في الذكرى الرابعة والسبعين لثورة 23 يوليو 1952 بمصر

-+=

تنطوي أي ثورة على محاولة تغيير الوضع الراهن للأفضل عن طريق تعبئة الجماهير الشعبية المحتقنة والغاضبة، من أجل الخروج لتغيير النظام عبر وسائل غير مؤسسية، كالمظاهرات والاحتجاجات، أو الإضرابات أو العصيان المدى أو العنف.

ظروف قيام حركة الضباط الأحرار

وصلت الجماهير المصرية خلال السنوات الأخيرة التي سبقت ثورة 23 يوليو 1952 إلى حالة من الاحتقان والغضب من أحوال البلاد: تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية نتيجة اتساع الفجوة الطبقية بين كبار الملاك الإقطاعيين ومعهم كبار رجال الأعمال الاحتكاريين في مجال الصناعات والتجارة والنقل من جهة، وبين الطبقات الفقيرة من أغلبية الشعب المصري، التي تعاني من البطالة والفقر والجهل والمرض، هذا بجانب استمرار الاحتلال البريطاني.

في هذه الظروف قامت حركة الضباط الأحرار المباركة التي ضمت عدداً من أبناء الجيش المصري الذين تعاهدوا على تخليص البلاد من هذا الواقع، بانقلاب على السلطة الملكية الموجودة آنذاك، وذلك للتخلص من النظام الملكي والاستعمار البريطاني.

وسرعان ما تحول هذا الانقلاب إلى ثورة بتأييد الجماهير الشعبية لهم، عندما أعلنوا عن أهدافهم بتغيير نظام الحكم، والقضاء على المَلَكية، الإقطاع، والاحتكار، وهيمنة رأس المال، والقضاء على الاستعمار وأعوانه، وذلك من أجل بناء دولة مستقلة ذات سيادة، وإقامة عدالة اجتماعية بإلغاء الفوارق بين الطبقات.

استطاعت مصر نيل استقلالها التام عبر “اتفاقية الجلاء 1954″، والتي بموجبها خرج آخر جندي بريطاني من على أرضها في 18 يونيو 1956.

ثورة يوليو ودعم حركات التحرر الوطني والقضية الفلسطينية

امتد دور ثورة يوليو إلى التأثير في حركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا ودعمت هذه الحركات في عدد من البلدان، وساعدتها على الاستقلال من القوى الاستعمارية البريطانية والفرنسية، وساهمت مصر في تشكيل النظام العالمي الجديد بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر بالانضمام إلى “حركة عدم الانحياز ” منذ تأسيسها عام 1957، وذلك للابتعاد عن استقطاب الحرب الباردة بين معسكري الشرق والغرب، لعمل توازن في العلاقات الدولية.

وعززت مصر القومية العربية، ووضعت أساساً لمشروع الوحدة العربية للتكامل بين بلداننا العربية، وساندت ودعمت الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الصهيوني، واعتبرت أن القضية الفلسطينية هي قضية الأمن القومي المصري والعربي.

قوانين “يوليو الاشتراكية”

وعندما سحبت الولايات المتحدة تمويل مشروع السد العالي، قامت مصر بتأميم شركة قناة السويس، وكان ذلك بمثابة صفعة قوية ورسالة للاستعمار بكافة أشكاله تتضمن الاستقلال، والاعتماد على الذات ورفض التبعية.

وفى إطار بناء الدولة المستقلة القوية ركزت الدولة على عمل المشروعات الكبرى في الزراعة والصناعة وأصدرت عدداً من القوانين، من أجل القضاء على السيطرة الرأسمالية الاحتكارية في مجالات الإنتاج الزراعي والصناعي، منها قانون الإصلاح الزراعي في سبتمبر 1952، وقوانين التأميم 1961، والتي أُطلق عليها “قوانين يوليو الاشتراكية”.

وفى إطار المساواة بين المواطنين وإلغاء الفوارق بين الطبقات توسعت الدولة في تقديم الخدمات الصحية مع مجانية التعليم، وإصدار قوانين خاصة بالتأمينات الاجتماعية والمعاشات والتأمين الصحي للعمال والفلاحين.

وبدأت الدولة في عمل المشروعات الكبرى التي تنهض بالتنمية ومنها مشروع السد العالي لتوليد الكهرباء، وبناء المصانع الكبرى كمصنع الحديد والصلب ومصانع إنتاج السكر ومصنع الألمنيوم، ومصانع لإنتاج السيارات، والأجهزة الكهربائية، حيث تم بناء ألف مصنع في فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر، مما وفر آلاف فرص عمل للمصريين، مع تقنين مكتسبات للعمال منها تحديد ساعات العمل وإشراك العمال في مجالس إدارات المصانع والشركات، وحصول العمال على نسبة من الأرباح بجانب حصول العاملين في الحكومة والقطاع العام على أجور عادلة، تكفي توفير الاحتياجات الضرورية للأسرة، مع توفير مساكن شعبية للأسر غير القادرة بأسعار مخفضة.

واهتمت السلطة الحاكمة بنشر الوعي والثقافة والمعرفة والفنون بكافة أشكالها من أدب وموسيقى وسينما ومسرح وتم إنشاء “هيئة الثقافة الجماهيرية” لترعى المواهب وتنشر الثقافة والفنون، من خلال قصور وبيوت الثقافة في كل ربوع مصر في المحافظات والمدن والقرى.

التفت الجماهير الشعبية حول قادة الثورة بعدما تم البدء في تنفيذ أهداف الثورة تباعاً في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ثورة يوليو والقضاء على التمييز ضد المرأة

وتجدر الإشارة إلى أن المرأة المصرية نالت العديد من المكتسبات والحقوق التي ناضلت من أجل تحقيقها عبرة مسيرة كفاح طويلة منذ بدايات القرن العشرين منها القضاء على التمييز والظلم في التعليم والعمل والحقوق السياسية والاقتصادية، وتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة، وتحقيق حلم المرأة في التعليم الجامعي، ووضع قوانين للعمل تراعي وضع المرأة في إجازات الحمل والولادة ورعاية الأطفال، وحق التصويت في الانتخابات وحق الترشح في دستور 1956، والرعاية الاجتماعية من خلال مشروعات الأسر المنتجة، وتعيين وتدريب الرائدات الريفيات مع النهوض بالمرأة الريفية.

نهضة مصر وتحقيق العدالة الاجتماعية

ولنستعرض معاً عدداً من القوانين التي ساهمت في بناء ونهضة مصر وتحقيق العدالة الاجتماعية:

أولاً: قوانين الإصلاح الزراعي

بعد أقل من شهرين وبالتحديد في التاسع من سبتمبر 1952، صدر “قانون الإصلاح الزراعي رقم 178 لعام 1952، بتحديد الملكية للفرد بـ 200 فدان مع السماح للمالك بزيادتها إلى 100 فدان للأبناء بحد أقصى 300 فدان للأسرة، مع توزيع الأراضي الزائدة على صغار الفلاحين، ثم تم تقليص الحد الأقصى للملكية إلى 100 فدان، ثم 50 فداناً للفرد الواحد. ثم صدر القانون 117 لعام 1970 بتسجيل الأرض الزراعية الموزعة بموجب المادتين 18 و19 من هذا القانون المكتسب، باسم الموَزَع عليه بعد مرور 5 سنوات على استلامها بقرار من المجلس الزراعي.

وبجانب تمليك الفلاحين للأرض أنشأت الدولة الجمعيات التعاونية الزراعية التي أمدت الفلاحين بكل مستلزمات الزراعة من بذور وتقاوى وأسمدة ومبيدات زراعية بأسعار مدعمة، وساعدت الفلاح على تسويق محصوله، كما أنشأت بنك التسليف الزراعي في القرى لإقراض الفلاح بفوائد قليلة لتشجيعه على الزراعة، وعلى تربية الماشية مما يزيد الإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية.

ساعد ذلك على نمو الزراعة وتحسين معيشة الفلاحين والاكتفاء الذاتي من السلع الأساسية.

ثانياً: قوانين التأميم التي صدرت باسم “قوانين يوليو الاشتراكية” عام 1961، والتي نقلت ملكية الشركات ووسائل الإنتاج إلى الدولة لتأسيس القطاع العام.

القانون 117 لعام 1961 تأميم البنوك وشركات التأمين وتحويلها إلى ملكية الدولة.

القانون 118 لعام 1961 ألزم الشركات الكبرى ببيع نصف أسهمها للحكومة وشمل لشركات المقاولات والنقل والصناعات الثقيلة.

القانون 119 لعام 1961 حدد الملكية الخاصة في بعض الشركات بعشرة آلاف جنيه مصري كحد أقصى.

وتم استكمال قوانين التأميم عامي 1963 – 1964، حيث استكملت الدولة تأميم باقي الشركات الصناعية والتجارية الكبرى ووسائل النقل، والمستشفيات الخاصة والمؤسسات الصحفية.

ووضع النظام خطة خمسية 1960 – 1965، من أجل التنمية الإنتاجية شملت بناء مصانع الحديد والصلب والصناعات الثقيلة، والصناعات المعدنية وصناعة السيارات والصناعات الحربية وصناعة الأدوية والصناعات الغذائية وساعد ذلك على توفير السلع والاحتياجات الضرورية للأسرة بأسعار مدعمة وفي متناول الجميع كما وفر مئات الآلاف من فرص العمل.

استطاعت الثورة أن تحقق على يد قيادتها الاستقلال الوطني والتنمية وتحقيق العدالة الاجتماعية والانحياز للغالبية من الشعب المصري ولكن في الوقت نفسه صادرت الحياة الديمقراطية حيث ألغت الأحزاب السياسية 1954، وعملت على تقييد النقابات المهنية والعمالية مع اعتقال وسجن المعارضين والمخالفين لها في الرأي من الاتجاهات اليمينية واليسارية وكان لهذا أثرا ًكبيراً في التضييق على المشاركة في العمل العام مما أضعف الحياة السياسية في مصر.

لقد وضعت ثورة يوليو بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر نصب عينيها الاهتمام بتحقيق مصالح الأغلبية من الشعب المصري وعملت على تضييق الفوارق بين الطبقات، واهتمت بتقديم الخدمات الصحية للمواطنين، عن طريق التوسع في إنشاء الوحدات الصحية في القرى المصرية، كما أصدرت قانون التأمين الصحي الشامل عام 1964، والذي غطى ما يقرب من 60% من الشعب المصري.

وتصدى عبد الناصر للاستعمار بكل أشكاله وساند قوى التحرر الوطني في أفريقيا وآسيا وآمن بقوة الأمة العربية، ولكن حاربت الولايات المتحدة الأميركية هذا التوجه لأنه يهدد هيمنتها على دول الجنوب ونهب ثرواتها وتصدت لمن يعادي الكيان الصهيوني ويطالب بتحرير فلسطين المحتلة وعودة اللاجئين.

وكان العدوان الصهيوني على مصر في يونيو 1967، أحد حلقات التصدي للمشروع القومي العربي، وبعد هزيمة 1967، تحمل عبدالناصر المسؤولية ورفض الشعب تنحيته، وطالب بمحاكمة المسؤولين عن الهزيمة، كما طالب باستمرار المسيرة وإعادة بناء الجيش المصري لمحاربة العدو الصهيوني واسترداد الكرامة، وبالفعل بدأت إعادة البناء مع حرب الاستنزاف التي كبدت العدو خسائر فادحة.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

ثورة ١٤ تموز/ يوليو ١٩٥٨.. ذكرى التحول الكبير في العراق

لم تكن ثورة 14 تموز/ يوليو حدثاً عابراً أو رد فعل انتقامي أو إرادوي لحفنة من الثوار، بل جاءت كضرورة موضوعية وحاجة ملحة أملتها الظروف الصعبة آنذاك، وهيمنة أقلية حاكمة مستبدة، ربطت العراق بالأحلاف العسكرية والتبعية للاستعمار، وانتهجت سياسة معادية لشعبنا ولشعوب المنطقة

أبو نواس… ومفهوم “الهروب” في شعره

الحسن بن هانئ المعروف بأبي نواس هو أحد أشهر شعراء العصر العباسي، تميز بفصاحته اللغوية، ويُعد من المجددين في أساليب الشعر، كما تميز بتنويع موضوعات الشعر الذي نظمه وخروجه على التقاليد الشعرية القديمة