التداخل بين العلاج الصحي، والممارسة الخاصة الحرة للإنسان في البحث عن ملاجئ للراحة الجسدية والنفسية والروحية والتأملية، كحق إنساني، بشرط عدم إعطاء “أوهام” علاجية من قبل مدربين غير اختصاصيين لا ينطبق عليهم المعايير المهنية والطبية. وعليه فقد حدد القرار الوزاري الكويتي، الأساليب أو المسميات التي يشملها الحظر (المنع)، والتي يتم الإعلان عنها باعتبارها نوع من أنواع العلاج النفسي. ومنها: العلاج بالموسيقى، العلاج بالدراما، تنظيم الجهاز العصبي أو العلاج بالتنفس التحولي أو الوعي التنفسي أو العلاج بالتنفس أو التنويم الايجابي. وذلك إذا ما تم تقديمها من قبل أشخاص غير مرخص لهم بمزاولة خارج منشأة مرخصة، أو على نحو لا يتفق مع المعايير المهنية. أي إنه تم حظر تقديم أي خدمات نفسية تحت مسمى الاستشارات النفسية إذا كانت لا تستند إلى أسس علمية معترف بها من قبل الجهات الفنية المختصة، أو كانت تندرج تحت ممارسات غير قائمة على أدلة علمية معتمدة، أو تُقدم على قدرتها على علاج الاضطرابات النفسية دون سند مهني، أو ممارسات زائفة، أو وهمية، أو غير علمية، وذلك بغض النظر عن المسميات المستخدمة أو طريقة تقديمها أو الترويج لها.
ولذلك أشار القرار إلى بعضها، على سبيل المثال لا الحصر، وهي: العلاج بالطاقة والريكي – العلاج البراني- التشي كونغ، أي تقنية طاقة الحياة، بالتحكم في التنفس، وتسمى أيضاً بزراعة طاقة الحياة- علم التوكيدات؛ وهو ممارسة نفسية وسلوكية تعتمد على تكرار عبارات إيجابية وموجّهة بهدف إعادة برمجة الأفكار اللاشعورية، واستبدال المعتقدات السلبية بأخرى إيجابية تعزز الثقة بالنفس والتحفيز. وبالتالي التأثير على العقل الباطن الذي يتقبل التكرار كحقيقة، فيعدّل السلوك والتوقعات بناءً عليه. وبينما تعمل التشي كونغ على توازن الطاقة عبر الحركة والتنفس، يعمل علم التوكيدات على توازن العقل عبر اللفظ والتفكير؛ وهما وجهان لعملة واحدة في الطب التكميلي الصيني لتحقيق التكامل بين الجسد والعقل- دورات توازن طاقة الانوثة والذكورة- البرمجة اللغوية العصبية- البرمجة المعرفية – الهندسة الذهنية والنفسية – تفعيل التنشيط الجيني النفسي؛ أي التفاعل الحيوي بين العقل والجينات، حيث تعتبر هذه التقنية بأن صحتنا النفسية ليست منفصلة عن بيولوجيتنا، بل هي أداة قادرة على إعادة برمجة عملها على المستوى الجزيئي، وذلك لـ ٩٨٪ من الجينات قابلة التأثير عليها، عكس ٢% فقط من الجينات الثابتة والتي لا يمكن التأثير عليها- الإعداد النفسي أو العصبي الروحي أو تفعيل موجات الدماغ أو موجات ألفا- العلاج بقانون الجذب – العلاج النفسي باليوغا- العلاج بالتحكم بالنفس – العلاج بالديانا؛ لم أتمكن من الحصول على تعريف محدد له، وقد يكون علاج للهرمونات العصبية والجنسية بالأعشاب أو الحبوب الكيميائية أو بالكهرباء- العلاج بالقطبية، وهو نوع من الطب البديل يعتمد على فكرة موازنة طاقة الحياة في الجسم، ويُعتقد أنها الأساس في الصحة والمرض. وهو دمج الممارسات الطبية التقليدية مع الحكمة الشرقية في العلاج. من خلال تدفق الشحنات الإيجابية في المجال الكهرومغناطيسي للجسد التي تتحكم في تدفق الطاقة، وأي انسداد أو خلل في هذا التدفق يؤدي إلى المرض. لذا، يهدف العلاج إلى إزالة هذه الانسدادات وإعادة التوازن، عبر اللمس والتدليك أو وضع اليدين فوق الجسد لتعديل تدفق الطاقة، وغالباً تستخدم هذه التقنية للتخفيف من الإجهاد، الألم المزمن، القلق، الاكتئاب، والإعياء المصاحب للسرطان. ويختلف هذا العلاج عن العلاج بالريكي الذي يقتصر على اللمس لنقل الطاقة، بينما القطبية تشمل النظام الغذائي والتمارين والإرشاد. -العلاج بالتأمل- العلاج الايقاعي وتناغم الأنماط والوضوح الذهني- العلاج وتقنية الحرية النفسية- العلاج بخط الزمن؛ وهو تقنية علاجية نفسية ضمن البرمجة اللغوية العصبية (NLP) التي تعتمد على فكرة أن كل شخص يختزن ذكرياته ومشاعره على شكل “خط زمني” وهمي في عقله يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل.
يهدف العلاج إلى إزالة المشاعر السلبية والمعتقدات المقيدة المرتبطة بأحداث الماضي، واستبدالها بأخرى إيجابية- العلاج النفسي بتحليل لغة الجسد – العلاج بخط اليد – العلاج بالألوان – العلاج بالأصوات أو موجات الأصوات – العلاج بحقل الفكر – العلاج بالذبذبات – العلاج بالموجات – العلاج الروحاني – العلاج الكوني أو بذور النجوم، وهو علاج ديني مؤمن بأن أصل طاقة الإنسان جاء من الكون الخارجي، وأن الإنسان نفسه قد جاء من بذور النجوم – الاسقاط النجمي؛ وهو ليس علاجاً نفسياً معترفاً به علمياً، بل هو ممارسة روحانية تعتمد على فكرة انفصال “جسد الطاقة” (الجسم الأثيري) عن الجسد المادي، والسفر به إلى عوالم أخرى بغرض الشفاء – علاج وتدقية الشاكرا؛ هو ممارسة ضمن الطب البديل تعتمد على فكرة وجود مراكز طاقة رئيسية في الجسم، وعددها سبع شاكرات تمتد على طول العمود الفقري، وتهدف إلى موازنة وتنقية هذه المراكز لتحقيق الصحة النفسية والجسدية. ويُعتقد أن كل شاكرا مرتبطة بغدد وأعضاء معينة، وحالتها (نشطة أو منغلقة) تؤثر على الصحة الجسدية والعاطفية.
ولا توجد طريقة واحدة، بل تشمل تقنيات متنوعة لتحفيز تدفق الطاقة: اليوغا والتأمل والتنفس: تمارين وتركيز ذهني للاسترخاء وتنشيط الطاقة. العلاج بالألوان والبلورات باستخدام أحجار كريمة أو ألوان محددة لكل شاكرا. العلاج بالصوت: استخدام أصوات أو أوعية معدنية لإحداث اهتزازات. اللمس والتدليك: تقنيات مثل الريكي (العلاج بالطاقة الياباني) والعلاج بالقطبية. العلاج العطري: استخدام الزيوت العطرية في الحمام أو التدليك. الوخز بالإبر لتحفيز مسارات الطاقة. علاج وتلقية الاورا أو حقل الطاقة؛ هو ممارسة روحانية بديلة تعتقد بوجود مجال طاقي غير مرئي (يُسمى الأورا أو الهالة) يحيط بالجسم المادي، ويهدف إلى تنظيفه وإزالة الشحنات السلبية العالقة فيه لاستعادة التوازن الصحي والنفسي – العلاج بالأحجار والكريستالات – التنويم المغناطيسي المسرحي أو الزائف – أو غيرها من الممارسات المماثلة.
وواضح بأن كثرة من هذه العلاجات قد انتشرت وانتقلت إلى تلك الأندية الصحية والمؤسسات الأهلية أو الخاصة التي تعلن بين الحين والآخر عن إقامة دورات تدريبية وورش عمل، مقابل رسوم محددة “للاستشاريين” و”المعالجين” المختصين في هذه “الرياضات!”. والمتخرجين من معاهد ومراكز منتشرة في دول شرق آسيا، كالهند وتايلند واليابان، ولعل الصين المعاصرة أيضاً. ولذا، لم يغفل القرار بالإشارة لذلك، حيث حَظرَ استخدام أو تقديم أي ممارسات أو أساليب أو برامج ذات طبيعة نفسية أو سلوكية، متى قُدمت خارج سياقها المهني الصحيح، أو دون استناد إلى بروتوكولات علاجية معتمدة، أو دون تأهيل مهني مناسب، أو إذا تم تقديمها من قبل أشخاص غير مرخص لهم بمزاولة المهنة وفق أحكام هذا القرار، أو خارج منشأة صحية مرخصة لتقديم الخدمات النفسية، أو على نحو لا يتفق مع المعايير المهنية المعترف بها، أو دون الالتزام بأسس علمية قائمة على الأدلة، أو إذا قدمت تحت مسميات بديلة أو عامة بقصد “التحايل”، أو ضمن إطار “تدريبي أو تثقيفي أو تنموي رغم تضمنها في حقيقتها تدخلاً نفسياً أو علاجياً”، أو إذا تضمنت “ادعاءات مباشرة أو ضمنية بعلاج اضطرابات أو أعراض نفسية أو سلوكية” دون سند مهني مرخص.
كيف تم إقحام “الصحة النفسية” في الاقتصاد العولمي؟
ظاهرة انتشار “عيادات” وأندية للاستشفاء النفسي، ازدادت بشكل ملحوظ، وذلك منذ أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. بل وقد وصلت هذه الظاهرة إلى أروقة الحكومات، وفي مقرات كبريات الشركات. فما هي جذور هذه الظاهرة الجديدة؛ النفسية الاجتماعية الاقتصادية، التي سميت لدى البعض بصعود “صناعة” الصحة والسعادة.
أصدر المجلس الوطني للثقافة والعلوم والآداب بدولة الكويت، ضمن سلسلة “عالم المعرفة” ترجمة لكتاب “صناعة السّعادة، كيف باعت لنا الحكومات والشركات الكُبرى الرفاهية؟”. للدكتور ويليام ديفيز. وقد أشار هذا الكتاب إلى جذور اهتمام عمالقة الاقتصاد العالمي بتحويل “الصحة النفسية والسعادة” إلى “سلعة” تباع وتشترى، ومن ثم تحقق أرباحاً خيالية لهؤلاء المحتكرين بمفاصل الحياة! وفي مقدمة هذا الكتاب يوضح بأنه منذ تأسيس المنتدى الاقتصادي العالمي في عام ١٩٧١، صار اجتماعه الذي ينعقد سنوياً في مدينة دافوس السويسرية، بمنزلة مؤشر مفيد لروح العصر الاقتصادي العالمي؛ إذ تستقطب هذه الاجتماعات، التي تستمر بضعة أيام، مديرين تنفيذيين، وكبار السياسيين، وممثلين لمنظمات غير حكومية، وقلة من المشاهير المهتمين بمعالجة القضايا الرئيسة التي تواجه الاقتصاد العالمي، وصناع القرار المعنيين بتلك القضايا. لم تكن اهتمامات المنتدى في سبعينيات القرن المنصرم، تتجاوز تدهور نمو الإنتاجية في أوروبا. وفي الثمانينيات، أصبح شغله الشاغل إزالة قيود السوق. وفي التسعينيات برز الابتكار والإنترنت، ثم بحلول العقد الأول من القرن الجديد وحالة الانتعاش التي شهدها الاقتصاد العالمي، بدأ المنتدى بتبني اهتمامات أكثر «اجتماعية» إلى جانب هاجس الأمن الذي شغل العالم بشكل واضح عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر. أما خلال السنوات الخمس التي تلت الانهيار المصرفي في عام ٢٠٠٨، فقد انصبت اهتمامات اجتماعات دافوس على كيفية استعادة حالة الانتعاش التي كان الاقتصاد العالمي قد شهدها من قبل. لكن في اجتماع ٢٠١٤ كان وسط الحاضرين من المليارديرات ورؤساء الحكومات، مشارك مختلف؛ كان راهباً بوذياً. وقد سنحت الفرصة للوفود الرسمية في كل صباح، قبل بدء وقائع الاجتماع، للتأمل برفقة الراهب وتعلم تقنيات الاسترخاء. لم يلجأ منظمو دافوس، إلى أي راهب فقط. إذْ كان هذا الرجل راهبا نُخْبويا حقيقياً، إنه الدلاي لاما-أي السيد الروحاني للمحيط- هو القائد الديني الأعلى للبوذيين التبتيين، ولُقِبَ بـ “ملك التبت” و”خليفة بوذا” في نظر أتباعه. اسمه الحقيقي “تينزن غياتسو” (الدالاي لاما الرابع عشر). ويُمثل القيادتين الروحية والدنيوية في التبت. حيث غادر التبت إلى الهند إثر احتلال القوات الصينية للتبت في عام ١٩٥٩ م وأسس هناك حكومة تبتية في المنفى. وكان يرافق هذا الراهب البوذي، مترجمه البيولوجي الفرنسي، ماثيو ريكارد. وقد كان ريكارد معروف عنه بأنه كان يعطي دروساً عن موضوع السعادة ضمن سلسلة مؤتمرات عالمية عقدت سنوياً، تحت رعاية مؤسسة Sapling الأميركية، تهدف إلى التعريف بأفكاره الجديدة ونشرها مجاناً على الويب من خلال الرابط: www.ted.com. وقد أشتهر من جراء ذلك، بأنه «أسعد رجل في العالم». كان حضور ريكارد اجتماعات دافوس في عام ٢٠١٤ تعبيراً عن تحول نوعي في برامج دافوس مُقارنة بالسنوات السابقة. كان المنتدى مشغولاً بأحاديث عن الاستغراق العقلي Mindfulnes، وهي تقنية للاسترخاء تشكلت من توليفة من علم النفس الإيجابي والبوذية والعلاج المعرفي السلوكي وعلم الأعصاب، وقد عُقدت خمس وعشرون جلسة في اجتماعات دافوس حول مسائل تتصل بالصحة العقلية والبدنية، وهو عدد كبير لموضوعات روحانية ونفسية في مؤتمر اقتصادي عالمي!. ورويداً رويداً، انكشفت النوايا من وراء ذلك. بدأت تظهر في جلسات المؤتمر، شعارات «الصحة ثروة»، وصارت مسارات هذه الجلسات تتداول إمكانية “تحويل مزيد من الرفاهية إلى رأس المال”!. لذلك لم يكن مدهشاً، نظراً إلى الفرصة الفريدة التي وفرها حشد هذا العدد الهائل من كبار صناع القرار في العالم في مكان واحد، أن تتحول هذه الاجتماعات أيضاً إلى مشهد ضم عروضاً تسويقية ضخمة لشركات تبيع أجهزة وبرمجيات ونصائح تستهدف دعم مزيد من الاستغراق العقلي وأنماط حياتية أقل إرهاقاً. لكن، تجاوزت هذه الاجتماعات، مُجرد الحديث؛ إذْ تسلم كل عضو في وفد دولته، أداة تُلصق بجسده وتزود هاتفه الذكي بتحديثات مستمرة لتقييم نشاطه الصحي الراهن، حيث يُنقل هذا التقرير إلى المستخدم في حالة ما إذا كان لا يمشي أو ينام بالقدر الكافي مثلاً. وقد تمكن الحاضرون في دافوس من “استبصار” مفاهيم جديدة بشأن أنماطهم الحياتية والنفسانية وحالاتهم الصحية، بل استطاعوا إلقاء نظرة خاطفة على مستقبل يُمكن فيه تقييم أي سلوك من ناحية أثره على العقل والجسم. لقد أمكن جمع أشكال من المعرفة لم تكن متاحة في السابق إلا داخل مؤسسة متخصصة كمُختبر أو مَصَحة، وها هي تتحول إلى “سلعة”! معروضة في الأسواق، ومعلنة في جميع وسائل الفضاء الإلكتروني.
هذا ما كان يستحوذ على تفكير نخبنا العالمية قبل أكثر من عقد من زماننا هذا، فلم تعد السعادة بمختلف مظاهرها مُجرد إضافة سارة إلى العمل الأهم وهو جني المال، ولا اهتماماً من اهتمامات فئة في المرحلة العمرية الشبابية. بل هي الآن، بوصفها كيانات مرئية يمكن قياسها وتحسينها. نعم “صناعة” السعادة قد اخترقت قلعة إدارة الاقتصاد العالمي. إذا كان المنتدى الاقتصادي العالمي يشكل مرشداً ما للاقتصاد العالمي، فإن مستقبل الرأسمالية الناجحة يتوقف على قدرتنا على التصدي للضغوط النفسية والبؤس والمرض، ووضع الاسترخاء والسعادة والصحة بالمكانة اللائقة. لقد أصبحت التقنيات والمقاييس والتقانات متاحة الآن لتحقيق ذلك، وهي تغزو مقر العمل والشارع والمنزل وجسم الإنسان. وشيئاً فشيئاً، بدأ عدد من الوكالات الإحصائية الرسمية حول العالم الرأسمالي بإصدار تقارير دورية عن مستويات «الرفاهية القومية». كما تم الترويج لحركة علم النفس الإيجابي للتقنيات وشعارات يستطيع الناس من خلالها تحسين إحساسهم بالسعادة خلال حياتهم اليومية. وقد اختُبرت بالفعل فكرة إضافة بعض تلك الطرائق لمناهج المدارس لتدريب الأطفال على السعادة! وبدأ عدد متزايد من الشركات بتوظيف «مديرين للسعادة»، بل أصبحت دولاً تنشئ وزارات للسعادة! في حين يوجد داخل غوغل (Google) مُعلم تنمية روحانية لنشر الاستغراق العقلي والتعاطف. وينصح مستشارو السعادة الاختصاصيون أرباب العمل بخصوص طريقة إبهاج موظفيهم، والعاطلين عن العمل حول كيفية استعادة حماستهم للعمل. ويُثبت علماء الأعصاب كيف أن السعادة والتعاسة تحفزان فيزيائياً داخل الدماغ، ويتلمسون تفسيرات عصبية لبيان السبب وراء تحسين الغناء والخُضرة لرفاهيتنا العقلية. كما يزعمون اكتشاف الأجزاء الدقيقة بالدماغ المسؤولة عن توليد الانفعالات الإيجابية والسلبية بما في ذلك منطقة تُحرض «الإحساس بالرضا» حين تحفز، و«مفتاح التحكم في شدة الألم». ويراقب التحديث داخل حركة «الذات المكممة Quantified self » التجريبية للأفراد وهم يُباشرون تعقباً شخصياً للمزاج من خلال كتابة اليوميات وتطبيقات الهواتف الذكية. ومع تراكم الأدلة الإحصائية في هذه المنطقة ينمو حقل «اقتصاديات السعادة» ليستفيد من كل تلك البيانات الجديدة في بناء صورة دقيقة تبين أيّ المناطق، وأيّ أنماط الحياة وأشكال التوظيف، أو أي أنواع الاستهلاك هو ما يولد الرفاهية العقلية العظمى.
وعندما تمت دعوة الزعيم البوذي “الدالاي لاما” لدافوس، لم تكن ذلك اعتباطاً، بل لأنه يرمز إلى “صناعة” علاجية ونفسانية روحانية قديمة في الشرق، التقطتها الرأسمالية الجديدة في الغرب، لتدمجها وتزاوجها مع “الطب الحديث”. وهكذا انتشر مصطلح “الطب المكمل” أو “العلاجات المكملة”، لتصبح هذه المصطلحات شيئاً عادياً وطبيعياً في الوعي الجمعي لدى جميع المجتمعات. ولذا، أصبحت “التقنيات والعلاجات الروحانية” ضمن “الطب والعلاجات المكملة” للتقنيات والعلاجات الطبية والنفسية المبنية على المنهج العلمي الخالص. وعليه، أصبحت تلك التقنيات والعلاجات “الروحانية” القديمة التي كانت – ولا تزال – مستخدمة في دول شرق آسيا، أصبحت “متحالفة” مع الصناعة “الدافوسية” للسعادة النفسية والروحانية والصحية! لذا جاء الدالاي لاما، الروحاني البوذي ليتحد ويندمج ويتحالف مع أبي قراط، الجد الأول والطبيب العلمي المادي الملتزم بالفلسفة “الذرية”، كأساس للصحة العضوية والنفسية المعاصرة.
هل قيمة “السعادة الصحية” الروحانية، تحولت إلى سلعة مادية؟
لقد أصبحت السعادة ورياضات التأمل والاسترخاء وبقية أنواع علاجات الصحة النفسية التي شملها الحظر حسب قرار وزير الصحة الكويتي، المتقدم ذكرها، أصبحت قابلة للقياس، بعد أن كانت -في السابق- تعتبر من مسائل الحالة المزاجية “الذاتية” للإنسان، لتتحول إلى بيانات ومؤشرات وذبذبات موضوعية. وفي الوقت نفسه، أصبح علم الرفاهية هذا متداخلاً مع معارف طبية واقتصادية واسعة. وهناك مسألة مهمة، تتمثل في أن تتحول السعادة، بكل أنواعها الصحية والنفسانية، كحالة إنسانية مرتبطة برفاهية المجتمع، وبالتالي ممكن قياسها كمؤشر لاستدامة هذه الرفاهية المجتمعية أو تراجعها، وليس كما تخطط لها كارتلات رأسمالية تمتلك تقنيات “إنتاج” حقائق السعادة، ليكتسبوا مواقع ذات تأثير فائق، ونفوذ جبري على حياة الإنسان. ذلك أن السعادة بشكل عام، والسعادة الصحية على وجه الخصوص، تعتبر غاية البشر القصوى، حسب رؤية الفيلسوف أرسطو، وبالتالي فالمرء مستعد أن “يجرب” و”يغامر” مع أي دعوة أو دعاية تجارية تحقق هذه الغاية له. ولذلك، يؤكد كتاب “صناعة السعادة” بأنه مع “تغلغل علم النفس الإيجابي وقياس السعادة بثقافتنا الاقتصادية والسياسية منذ تسعينيات القرن الماضي، نما إحساس بعدم الارتياح بسبب الطريقة التي تبنى بها صناع القرار السياسي والمسؤولون مفهومي السعادة والرفاهية. حيث تكمن الخطورة في أن هذا العلم تنتهي به الحال بتحميل الأفراد مسؤولية شقائهم وعلاج هذا الشقاء، في حين يتجاهل السياق الذي أدى إلى ذلك”. وهذا ما يدعو للتوجس والشك، عندما يتشبث عمداء المنتدى الاقتصادي العالمي بهذه البرامج. ذلك أن تقنيات تعقب الحالة المزاجية وخوارزميات التحليل الوجداني وتقنيات التخلص من الضغوط النفسية باستخدام “التأمل”، توضع في خدمة مصالح اقتصادية وسياسية بعينها؛ فهي ليست هبات لنا كي يصل ازدهارنا النفسي إلى غايتها القصوى، أي إلى السعادة، كما قالها أرسطو. حيث لا تصبح السعادة «خيار» شخصي، إنما جزء من برنامج اقتصادي تجاري استهلاكي، يتمحور في دائرة من الأنانية الربحية.
لكن هذا ليس إلا عنصراً واحداً من النقد الموجه لتحويل “السعادة” إلى سلعة تجارية. فمن الواضح أن الرأسمالية الجديدة المعولمة الراهنة، قد روجت برامج السعادة أيديولوجياً، بوصفها “علماً جديداً” واعداً نفسه بدايةً جديدةً يُمكن من خلالها التغلب على الآلام والأمراض النفسية. والدماغ هو الوسيلة لتحقيق هذا الوعد. وقد أشار كتاب “صناعة السعادة” إلى بعض التصريحات التي هي في حقيقتها “إعلانات” دعائية وترويجية لهذا “العلم الجديد”! مثل “لم تكن لدينا فكرة في الماضي عما يجعل البشر سعداء، أما الآن فنحن نعرف”. هكذا يُقدم العلم الجديد. إن علماً طبيعياً عن الوجدان الذاتي في متناول أيدينا، لكننا شغوفون بألا ندعه يعمل عبر الإرادة الذاتية والطب المنهجي المسؤول والاعتماد على النفس، بل من خلال الاقتصاد والتسويق وسياسات تغيير السلوك.
لذلك، أعتقد بأن قرار وزير الصحة الكويتي، يصب في هذا المسار. فهو لا يحظر أي وسيلة علاجية نفسية لتعزيز السعادة الصحية، ولا يشوه القيمة الأخلاقية لهذه الوسائل والعلاجات. وأجزم بأن كل النقاد لسياسات وبرامج الرأسمالية الجديدة، يتفقون على ذلك، ولا يستصغرون “شأن آلام أولئك الذين يعانون شقاءً أو اكتئاباً مزمنين مِمَن قد يطلبون عوناً مفهوماً من تقنيات الإدارة المعرفية أو السلوكية الجديدة”. وإنما الهدف هو حماية هؤلاء، وغيرهم ممن يرتاحون نفسياً وجسدياً وعقلياً من هذه العلاجات، في عدم تورّطهم مع مؤسسات تعمل – بإيعاز أو بحسن النية – لخدمة ومصلحة مشاريع طبخت ونضجت في أروقة الشركات المحتكرة ” للسعادة النفسية، والصحية بشكل عام”.
إن مشاعر الإنسان وسلوكياته واضطراباته، وجسده وعقله ونفسياته أيضاً – أكان سوياً أو مريضاً- يجب ألا ترتهن لمؤسسات ليست ذوي اختصاص أكاديمي وعلمي ومهني معترف بها طبياً. خاصة وأن معظم تلك العلاجات تتطلب الرصد والقياس تحت إشراف طبي وليس تحت أجهزة تروج نفسها بديلة عن أصحاب الاختصاص. فقد ظل المعلنون ومسؤولو الموارد البشرية وشركات الأدوية يراقبوننا، ويحفزوننا، ويحثوننا، ويجرون التحسينات، ويستحوذون علينا سيكولوجياً منذ عقود من زماننا هذا، ولكن في وقتنا الراهن، انتقلت هذه المؤسسات التجارية إلى نقلة نوعية، حيث أصبحت سلعها لمراقبة (السعادة)- الصحية والنفسية والجسدية والرياضية… إلخ- ويتوافر الآن في السوق قدر من التقانات الاستهلاكية لقياس وتحليل مستوى السعادة، وقد تبنتها أندية ومؤسسات خاصة وجمعيات أهلية، بل وقد وصلت إلى غرف النوم، وصالات الرياضة، وساعات المعصم إلى الهواتف الذكية التي تقيس مسافة المشي، والتنفس ودقات القلب، إلى فيسل Vessyl وهو كوب ذكي يرصد ما تتناوله من سوائل من ناحية آثاره الصحية. كما قامت الخطوط الجوية البريطانية باختبار «بطانية سعادة» تصف مستوى رضا المسافر عبر الرصد العصبي؛ إذ يتحول لون البطانية من الأحمر إلى الأزرق كلما استرخى الركاب أكثر؛ ما يعطي مؤشراً إلى طاقم شركة الطيران بأن ما يقدمونه من رعاية مناسبة إلى حد كبير. ولذلك، أشار كتاب “صناعة السعادة” بأننا ربما “نكون على أعتاب عصر ما بعد نيوليبرالي جديد لم يعد فيه السوق الأداة الرئيسة لالتقاط مثل هذا الوجدان الجماعي، فبينما تُغرِق أدوات رصد سعادتنا حيواتنا اليومية، تَبرُز طُرق أخرى للتقدير الكمي للمشاعر فورياً بصورة قد تتوغل بها في حيواتنا أكثر من الأسواق”.
خيط رفيع بين العلم والدجلنة!
نحن هنا، لا نطمح بأن نكون قساة بحق مشاعر الناس، ومعتقداتهم التي يعتنقونها بشأن بعض تلك “العلاجات” والوسائل التي يؤمنون بها، كالتأمل واليوغا والريكي والاسترخاء التنويمي. ولا ننحاز كثيراً لمبدأ “الشك العلمي” كما يتبعه بعض العلماء ويطبقونه بطريقة تكاد تخلو من النعومة أو تقدير معتقدات الآخرين التي تحدد إلى درجة ما هوية الإنسان. وقد أشار الدكتور كارل ساغان، أستاذ علم الفلك وعلوم الفضاء؛ ومدير معمل دراسات الكواكب بجامعة كورنيل الأميركية، والحائز على جائزة ناسا للإنجازات المتميزة في إطار مشروع أبولو. أشار في كتابه “عالم تسكنه الشياطين؛ الفكر العلمي في مواجهة الدجل والخرافة” بأن “الطريقة التي يُطبق بها الشك العلمي أحياناً على قضايا تهم الجمهور، تميل إلى التقليل والحط من شأن وتجاهل أن مؤيدي الخرافة والدجلنة بشر لهم مشاعر حقيقية وأنهم – شأنهم شأن المتشككين – يحاولون تصور الطريقة التي يعمل بها العالم وماهية الدور الذي تضطلع به في التزاوج بين الشك والدهشة، سواء أكانوا واهمين في ذلك أم لم يكونوا. ذلك أن دوافعهم، في الكثير من الحالات، تتماشى مع العلم. وطالما أن ثقافتهم لم تعطهم جميع الآلات التي يحتاجونها لمتابعة هذا السعي العظيم، فلنمزج نقدنا بشيء من الرأفة، فلا يوجد منا من هو مزود بكل ما يحتاج من وسائل). من الواضح أن هناك حدودًا لاستخدامات الشك. وإذا كان ما تقدمه الخرافة والتصوف من راحة وعزاء وأمل قدرًا كبيرًا، وكانت أخطار الاعتقاد بهذه العلاجات منخفضة نسبياً، أفلا يجدر بنا أن نحتفظ بتوجساتنا داخل أنفسنا؟ ولكن البروفيسور ساغان يجيب على هذا التساؤل بأن “عدم توضيح خدع الخرافة والتصوف، والسكوت عنه، هو بحد ذاته كأنك تساهم في هذه الخدع. بمعنى إذا أعطينا الكثير من الموافقة بالصمت بشأن التصوف، والخرافة – حتى حين يبدوان بمستوى نفع قليل – فنحن بذلك نُشجع مناخاً عاماً يُعد الشك فيه وقاحة، والعلم مثيراً للسأم، والتفكير الجاد شيئاً جافاً مملاً وغير ملائم، والتوصل إلى توازن حصيف يحتاج إلى الحكمة”.
وهذا ما حاول هذا المقال أن يكشفه للرأي العام، بأن نكون حذرين ونحن نستقبل هذا السيل من التقنيات الجديدة التي تغرينا بأنها الكفيلة في “صناعة السعادة الصحية” لأجسادنا وأرواحنا، دون التأكد من مدى مهنية وتخصص بعض من هؤلاء المعالجين. مع التأكيد لما أوضحه ساغان “إن العجز الرئيسي الذي في حركة الشك يكمن فيما يرتبط بها هو؛ من “نحن” في مواجهة “الآخرين”؟ هل نحن نحتكر الحقيقة؛ وأن أولئك الآخرين الذين يؤمنون بكل تلك “الأوهام” إنما هم معتوهون؟ علينا أن نعترف منذ البداية بأن الجذور الإنسانية للدجلنة والخرافة قديمة يمكن أن تكون أكثر قبولاً إلى حد بعيد. وبالطبع لو فهمنا ذلك، فلسوف نشعر بانعدام اليقين والألم الذي يحس به أولئك الباحثون عن علاج لآلامهم النفسية. ومثل هذا الحنو على من يتجانسون معنا في المشارب يعمل أيضاً في سعي مشترك على أن يجعل العلم والمنهج الشكي أقل تنفيراً. فعالم المعتقدات والممارسات الخاصة بخوارق الأمور لا يمكن الحط به إلى منزلة المهووسين وغريبي الأطوار والمشعوذين. ذلك أن عدداً كبيراً من المخلصين يستكشفون طرقاً بديلة للإجابة عن أسئلة تحمل معنى شخصياً، كالروحانية، والعلاج بالإيمان، والخبرات الخارقة للطبيعة بصفة عامة. إن المعتقدات الخاصة بالخوارق “مريحة” لأناس لا يستطيعون التعامل مع واقع كوني مادي بحت، وأحياناً إلحادي، أو أن معتقداتهم نتاج وسائل إعلام غير مسؤولة لا تُشجع الجمهور على التفكير بطريقة نقدية. إن ما يهدف إليه هذا البروفسور من توضيحه هو أن في منهج العلم يوجد “توازن جوهري بين اتجاهين يبدوان متناقضين؛ اتجاه بالانفتاح على الأفكار الجديدة مهما بلغت من الغرابة أو تنافت مع الحدس، واتجاه إلى أقسى أنواع التمحيص الشكي لجميع الأفكار قديمها وجديدها”، وهذه هي الطريقة التي يتم بها غربلة الحقائق العميقة التي نشاهدها في مرحلتنا الراهنة بشأن التقنيات والعلاجات المنادية بالشفاء وخلق سعادة صحية لنا. هو يدعو إلى التزاوج بين التفكير المُبدع والتفكير الشكي، ليعملا معاً في مسارين متوازيين، رغم إنهما في “اتجاهين متناقضين ظاهرياً، يكتنفهما بعض التوتر”. يدعونا ساغان بألا نكون منفتحين إلى درجة الانخداع، فتضيع بوصلتنا، ولا يتسنى لنا التمييز بين العلاجات المبشرة وتلك التي لا قيمة لها، ذلك أن قبول أي فكرة تطرح علينا أو أي ظن أو افتراض بدون تناول نقدي، لَهُوَ أمر يتساوى مع الجهل المُطبق، ويعزز “الدجلنة”. فالمطروح علينا في الفضاء عام، وفي الأسواق، تُناقض بعضها بعضا؛ ولا نستطيع الحسم بينها إلا من خلال التمحيص الشكي، ذلك أن بعض هذه التقنيات وعلاجاتها تعد بحق أفضل من غيرها. لذا فإن المزج الحكيم بين طريقتي التفكير هاتين يُعد أمراً محورياً لنجاح اختياراتنا.
نختم مقالنا بما ختم به ساغان كلامه “لا يستطيع أي شخص أن يكون منفتحاً كليةً أو شاكًّا كل الشك، إذ علينا جميعاً أن نضع خطاً فاصلاً في مكان ما. وكل من الشك والدهشة تُعد مهارة تحتاج إلى الشحذ والمراس، ويجب أن يكون زواجهما المتناغم في عقل كل واحد منا هدفاً رئيساً يسعى إليه الإنسان والتعليم، ولخلق مجتمع من الناس يحسنون تركيب المزيج ليصبح زاخراً بالدهشة ومُنفتحاً بكرم على كل فكرة، ولا يرفض شيئاً إلا لسبب وجيه، لكنه وفي الوقت نفسه يتطلب معايير مُحكمة للأدلة، وأن تطبق هذه المعايير – بالقدر نفسه من الصرامة على الأقل – على ما هو مناط اعتزازهم، بمثل ما تطبق على من يجدون إغراء في رفضه دونما أذى يلحق بهم”.

في الذكرى الثالثة والثلاثين لمعركة مقديشو، نعود الى ٣ أكتوبر ١٩٩٣ حين سقطت مروحيتان أميركيتان من طراز بلاك هوك فوق أحياء العاصمة. ولم يسقطهما جيش

كنتُ أتجول قرب سوق أوش في بيشكيك، عاصمة جمهورية قرغيزيا، حين وجدت نفسي أمام مبنى حجري ذي طابع سوفييتي واضح. أمام المبنى تمثال لامرأة جالسة،

تنص اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية وتكديسها على أن الجمعية العامة للأمم المتحدة إذ تشير إلى قرارها ٢٦٦٢ (الدورة ٢٥) المتخذ في ٧ كانون الأول /

لسنا بحاجة إلى قانون جديد يفرض قيوداً جديدة على اﻹعلام بقدر ما نحن بحاجة إلى نمط تفكير جديد يرتقي ويواكب التغيرات الشاسعة التي نحن مقبلون عليها



