اتجاه المسرح العربي نحو العشوائية

-+=

يبدو من خلال متابعة العروض المسرحية في العالم العربي خلال السنوات الأخيرة أن عشوائية الطرح أصبحت السمة الغالبة على الساحة المسرحية. فقد تبدّل مفهوم الهوية المسرحية تبدّلًا ملحوظًا بين ثمانينيات القرن الماضي وبدايات القرن الحادي والعشرين، إلى حدّ يمكن القول معه إن المسرح العربي اليوم يعيش أزمة هوية فنية وفكرية حقيقية.

في أواخر القرن العشرين، كانت الهوية المسرحية العربية واضحة المعالم، تتأرجح بين الطرح السياسي الجريء والنقد الاجتماعي الواعي الذي يعبّر عن نبض الشارع العربي وهمومه. أما اليوم، فقد تلاشت تلك الملامح تدريجيًا، وتحوّل المسرح في كثير من الأحيان إلى مساحة مبعثرة الاتجاهات، بلا بوصلة فكرية أو جمالية واضحة.

وأرى أن هذه العشوائية لم تأتِ من فراغ، بل هي نتيجة عدة عوامل متشابكة يمكن تلخيصها فيما يلي:

أولاً: غياب دور النقد المسرحي

لقد تراجع حضور النقّاد المسرحيين في المشهد الثقافي المعاصر، ومع تهميش هذا الدور الحيوي، أصبحت العروض تسير بلا بوصلة. لم يعد هناك من يُقوِّم، أو يُحلِّل، أو يُنير الطريق أمام المبدعين. وهكذا، باتت الأعمال المتواضعة تُحتفى بها وكأنها إنجازات عظيمة، بينما تمرّ التجارب الجادة دون تقدير أو اهتمام يُذكر.

ثانياً: هوس الوصول إلى “التريند”

أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي تحولًا جذريًا في الذوق العام. فصارت الأعمال التي تُثير الجدل وتحصد المشاهدات هي الأكثر رواجًا، بغضّ النظر عن قيمتها الفنية أو رسالتها الفكرية. ولهذا نرى بعض العروض المسرحية تتجه عمدًا إلى حقن نصوصها بمصطلحات أو أفكار مثيرة للجدل فقط لتجذب الانتباه، حتى وإن كان ذلك على حساب المضمون المسرحي الحقيقي.

ثالثاً: هيمنة التفاهة على الذائقة

لقد أصبحت الكوميديا السطحية والمبتذلة هي العملة الرائجة على خشبات المسرح العربي. فبعد أن شهدنا عصورًا ذهبية لأعمال عملاقة مثل نصوص سعد الله ونوس وتوفيق الحكيم والطيب الصديقي وغيرهم، جاءت مرحلة من الهبوط الحاد في المستوى الفني والفكري، حتى بات الجمهور متعطشًا للفكاهة الخفيفة التي لا تُرهق الفكر ولا تستفز الوعي.

رابعاً: غياب المشروع المسرحي العربي

لم يعد هناك مشروع ثقافي أو فني جامع للمسرح العربي كما كان في السابق، فالمهرجانات تُقام بلا استمرارية فكرية، والفرق تعمل بمجهودات فردية متفرقة، وبات بعض الجمهور يفتقد الإحساس بأن المسرح يعكس واقعه، فقد أصبح المسرح منفصلاً عن هموم جمهوره، حتى بدا وكأنه طرف ثالث يراقب من الخارج دون أن يكون معنيًا فعليًا.

ومع ذلك، لا يمكننا القول إن الصورة قاتمة بالكامل؛ فكما أن هناك عروضًا لا ترتقي بالذوق العام، هناك أيضًا تجارب شابة وجادة تحاول الصعود بذائقة الجمهور، تسعى إلى إعادة الاعتبار للخشبة بوصفها منبرًا للوعي والجمال والفكر.

إن المسرح العربي، رغم عشوائيته الراهنة، لا يزال يحتفظ بجمرٍ تحت الرماد، ينتظر من ينفخ فيه بإخلاص وإيمان حقيقي بدور الفن في التغيير. فالعشوائية ليست نهاية، بل قد تكون مرحلة مخاض تسبق ولادة مسرح عربي جديد أكثر صدقًا وعمقًا واتصالًا بالإنسان العربي المعاصر.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

«رواية كيم جي يونج … مولودة عام ١٩٨٢: الخدوش الصغيرة التي تصنع القهر»

إن “كيم جي يونج، مولودة عام ١٩٨٢” ليست مجرد عمل أدبي، بل وثيقة إدانة لكل نظام يرى في طموح المرأة عبئاً، وفي صوتها ضجيجاً. إنها تضعنا أمام سؤال لا يمكن تجاهله: كم من هذه “الخدوش الصغيرة” نحتاج قبل أن ندرك أنها ليست تفاصيل، بل البنية نفسها؟

محنة العقل في ثقافتنا 

نعيش اليوم أزمة عميقة تتمثل في غياب العقل بوصفه سلطة اجتماعية تاريخية. نلمس هذا الغياب على المستوى السياسي، حيث لا تزال الدولة العربية الحديثة عاجزة عن التحقق حتى في شكلها البرجوازي

«أكره اللامبالين»

صدر عن منشورات «تكوين» “أكره اللامبالين” أنطونيو غرامشي، ترجمة مينا شحاته، تقديم وتحرير ومراجعة محمد آيت حنا. تقديم: ضدّ اللامبالاة       «كلّ شيءٍ يحدث، لا يحدث