
مأزق ترامب وأزمة نتنياهو أمام صمود غزة
انقلبت الإدارة الأميركية على اتفاق وقف إطلاق النار بمراحله الثلاث والذي كان بوساطتها مع مصر وقطر وقد دخل حيز التنفيذ بين المقاومة الفلسطينية وحكومة الاحتلال
إنَّ الأطماع الصهيونية في المياه اللبنانية لها تاريخها الطويل، ذُكر بعضها في اللمحة التاريخية عن الأطماع “الإسرائيلية” في المياه العربية وسرقتها (في العدد الرابع عشر لمجلة «تقدُّم» – فبراير 2025)، قبل نشوء الكيان الصهيوني وبعده. وقد حاول الكيان تحقيق أحلام وتمنيات مؤسسيه وذلك انطلاقاً ممَّا قاله رئيس وزراء الكيان الصهيوني ليفي اشكول بعد حرب 1967 “إن إسرائيل العطشى لا يمكنها أن تقف مكتوفة الأيدي وهي ترى نصف مليون متر مكعب سنوياً من مياه نهر الليطاني تذهب هدراً إلى البحر وأن القنوات في إسرائيل أصبحت جاهزة لاستقباله”. وعليه فإن محاولات العدو الصهيوني المتكررة لبسط سيطرته على الأراضي اللبنانية أبعد من أن تكون لأسباب ظرفية بل هي من صلب أهدافه الاستراتيجية الكبرى، فالاجتياحات للبنان ليست وليدة ساعتها ولا هي محاولات للرد على الصواريخ أو أعمال المقاومة بل هي للاستفادة من حالات الحروب مع لبنان حتى تخلق الذرائع المناسبة للدخول إلى الداخل اللبناني وخلق الهيمنة التي تمكن الكيان الصهيوني من سرقة مقدرات لبنان المائية وخاصة نهر الليطاني (1).
يعتبر نهر الحاصباني من أهم الأنهر المشتركة بين لبنان وفلسطين المحتلة وهو من الروافد الأساسية لنهر الأردن ويوصف حوضه بأنه الخزان العالي لمناطق حرمون، ووادي التيم، والعرقوب، والجولان، والحولة وطبريا، ويغذي مجموعة ينابيع خارج الحدود اللبنانية بما فيها أنهر اللدان وبانياس. حوض هذا النهر يشمل قمماً جبلية بارتفاع 2870 م عن سطح البحر تتساقط عليها الثلوج والأمطار، وطبيعة الأرض الجيولوجية تسمح بتخزين ما يفوق عن 39% من المتساقطات لتغذي ليس نبع الحاصباني ونبع الوزاني فقط بل ينابيع الجوز والمغارة في أعالي وادي شبعا وغيرها.
يبلغ طول النهر ضمن الأراضي اللبنانية 21 كلم. لكنه لا يظل منفرداً في مساره، بل يلتقي مع نهر الوزاني على بعد 4 كلم عن الحدود مع فلسطين المحتلة ويشكل معه خطاً حدودياً بين لبنان وسوريا على امتداد عدة كيلومترات.
من المستغرب أن المسؤولين اللبنانيين يذكرون عادة (عن جهل أو عن قصد) بأن الكيان الصهيوني يحصل على 150 مليون م3 سنوياً من المياه اللبنانية، إلا أن الواقع يدل على أن ما يحصل عليه الكيان الصهيوني يتجاوز ذلك بكثير وسنبين ذلك ببعض التفاصيل.
تم تدقيق التدفق المائي من نهري الحاصباني والوزاني من قبل الدكتور في الهندسة البيئية سهيل سرور والأستاذ هواري زهير (2) وتبين بأن التصريف السنوي لنهر الحاصباني إلى خارج الحدود يتراوح بين 147و174 مليون م3 سنوياً ونهر الوزاني لا يقل عن 61 مليون م3 سنوياً. وعليه يصبح مجموع دفقهما ما مقداره 235 مليون م3 في السنة. إضافة إلى ذلك يحصل الكيان الصهيوني من المياه الجوفية على كمية تقدرها بعض الدراسات بـ 40 مليون م3 سنوياً، كما ويحصل على مياه عدة ينابيع تتواجد على السفوح الغربية لجبل الشيخ تقدر بحوالي 30 مليون م3 سنوياً. فيكون المجموع الإجمالي الذي يحصل عليه الكيان الصهيوني من المياه اللبنانية 305 مليون م3 سنوياً من مياه مصدرها لبناني واضح.
يتجاوز هذا التقدير الدكتور طارق المجذوب (3) من ناحية المياه الجوفية ففي دراسة أعدها لوزارة الإعلام اللبنانية تحت عنوان “أطماع إسرائيل في المياه اللبنانية ملاحظات حول روافد الأردن والقانون الدولي 2001”. إذ يؤكد ان الدراسات الهيدرولوجية للأحواض المائية الرئيسية والفرعية في جنوب لبنان والمتصلة بشكل مباشر أو غير مباشر بالخزانات الجوفية داخل “إسرائيل” تتمثل بالقطاعات التالية:
1 – قطاع الناقورة- شقراء- دير سريان معدل الانسياب الوسطي 69.3 مليون م3 سنوياً.
2 – قطاع دير ميماس- فالق اليمونة الجنوبي- مرجعيون معدل انسياب وسطي 12.1 مليون م3.
3 – قطاع سطح حرمون الشرقي- نبع سريد شبعا معدل انسياب وسطي 58 مليون م3 سنوياً.
4 – قطاع حوض الحاصباني- الوزاني انسياب وسطي 55.5 مليون م3 سنوياً.
هكذا يكون مجموع انسياب المياه الجوفية إلى الكيان الصهيوني حوالي194.9 مليون م3 سنوياً. انطلاقاً من ذلك يصبح الرقم الإجمالي بين مياه سطحية ومياه جوفية تنساب إلى الكيان 429 مليون م3 سنوياً.
هذا التناقض في المعلومات يدل ببساطة على أن الدولة اللبنانية غير مهتمة بوضع دراسات جدية حول الموارد المائية في الجنوب اللبناني ومجابهة الكيان الصهيوني بجميع الوسائل بأطماعه بهذه الموارد.
إذا كان هذا ما يحصل عليه العدو الصهيوني من المياه اللبنانية فماذا يحصل لبنان من هذه المياه التي تنبع أو تنساب في أراضيه؟
ما يحصل عليه لبنان من حوض الحاصباني والوزاني بائس إذ يقتصر على أقل من 7 ملايين م3 سنوياً: 5.18 مليون م3 من الحاصباني و1.7 مليون م3 من الوزاني، فالإجمالي لا يتعدى 6.88 مليون م3 سنوياً لتأمين مياه الشرب إلى 40 ألف مواطن وبعض الحاجات الزراعية لري 675 هكتارا، كما أن هناك 8 آبار جوفية ضمن هذا المجال. هذه المساحة المروية تشكل فقط ربع ما يمكن استثماره من أرض للزراعة والمقدرة بحوالي 4250 هكتارا. بعض الدراسات الأخرى تظهر أن الأراضي القابلة للزراعة في المنطقة تقدر بحدود 10 آلاف هكتار.
إذاً، ما يحصل عليه لبنان لا يزيد عن قطرات بمقياس الدفق المائي السطحي والجوفي الذي يذهب إلى الكيان الصهيوني، علماً بأن الأخصائيين في هذا المجال يقدرون حصة لبنان من التصريف السطحي لنهر الحاصباني بما لا يقل عن 40% أي 59 مليون م3 سنوياً. كل الدراسات، والخبراء، تؤكد على ضرورة القيام بإعداد مشروع مائي زراعي كهربائي متكامل للحوض البالغ مساحته 615 كلم2 لمجابهة مشروع العدو الصهيوني، ولكن لا حياة لمن تنادي….
تبلغ مساحة شبعا نحو 270 كلم2 أي ما يوازي 2% من مساحة لبنان بقي منها اليوم حوالي 60 كلم2 تحت الاحتلال، بدأ العدو الصهيوني بعد عام 1968 بأعمال الهدم والتهجير حيث طرد سكان المزارع والبالغ عددها 14 مزرعة وتمثل حوالي 80% من مساحة شبعا، وكان يسكنها أكثر من 1200 عائلة تم تشريدهم وتدمير منازلهم وسيجت المزارع بالأسلاك الشائكة. مزارع شبعا ذات أهمية استراتيجية قصوى إذ تسيطر على المنابع المائية الثلاثة لنهر الأردن (اللدان والحاصباني وبانياس) وتحتوي أرضها على مخزون مائي هائل(4).
الكميات المائية الكبيرة في هذه المنطقة كانت مجال اهتمام المستعمر الفرنسي ممَّا جعله يقدم على طرح مشروع إنشاء سد مائي في منطقة إبل السقي عام 1921 ووضعت التصاميم والخرائط المطلوبة لإنشائه. ولكن عدل عن تنفيذ المشروع لأسباب غير واضحة. ولكن حسب تقديرات بعض المراجع فإن عدم تنفيذ المشروع كان نتيجة ضغط الحركة الصهيونية.
1 – منذ الاجتياح الأول للجنوب اللبناني عام 1978 بادر العدو الصهيوني إلى تنفيذ مخططاته المعدة سلفاً لغرض سرقة المياه اللبنانية واستيلائه على نهري الحاصباني والوزاني، وسارعت قوات الاحتلال إلى احاطة موقع نبع الوزاني بسياج ضخم وطردت السكان من المنطقة وبدأت بتحويل مجرى النهر قرب منبعه بحيث يرتفع منسوبه إلى 271 م فوق سطح البحر إلى نقطة في الكيان الصهيوني يتراوح منسوبيها ما بين 200 – 250 م ليعاد ضخ المياه صعوداً باتجاه القناة الاستراتيجية التي تربط بحيرة طبريا بصحراء النقب.
2– في عام 1989 بدأ العدو الصهيوني بمد أنابيب بقطر 16 انشاً من نبع العين المتفرع من نهر الجوز أحد روافد الحاصباني إلى شمالي الكيان ليسرق ما قدره 10 مليون م3 سنوياً.
3 – نتيجة الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 تمت السيطرة من قبل قوات الاحتلال على 30 كلم من مسار نهر الليطاني، ولقد أجرى مهندسو العدو الصهيوني عدة مسارات لتحويل النهر، منها مشروع تحويل نهر الليطاني من خلال حفر نفق بطول 17 كلم يمتد من أسفل الخردلي تحت بلدة دير ميماس إلى سهل الحولة، وبذلك تسقط المياه بالجاذبية بين هذين المستويين، لتأمين 150 مليون م3 من المياه العذبة لري مساحة 25 هكتارا.
4– منذ عام 1983 يقوم العدو الصهيوني بسرقة مياه مصلحة جبل عامل والتعديات على المياه كانت واضحة أثناء الاحتلال ومستمرة بعده في أماكن مختلفة، ولم تتوفر معرفة دقيقة بالأرقام للكمية التي تتم سرقتها. العدو الصهيوني يسرق المياه اللبنانية أيضاً عبر عشرات الآبار الارتوازية على طرف الحدود مع لبنان ويقوم بضخ مياه البحيرة الجوفية التي تعوم عليها منطقة مرجعيون وسهل الخيام ومن الصعب تقدير عدد هذه الآبار وكمية ما يضخ منها من المياه.
5– في عام 1990 أنهى العدو المرحلة النهائية في الكيان الصهيوني من مشروع تحويل مياه نهر الليطاني إلى بحيرة طبريا عبر استخدام أنابيب مطمورة تحت الأرض، وعليه فإن سرقة مياه الليطاني أصبحت جاهزة، وطلب العدو من لبنان إضفاء الشرعية على هذه السرقة مقابل الانسحاب من الجنوب اللبناني. وبتعبير آخر الانصياع للقرار الدولي 425 مقابل تنازل لبنان عن حقوقه المائية!!….
بعد احتلال العدو الصهيوني للبنان 1982 قام المحتل بانتزاع كافة عدادات قياس كمية المياه الجارية على طول نهر الليطاني من سد القرعون إلى المصب في البحر المتوسط التي وضعتها وزارة الطاقة لمراقبة كمية المياه المتدفقة على طول خط النهر. ومنع العدو إعادة هذه العدادات بعد انسحابه من لبنان. وكل محاولات لبنان مع الراعيين الفرنسي والأميركي إعادة العدادات باءت بالفشل. لسبب أساس هو أن العدو يسرق المياه بأشكال سرية مختلفة في عدة محاور كما ذكر أعلاه. وإعادة العدادات تكشف السرقة.
فبعد انسحاب العدو الصهيوني من الجنوب اللبناني – مع بقاء مزارع شبعا وتلال كفر شوبا محتلة – فإن مياه الليطاني والحاصباني والوزاني كلها تبقى ضمن الأطماع الصهيونية المعلنة، والانكفاء الحاصل ما هو إلّا ترصد إلى حين المباشرة بالمفاوضات أو الدخول مجدداً إلى الأراضي اللبنانية والسيطرة بالقوة على هذه الموارد المائية (5).
إنَّ مقترحات “اليشع كالي” هي عبارة عن ملحقات لمشروع تم تنفيذه سابقاً (هناك جزء منه على الأراضي اللبنانية والباقي في الكيان الصهيوني) والمطلوب إكمال الجزء المتبقي من المشروع في عمق الأراضي اللبنانية، والاستفادة القصوى من الموارد المائية اللبنانية.
تؤكد الدراسات تنامي العجز في احتياطي المياه لدى العدو الصهيوني ممَّا يجعل “أمنه المائي بخطر”، الأمر الذي قد يدفعه للقيام مجدداً بالاعتداء على لبنان بحجة “وجود سلاح” أو “تحركات عسكرية” أو “خطر أمني” بحسب زعمه يأتي من جنوب لبنان. هذه كانت ذريعة من الذرائع التي طالما لجأ إليها العدو الصهيوني للدخول إلى لبنان. فلبنان دائماً في دائرة الخطر ومياهه معرضة للسرقة والاستباحة من قبل العدو الصهيوني. إن المحاولات الأخيرة للعدو في 2024-2025 احتلال بعض الأجزاء من الأراضي اللبنانية وفرض واقع جديد لحدود نهر الليطاني وعدم انسحابه من بعض المواقع اللبنانية، ما هي إلَّا محاولات لتنفيذ مخططاته لاحتلال مناطق لبنانية والتي من ضمنها التحكم مجدداً بمياه الجنوب ومن ضمنها نهر الليطاني. فعلى القوى الوطنية التنبه لهذه المخططات والعمل على استنهاض كافة القوى الشعبية المقاومة للدفاع عن الوطن وعن مياهنا وحمايتها من أطماع العدو الصهيوني فالأرض لا قيمة لها إذا ما روتها مياهنا.
المراجع:
(1)- نهر الليطاني … حلم إسرائيلي متجدد لسرقة المزيد من المياه اللبنانية – عبد الله الجمعان الشرق الأوسط
12/8/2006.
(2) – الدكتور سهيل سرور والأستاذ هواري زهير2002 عدد 9300 مياه الحاصباني والوزاني أخطر من مزارع شبعا في ملف الاحتلال https://www.archive.assafir.com
(3)- أطماع إسرائيل في المياه اللبنانية ملاحظات حول روافد الأردن والقانون الدولي – الدكتور طارق المجذوب – دراسة 2001
(4) – مزارع شبعا: مقاربة إسرائيلية – عاموس جيلياو – جريدة النهار24/12/2007 ترجمة نسرين ناضر.
(5) – بشير مصطفى 2-3-2024 منذ عقود وعين إسرائيل مسلطة على مياه لبنان
https://www.independentarabia.com
دكتور مهندس طاقة، أستاذ جامعي من لبنان لديه العديد من الدراسات والأبحاث في اختصاصه وفي المجال الاقتصادي العام.
انقلبت الإدارة الأميركية على اتفاق وقف إطلاق النار بمراحله الثلاث والذي كان بوساطتها مع مصر وقطر وقد دخل حيز التنفيذ بين المقاومة الفلسطينية وحكومة الاحتلال
يمرّ الوضع اللبناني بمرحلة شديدة الخطورة على جميع الصعد، فمن ناحية ما زال العدو الصهيوني يحتلّ عدداً من المواقع الحدودية، بما يشكّل انتهاكاً سافراً لاتفاق
اندلعت حرب 15 أبريل/ نيسان عام 2023 بين ميليشيا الدعم السريع التي كانت جزءاً من الجيش، والجيش السوداني في السودان عقب ثورة ديسمبر/ كانون الأول
في المنعطفات الكبرى، مَن يضع الأهداف، ومَن يحدّد الأولويات، ومَن يقطف الثمار، ومَن يدفع الثمن؟ لن نجد الجواب إلا بالبحث عن العامل الاجتماعي الرئيسي في