
الاعتداء المتكرر على منفذ العبدلي الحدودي تصعيد خطير
انطلاقاً من موقفنا الوطني الثابت في الدفاع عن استقلال الكويت وسيادتها وسلامة شعبها وسكانها وأراضيها، فإننا ندين الاعتداء المتكرر الذي شنته إيران هذا اليوم على
مضى ستة وثلاثون عاماً على غزو النظام العراقي البائد الكويت واحتلالها…وها هي الكويت كدولة صغيرة في هذا الإقليم المضطرب والمنطقة المشتعلة من العالم لا تزال تعاني ما كانت تعانيه من هشاشة بنيتها الجغرافية السياسية، مع كل ما تنطوي عليه هذه الهشاشة من تحديات وضغوط لا تتصل بالأمن الوطني فحسب، وإنما هي تحديات وضغوط يمكن القول إنها وجودية.
لذا فلعلّه من المفيد أن نتساءل: ترى ماذا تبدّل بعد ٣٦ عاماً على الغزو؟
صحيح أنّ قوات الاحتلال العراقي قد اندحرت بعد حرب مشهودة شنّها تحالف دولي مغطى بالشرعية الدولية…وصحيح أنّ الحدود الكويتية البريّة والبحريّة مع العراق قد رُسِّمت بقرارات صادرة عن مجلس الأمن الدولي وبخرائط ووثائق مودعة لدى هيئة الأمم المتحدة، بحيث يمكن القول إنّ الكويت من قلائل الدول، التي ثُبِتت حدودها بقرارات دولية… وصحيح أنّ نظام صدام قد أُطيح بعد بحرب ٢٠٠٣، حيث طويت صفحته إلى الأبد… وصحيح أنّ هناك اتفاقيات للتعاون الدفاعي بين الكويت والدول الخمس الكبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، أبرزها مع الولايات المتحدة الأميركية…ولكن هذا كله لا يمكن أن يقودنا للاطمئنان، وبالتالي للقول إنّ التحديات والمخاطر، التي كانت تهدد الوجود الكويتي والأمن الوطني قبل ستة وثلاثين عاماً زالت اليوم ولم تعد قائمة، ذلك أنّ نظرة فاحصة مدققة قد تكشف لنا أنّ الوضع ربما أصبح أعقد وأشكل من ذي قبل.
فمن جهة نجد أنّ النظام الدولي أحادي القطبية بزعامة الولايات المتحدة الأميركية، الذي سبق أن تشكّل في حرب الكويت ومثّل الضمانة الدولية لحدود الكويت المرسّمة، أصبح يعاني اليوم أزمة عميقة على مستوى بنيته الداخلية وقيمه وقوانينه ومؤسساته، وذلك جراء استهتار الولايات المتحدة الأميركية قبل غيرها بالأمم المتحدة وخروجها من وعن المنظمات والقوانين الدولية، بحيث لم تعد الشرعية الدولية مرجعية ذات شأن مقرر، ومعها تراجعت قيمة القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي، وفي السياق نفسه فَقَدَت المؤسسات والمنظمات الدولية دورها المعهود في حفظ الأمن والسلم الدوليين… أما النظام العربي الرسمي، الذي ساهم في العامين ١٩٩٠ و١٩٩١ بدرجة ما في توفير الغطاء العربي للتحالف الدولي، وكان له في أزمة العراق مع الكويت في العام ١٩٦١ دوره الحاسم في حفظ سيادة الكويت ورسم خط حدودها، فإنّ هذا النظام العربي الرسمي أعجز اليوم من أي وقت مضى على لعب أي دور يُعتمد عليه، ولا يمكن أخذه في الحساب… وبدرجة أقل نجد أنّ مجلس التعاون الخليجي، الذي يفترض أنّه يمثّل العمق الاستراتيجي الداعم للكويت قد تعرّض بعد اختباره الناجح حينذاك إلى هزات واستقطابات خلال العقدين الأخيرين، ليس هنا المجال للحديث عنها.
ومن جهة أخرى فإنّ إطاحة نظام صدام، إذا كانت قد أزالت التهديد المباشر للكويت، فإنها في المقابل أدّت بمخطط أميركي، عن قصد وعمد، إلى إقامة نظام محاصصة طائفية واثنية ساهم في تفكك العراق واضطرابه وضعفه وتعدد مراكز القوة والنفوذ فيه، مع كل ما يحمله ذلك التفكك والاضطراب والضعف من تعقيدات وتداعيات وضغوط على أمن العراق وبالتالي على أمن دول الجوار، وفي مقدمتها الكويت…وقد شهدنا بالملموس ما شهدناه من ذلك في الأزمة المفتعلة حول اتفاقية “خور عبدالله”.
ومن جهة ثالثة فقد كشفت الحرب الصهيونية – الأميركية على إيران والاعتداءات الإيرانية المرفوضة على الكويت أنّ اتفاقيات التعاون الدفاعي والتسهيلات والقواعد لا يمكن أن تكون عنصر ضمان وصمام أمان، إن لم تكن العكس تماماً في منطقة مشتعلة شهدت منذ العام ١٩٨٠ خمس حروب متعاقبة.
أما إذا انتقلنا للحديث عن مدى الاستفادة من دروس كارثة الغزو والاحتلال، فتكفينا الحقيقة المؤلمة بأنه لم تتم محاسبة أحد من كبار المسؤولين على تقصيره أو تهاونه… والأخطر من ذلك أنّ الوحدة الوطنية للشعب الكويتي، التي تكرّست في مواجهة الغزو والاحتلال وشكّلت مثالاً ساطعاً على أهميتها في مواجهة المخاطر، فإنّها مع الأسف كله تعرّضت بعد ذلك إلى هزات واختراقات لا يمكن إنكار تأثيراتها السلبية… وبالطبع فإنّ عملية إعادة بناء الكويت بعد اندحار الاحتلال لم تتم على أسس جديدة، وإنما كانت أقرب ما تكون إلى عملية ترميم شكلية أعادت إنتاج الوضع البائس الذي كان قائماً قبل الغزو.
جردة الحساب هذه تبرز لنا أنّ ما تبدّل بعد انقضاء ستة وثلاثين عاماً على كارثة الغزو والاحتلال لا يدعو إلى الاطمئنان، بل يفترض أن تدفعنا هذه المتغيرات، بكل ما تنطوي عليه من تحديات ومخاطر تتصل بالكويت ووجودها وأمنها الوطني نحو التفكير على نحو مختلف وجديد في ضرورة المراجعة وإعادة الحساب وتغيير النهج والبحث عن بدائل تضمن للكويت وجودها وأمنها وسيادتها… وكعناوين مقترحة لذلك النهج البديل يمكننا الإشارة إلى العناوين السبعة التالية:
أولاً: ضرورة تأمين جبهة داخلية متماسكة قائمة على الوحدة الوطنية والمواطنة الدستورية المتساوية وإطلاق الحريات العامة والمشاركة الشعبية في صنع القرار.
ثانياً: الاستناد إلى الروابط الحيوية وليس فقط الجيوسياسية التي تجمعنا بشعوب وبلدان الخليج العربية، ورفع مستوى التنسيق والتعاون بين دول الخليج في مختلف المجالات، خصوصاً الدفاع وخطوط الإمداد والأمن الغذائي والأمن المائي والمواصلات والتجارة البينية، وصولاً إلى جعل بلدان الخليج منطقة جمركية واقتصادية متكاملة.
ثالثاً: إطلاق مبادرات سياسية لإبرام معاهدة إقليمية لعدم الاعتداء وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والحفاظ على السلم والأمن في منطقة الخليج.
رابعاً: التوافق على استراتيجية دفاع وطني خليجية مستقلة معتمدة على الذات، وقائمة على تعبئة الطاقات الشعبية عبر التجنيد الإلزامي وتدريب قوات الاحتياط وتنويع مصادر التسليح، وإعادة النظر، على ضوء التجربة العملية الملموسة، في الوجود العسكري الأجنبي ومدى جدواه وما ينطوي عليه من مخاطر، وصولاً إلى تصفيته.
خامساً: التوجّه نحو بناء منظومة دفاع وأمن قومي عربية وتطوير اتفاقية الدفاع العربي المشترك، وإصلاح جامعة الدول العربية وتطويرها كمؤسسة تحقق التضامن العربي.
سادساً: التوافق خليجياً على الانضمام الكامل إلى مجموعتي «بريكس» و«منظمة شنغهاي» للتعاون، بما يفتح آفاقاً أوسع للتعاون الاقتصادي والأمني ويؤسس لاندماج أكبر ضمن فضاء التعاون الآسيوي الصاعد.
سابعاً: التوجّه نحو مشروع تنموي وطني بديل مرتبط بمشروعات تنمية خليجية وعربية لبناء اقتصادات مستقلة ومنتجة ومتطورة، توجد الأساس لمصالح مشتركة بين شعوب المنطقة.
***
والسؤال الملّح: متى نبدأ ؟… فقد تأخرنا كثيراً.

انطلاقاً من موقفنا الوطني الثابت في الدفاع عن استقلال الكويت وسيادتها وسلامة شعبها وسكانها وأراضيها، فإننا ندين الاعتداء المتكرر الذي شنته إيران هذا اليوم على

عندما نتحدث عن الحاجة إلى إطلاق مبادرة عربية بديلة ومختلفة فنحن هنا لا نتحدث عن إحياء ما كان يُسمى “المبادرة العربية”، التي أطلقتها قمة بيروت

مرة أخرى يؤكد الكيان الصهيوني طبيعته الإجرامية المتأصلة ونزعته العدوانية المتوحشة، عندما أضاف إلى سجله الإرهابي الغادر مجزرة جديدة استهدفت حياة المئات من المدنيين الآمنين

في هذا الظرف الدقيق والحرج نتوجّه بالدعوة إلى شعبنا الكويتي للتمسك بوحدته الوطنية وللتصدي بحزم لمحاولات استثارة النعرات والانقسامات الطائفية، وضرورة التحلي بأعلى درجات اليقظة والوعي الوطني



