منظمة التعاون الإقليمي: الجغرافيا والسياسة والاقتصاد والتاريخ

-+=

أبرزت الحرب الدائرة في منطقة الخليج جملة من العوامل السياسية والاقتصادية والتاريخية والجغرافية المهمة، ولكن بالنسبة لنا كسكان هذا الإقليم حظى العامل الجغرافي السياسي بأهمية خاصة، إذ أن الامتداد الجغرافي وما يفرضه من تبعات سياسية واقتصادية وديمغرافية يجسد حقائق ذات خصوصية عالية بالنسبة للدول المطلة على الخليج، وذلك يجعل تبعات هذه الحرب تختلف بالنسبة لنا عن سائر الدول الأخرى الضالعة في هذه الحرب، وتبرز تلك الأهمية باعتبارها عاملاً استراتيجياً مهماً للغاية لصياغة مستقبل المنطقة في ظل ما يترتب عليه من تسويات سياسية واقتصادية وبالتبعية الدور الذي تقوم به الدول المطلة على الخليج مجتمعة أو كل على حدة بعد أن تضع الحرب أوزارها، ومن استحقاقات الجغرافيا أن هناك حقائق ثابتة فجيرانك هم جيرانك في الإقليم وحدودك الجغرافية غير قابلة للتقسيم أو التعديل بشكل إجباري أو أحادي وعليه فإن تقسيم الثروات الطبيعية قائم على هذه الجغرافيا مما يفرض تبعات وحقائق سياسية واقتصادية راهنة ومستقبلية معقدة وزادتها تعقيداً الحرب الدائرة حالياً في منطقة الخليج.

وفي الوقت الذي تشهد الحرب في الخليج لا هوادة فيها فإن نتيجة ما ستؤول إليه الأوضاع تعتبر في غاية الأهمية بالنسبة للدول الخليجية كافة لاسيما الدور الذي ستقوم به كل دولة خليجية على حدة أو مجتمعة، فمن الواضح أن هناك أطرافاً تريد أن تتحكم بنتائج هذه الحرب وتوزع الأدوار بما يتناسب مع طموحاتها وغاياتها السياسية والاقتصادية واطباق سيطرتها الإقليمية، لذا فإن الحرب بين إيران ومن يقف وراءها من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل ومن يقف معهما من جهة أخرى تجعل موضوع صياغة المستقبل بين دول المنطقة أمراً في غاية الأهمية، وكما يقال فإنه من رحم المآسي تولد الفرص فإن سعي دول المنطقة إلى إيجاد حل دائم يؤدي إلى حالة من الاستقرار في الخليج أمر مبرر أكثر من أي وقت مضى.

وخلال الحرب الراهنة أدركنا مرة أخرى وقبل غيرنا أهمية منطقة الخليج كمنطقة ثرية بمواردها الطبيعية من جهة ومعقدة من الناحية الجغرافية وبالتالي السياسية والاقتصادية وكذلك الأهمية العالمية لها ومدى ارتباط اقتصادات العالم بهذه الثروات التي تمر عبر ما يشبه عنق زجاجة ألا وهو مضيق هرمز، وجاءت الحرب كنتيجة للطبيعة المتناقضة القائمة على التراكمات السياسية والاقتصادية والادعاءات التاريخية لتشكل حالة من عدم الاستقرار الدائم سواء حالياً أو مستقبلاً مالم يتم إيجاد آلية فاعلة وقادرة على تسوية تلك النزعات والتناقضات.

لذا فإنه من المفيد في هذا السياق النظر في مسألة تأسيس منظمة تعاون إقليمي تضم كل الدول المطلة على الخليج والجزيرة العربية وتكون معنية بحل وتسوية كل الخلافات وإيجاد أرضية توافقية مشتركة لتسوية الأوضاع في منطقة الخليج، ونقل نقاط الخلاف كافة إلى طاولة المفاوضات.

ولا بد أن تكون هذه المنظمة نابعة من رغبة سياسية خليجية جدية بإيجاد الحلول والآليات اللازمة لتسوية الوضع على أسس توافقية تراعي مصالح كل الدول المعنية ومنحها الصلاحيات السياسية والقانونية اللازمة لتحقيق ذلك.

وهذه المنظمة ليست في حال من الأحوال دعوة للعودة إلى نقطة الصفر أو المربع الأول، ولكنها منظمة تبني على ما تم من اتفاقيات ثنائية ومتعددة وفقاً لأسس توافقية توائم بين مصالح الدول المطلة على الخليج كافة، وتوجد أرضية مشتركة لمشاريع متبادلة تلبي احتياجات دول المنطقة وتنهي سلسلة الخلافات والصراعات في المنطقة ونعتقد أن تلك الحلول والتسويات يجب أن تقوم على أساس التعاون والتفاهم والمقايضة الاقتصادية.

ومن المهم أن تكون قواعد قانون البحار الدولي وكذلك اتفاقية الأمم المتحدة بشأن البحار الصادرة عام ١٩٨٢ والمصادقة عليها من قبل الدول المعنية مدخلاً ومرجعاً قانونياً وإطاراً عاماً لتنظيم العلاقات المتبادلة بين دول الخليج، ولكن علينا أن نلاحظ أن هاتين المرجعيتين القانونيتين وأحكامهما بحاجة إلى مفاوضات ثنائية ومتعددة الأطراف تحت مظلة منظمة التعاون لتقريب وجهات النظر في تطبيقاتها وجعلها مناسبة مع الوضع القائم في الخليج وامتداداته المائية وممر العبور إلى البحار المفتوحة.

ولضمان فاعلية المنظمة يجب أن تكون تحت إشراف الدول المعنية وعلى علاقة وثيقة بالمنظمات الدولية ذات الشأن بهدف ردء التدخلات الخارجية ومنع استئثار دولة ما أياً  كانت وبشكل آحادي من القيام بإجراءات تهدد الأمن والاستقرار في منطقة الخليج أو استخدام الوضع القائم كورقة ضغط سياسي تجاه دولة أو عدد من الدول في الخليج، ومن الضروري أن تضطلع هذه المنظمة بصلاحيات سياسية وقانونية وتنفيذية تمكنها من اتخاذ القرارات النافذة على مستوى الدول المعنية وتكون لاتفاقاتها قوة قانونية تفوق التشريعات المحلية التي على كل دولة مواءمتها مع أحكام الاتفاقيات الصادرة عن المنظمة حتى لا تكون هذه المنظمة تكتلاً إقليمياً شكليًا.

وما يؤكد أهمية إنشاء هذه المنظمة الحرب الدائرة حالياً في الخليج التي طاولنا شررها وكذلك التصعيد الجسيم لها مما ينذر باتساع رقعتها والتلميحات النووية التي ستتسبب بكارثة وجودية لدول المنطقة كافة، لذا فإن إنشاء مثل هذه المنظمة سوف يجسد الرغبة السياسية الصادقة والناضجة بالتقاسم المنصف لثروات الخليج والحيلولة دون جعل المنطقة بؤرة للصراعات والأزمات، كما أنها سوف تعمل على مد جسور التعاون وإيجاد حالة من الاستقرار الدائم بهدف الالتفات إلى تنمية المنطقة بدلاً من الانجرار إلى أتون الحرب وويلاتها وجعلها منطقة تقاطع لمصالح ضيقة تستغلها دول ووجهات خارجية مما يجعل مستقبل دول المنطقة في مهب الريح.

قد يرى البعض أن هذه الدعوة موغلة في التفاؤل إذ كل الدول المطلة على الخليج متشبثة بنزعتها السيادية، إلا أن صياغة المستقبل تحتاج القدر الكبير من الحنكة السياسية والنظرة الاستراتيجية ما يدفعنا جميعاً إلى التعاون من أجل تحديد مصيرنا على مستوى الدول مجتمعة وكل على حدة.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

التصدي للطائفية والقبلية والعنصرية: محاولة للفهم… والمشروع الوطني البديل

بعيداً عن تكرار الخطاب التقليدي الوعظي الناصح  بتجنّب الطائفية والقبلية والعنصرية، التي ابتليت بها مجتمعات عديدة، وبينها مجتمعاتنا العربية، بما فيها مجتمعنا الكويتي، فإنّ الأهم

الحرب: محاولة تحليلية ونظرة استشرافية

من الطبيعي أن يتركز اهتمام الرأي العام الشعبي في بلدان الخليج العربية تجاه الحرب المشتعلة في المنطقة على المشهد المباشر المتصل بما تتعرض له هذه

دبلوماسية “المبادئ الخمسة” الصينية

تتمسك الصين بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة كمرجعية وحيدة لحل النزاعات، تعزيزاً لرؤيتها القائمة على التعددية القطبية

في المشهد الفلسطيني المفتوح .. إعادة تشكيل المعادلة الفلسطينية – الإسرائيلية

استمرار غياب أفق سياسي، وتآكل شرعية الأطراف المحلية، وتصاعد الغضب الشعبي، كلها عوامل قد تعيد إنتاج دورة جديدة من التوتر، ما يجعل المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة تتراوح بين تثبيت الأمر الواقع لفترة طويلة أو انفجار جديد يعيد خلط الأوراق