قمة بكين: تباين النموذجين بين الهيمنة الأحادية وشراكة الحزام والطريق

-+=

من المنتظر أن تشهد بكين خلال هذا الشهر قمةً مرتقبةً تجمع بين الولايات المتحدة الأميركية والصين، في لقاءٍ يختزل تباين نموذجين متمايزين في مقاربة الشأن الدولي. فالولايات المتحدة، التي انفردت بموقع الصدارة في النظام الدولي طيلة العقود الثلاثة الماضية، مارست خلالها نفوذاً مهيمناً اتسم بتجاوز ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ الشرعية الدولية، وبتكريس معايير أحادية فوق أي اعتبار. وفي مقابل ذلك، تجلس جمهورية الصين الشعبية على الطرف الآخر من الطاولة بوصفها قوةً دوليةً صاعدةً رسخت حضورها على الساحة العالمية عبر أدوات القوة الناعمة والدبلوماسية الاقتصادية، دون أن يسجل تاريخها احتلالاً عسكرياً لدولةٍ أخرى أو ممارسةً منهجية للاستعباد أو التدخل في الشؤون السيادية للغير، وهو ما يجعل صعودها، في نظر قطاع واسع من الدول النامية، قائماً على أسس مغايرة لتلك التي قامت عليها الهيمنة الغربية.

وعليه، يمثل هذا اللقاء المرتقب مواجهةً بين نهجين مختلفين تماماً في مقاربة المسائل الدولية وآليات المساهمة في حل أزماتها. فلقد خبرت شعوبٌ كثيرةٌ النهج الأميركي وما انطوى عليه من نزعةٍ أحادية، ما ولّد لديها تطلعاً متزايداً إلى النهج البديل الذي تقدمه الصين باعتباره أفقاً ممكناً للخروج من بوتقة الهيمنة.

وفي هذا السياق، سارت الصين على خُطى طريق الحرير التاريخي الذي ربطها بقارات العالم قبل قرون، وقام رئيسها الحالي، منذ توليه السلطة عام 2013، ببلورة معالم هذا الطريق في صيغته المعاصرة تحت مسمى “مبادرة الحزام والطريق”. وتهدف المبادرة إلى بناء شبكةٍ عالميةٍ متعددة الأبعاد للربط والنقل، وهو ما يمثل نقلةً نوعيةً في منهجية ربط قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا، ساعيةً إلى إعادة هيكلة طرق التجارة العالمية لتصبح أكثر تكاملًا وقدرةً على الصمود، ومُصمَّمةً خصيصاً لتجاوز الاختناقات ونقاط الضعف في البنى التحتية القائمة.

تتضمن المبادرة إطاراً شاملاً يُعرف بـ “الممرات الستة والطرق الستة وبلدان وموانئ متعددة”. هذا الإطار يدمج بين الممرات الاقتصادية البرية وشبكات النقل المختلفة ويربطها عبر سلسلة من الموانئ العالمية.

ويقصد بالممرات الاقتصادية البرية الستة:

ممر الصين – منغوليا – روسيا الاقتصادي يركز على الربط بين هذه الدول الثلاث عبر تطوير البنية التحتية.

ممر الصين – آسيا الوسطى – غرب آسيا الاقتصادي يربط الصين بمنطقة آسيا الوسطى الغنية بالموارد وصولاً إلى شبه الجزيرة العربية.

ممر شبه الجزيرة الهندية الصينية يربط جنوب الصين بدول جنوب شرق آسيا عبر شبكة من الطرق والسكك الحديدية.

الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني أحد أهم الممرات وأكثرها تقدماً، ويربط إقليم شينجيانغ الصيني بميناء جوادر الباكستاني على بحر العرب.

ممر بنغلاديش – الصين – الهند – ميانمار الاقتصادي يهدف إلى الربط بين هذه الدول الأربع لتعزيز التجارة والتعاون الإقليمي.

وإذا كانت “الممرات الستة” هي المسارات الجغرافية، فإن “الطرق الستة” هي وسائل النقل والاتصال التي تسير عليها. إنها تمثل المحتوى الرئيسي للربط البيني للبنية التحتية، وتشمل:

• الطرق السريعة.

• السكك الحديدية: على سبيل المثال هناك قطار الصين- أوروبا السريع والذي يربط بين شرق آسيا وأوروبا. وقد نمت هذه الشبكة بشكل هائل، لتصبح الآن تغطي 128 مدينة صينية ترسل بضائعها إلى 229 مدينة في 26 دولة أوروبية وأكثر من 100 مدينة في 11 دولة آسيوية.

النقل البحري.

• الطيران.

• خطوط الأنابيب (للنفط والغاز).

• شبكة المعلومات الشاملة عبر الفضاء (الإنترنت والاتصالات).

ولا تقتصر الشبكة على الطرق البرية، بل هناك ممرات بحرية وموانئ تشكل ما يسمى أيضاً “طريق الحرير البحري”، الذي أضاف 128 خطاً ملاحياً مخصصاً تربط الموانئ الصينية بأكثر من 50 دولة.

وقد أصدر البنك الدولي في عام 2019 دراستين لمراجعة الآثار الاقتصادية لمبادرة الحزام والطريق، وخلصت الدراسة الأولى المعنونة “اقتصاديات الحزام والطريق: فرص ممرات النقل ومخاطرها” إلى أن ممرّات النقل في المبادرة ستُسهم في خفض تكاليف التجارة العالمية بنسبة تتراوح بين 1.1% و2.2% (تصل إلى 2.8% للدول المشاركة)، وأن الدخل العالمي الحقيقي قد يرتفع بنسبة 0.7% بحلول عام 2030. وفي تفسير السبب خلف ذلك، أشار التقرير إلى تقليص زمن السفر عبر الممرات الستة بنسبة تصل إلى 12%، مما يُعزز كفاءة سلاسل الإمداد ويُقلص زمن وصول السلع إلى الأسواق.

أما الدراسة الثانية والتي حملت عنوان “مبادرة الحزام والطريق: الآثار الاقتصادية والبيئية وأثرها على الحد من الفقر” فقدرت أن التنفيذ الكامل للمبادرة يمكن أن يُخرج نحو 32 مليون شخص من دائرة الفقر المعتدل (أي الذين يعيشون على أقل من 3.20 دولار للفرد يومياً)، ويُعزز التجارة العالمية بنسبة 6.2%، وتجارة الاقتصادات الواقعة على امتداد الممرات بنسبة 9.7%، ويرفع الدخل العالمي الحقيقي بنسبة 2.9%، ويزيد الاستثمار الأجنبي المباشر الموجّه إلى الاقتصادات المنخفضة الدخل الواقعة على الممرات بنسبة تصل إلى 7.6%.

وتشير الإحصاءات إلى أن الصين، ومنذ إطلاق مبادراتها وحتى عام 2021، قد قدمت حزمة تمويلية استفادت منها أكثر من 130 دولة بقيمة 679 مليار دولار وُجهت في الغالب نحو مجالات الاستثمار في الاستيراد والتصدير، والبنية التحتية الأساسية، والتصنيع المتقدم، والتنمية المستدامة، وتحسين سبل عيش المواطنين، إلى جانب مجالات أخرى.

وخلال انعقاد منتدى الحزام والطريق الثالث للتعاون الدولي ببكين في 18 أكتوبر 2023، أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ عن خطة تمويل إضافية من خلال بنك التنمية الصيني وبنك التصدير والاستيراد الصيني تتضمن نافذتين تمويليتين بقيمة 350 مليار يوان صيني لكل منهما، مع ضخ 80 مليار يوان إضافياً في صندوق طريق الحرير.

وأوضح الرئيس الصيني بأن الصين لا تسعى لأن يقتصر التحديث عليها وحدها، وإنما تسعى لأن يمتد ليشمل جميع دول العالم جنباً إلى جنب مع الدول النامية.

كما أشار إلى العمل على بناء المزيد من “ورش لوبان” والتي تهدف إلى تدريب كوادر محلية من الدول المشاركة في المبادرة للعمل في المشاريع التي تنفذ في إطار المبادرة، حيث تقدم الورش برامج تدريب مهنية في تخصصات حيوية يحتاجها سوق العمل، مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات، والسكك الحديدية فائقة السرعة، والطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية الذكية.

ولقد حققت المبادرة حضوراً واسعاً ونتائج ملموسة في هذا المجال، فحالياً هناك 36 ورشة “لوبان” في أكثر من 30 دولة حول العالم درّبت أكثر من 35,000 مشارك، وقدمت تعليماً أكاديمياً لأكثر من 22,000 طالب.

الرد الأميركي

تحمل مبادرة الحزام والطريق إمكانية إعادة تشكيل التدفقات التجارية العالمية وتقليص الاعتماد على الممرات التقليدية الخاضعة لهيمنة القوة البحرية الأميركية. كما ينطوي على تعميم نمطٍ تنمويّ بديل يقوم على المنفعة المتبادلة، ويُخرج بلدان الجنوب العالمي من دائرة الفقر المزمنة، ويؤسس لعلاقةٍ من نوع “رابح – رابح” بين الأطراف. ومن شأن هذه الدينامية، في نهاية المطاف، أن تؤدي إلى تقليص النفوذ الأميركي ووضع حدٍّ لأساليب الاستحواذ الأحادي. في هذا السياق، سعت واشنطن إلى تقويض المبادرة وإعاقة تنامي القوة الصينية، عبر إثارة النزاعات في الدول المجاورة للصين، أو إملاء شروطٍ على الدول المنخرطة في المبادرة لحملها على الانسحاب، أو إعادة تثبيت وجودها في المناطق التي بدأت تتلمس طريقاً للخروج من التبعية للولايات المتحدة. ذلك أن المصلحة البعيدة المدى لتلك الدول صارت تتجسد في الانخراط في إطار البناء المشترك للمبادرة بعيداً عن منطق الهيمنة.

وهذا ما تجسد جليّاً في تصريح الرئيس الأميركي السابق بايدن في قمة جدة للأمن والتنمية بتاريخ 16 يوليو 2022، حيث أكد: “لن نتخلى [عن الشرق الأوسط] ولن نترك فراغاً تملؤه الصين أو روسيا أو إيران”.

الرد الصيني على ذلك الطرح جاء في البيان الختامي لقمة الرياض العربية – الصينية للتعاون والتنمية في وقت لاحق من نفس العام 9/12/2022 والتي أكدت على «احترام اختيار الدول لرؤاها التنموية بإرادتها المستقلة والتأكيد على أهمية التعاون المشترك لتحقيق التنمية المستدامة، والحد من الفقر والقضاء عليه. والتشارك في تنفيذ مبادرة “الحزام والطريق”، وبما تتيحه من فرص واعدة للتعاون والتنمية، والعمل على المواءمة بين هذه المبادرة والرؤى التنموية للدول العربية بما يحقق المصلحة المشتركة والمنفعة المتبادلة».

عقيدة دونرو

وفي سياقٍ يُعيد إنتاج الآليات الاستعمارية التقليدية، أقدم الرئيس ترامب على إحياء عقيدة مونرو، مصرحاً بأنها “حية وبصحة جيدة”. وقد تُرجم هذا التوجه في اعتماد استراتيجية الأمن القومي التي تضع إحياء العقيدة واستعادة النفوذ الأميركي في نصف الكرة الغربي في صدارة الأولويات، بوصفها أداةً لمواجهة نفوذ الصين وروسيا ووسيلةً لكبح وصول القوى المنافسة إلى الموارد الحيوية.

ولم يقتصر ترامب على مستوى الخطاب والتنظير الاستراتيجي، بل عمد إلى ترجمة العودة إلى العقيدة ترجمةً عملية من خلال سلسلة من الإجراءات التصعيدية غير المسبوقة الموجّهة ضد حكومة نيكولاس مادورو في فنزويلا. وبلغت هذه الإجراءات ذروتها في عملية عسكرية أميركية خاصة، أسفرت عن اختطاف الرئيس مادورو من مقر إقامته ونقله إلى نيويورك بتهمة تهريب المخدرات. وفي أعقاب هذه العملية، خرج ترامب ليعلن أن عقيدة مونرو قد تجاوزتها “عقيدة دونرو” (Donroe Doctrine) الجديدة، التي ترمي إلى ضمان عدم التعرّض للهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي مرة أخرى.

الاقتراب من المياه الدافئة الصينية

وفي سياق استراتيجية احتواء صعود التنين الصيني، كثفت إدارة ترامب جهودها لتوسيع نطاق حضورها العسكري قرب المياه الإقليمية الصينية. ففي 16 أبريل 2026، أعلنت الولايات المتحدة والفلبين عن خطة لإنشاء منطقة أمن اقتصادي ومركز صناعي متطور، تتضمن شراكة صناعية دفاعية تهدف إلى إنشاء خط إنتاج جديد للذخيرة في الفلبين، إلى جانب برامج لتطوير محركات الصواريخ والطائرات المسيرة، وذلك في إطار تعزيز القدرات اللوجستية والصناعية للحلفاء في المحيطين الهندي والهادئ.

وبالتوازي مع ذلك، ثمّة خطط أميركية جادة لتوسيع البصمة العسكرية في خليج سوبيك، تشمل إنشاء منشأة للتخزين والصيانة تهدف إلى ضمان توفر المعدات العسكرية بالقرب من مناطق النزاع المحتملة في بحر الصين الجنوبي.

ملف الرسوم الجمركية

مما لا شك فيه، فإن ملف الرسوم الجمركية سيكون من أهم الأولويات على جدول أعمال القمة الصينية – الأميركية.

ففي عام 2025، صعّدت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرسوم الجمركية على الواردات الصينية لتصل فعلياً إلى 145%، مما شكّل ذروةً في النزاع التجاري بين أكبر اقتصادين في العالم. وقد وصفت بكين هذه الخطوة بأنها “انتهاك خطير لقواعد التجارة الدولية” و”تنمر أحادي الجانب”. وفي ردٍ مباشر وتصعيدي، أعلنت الصين في 11 أبريل 2025 رفع رسومها الجمركية الإضافية على كامل السلع الأميركية من 84% إلى 125%، اعتباراً من 12 أبريل، “دفاعاً عن الحقوق والمصالح المشروعة”.

على النقيض من دول أخرى اضطرت إلى تقديم تنازلات أو تعليق إجراءاتها الانتقامية تحت وطأة الضغوط الأميركية، أظهرت الصين إصراراً استثنائياً على عدم الخضوع. ويُعزى هذا الصمود إلى جملة من العوامل الهيكلية المتراكمة:

 أولاً، نجاح استراتيجية تنويع الأسواق.

ثانياً، تحول الاعتماد المتبادل غير المتماثل لصالح الصين؛ فبينما تستوعب السوق الأميركية حوالي 10% فقط من الصادرات الصينية، تظل الولايات المتحدة معتمدةً بشكل شبه كامل على الصين في سلع استراتيجية كالمعادن النادرة وقطع غيار الإنتاج والسلع الاستهلاكية الأساسية.

ثالثاً، أتاحت سنوات من التحضير الدؤوب لمواجهة هذا السيناريو، شملت تسريع الاكتفاء الذاتي التكنولوجي وتطوير أنظمة مالية بديلة، وهو ما عزز الموقف التفاوضي الصيني.

في الختام

وبغض النظر عن المسار الذي ستؤول إليه هذه القمة؛ سواء ستعقد في موعدها المرتقب هذا الشهر، أم ستفرض التطورات الإقليمية الأخيرة تأجيلَها مرة أخرى، فإن فرضيةً مركزيةً لم تعد موضع جدل في أوساط التحليل الاقتصادي العميق. فبحسب ريتشارد وولف، الاقتصادي الماركسي الأميركي البارز، لم يعد السؤال المطروح هو: ‘هل تتراجع الهيمنة الأمريكية؟’، بل غدا السؤال الأكثر إلحاحاً: ‘كيف سيكون مسار هذا الانحدار؟ هل سيكون حادّاً وفوضويّاً، أم سلساً وتحت السيطرة؟ وهل ثمة إمكانية لأن تشق الولايات المتحدة، إلى جانب الصين وروسيا والهند وبقية العالم، طريقاً جديداً عنوانه ‘التعايش والازدهار المشترك’ في خضم عملية التكيّف الاقتصادي العالمي؟'”.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

التصدي للطائفية والقبلية والعنصرية: محاولة للفهم… والمشروع الوطني البديل

بعيداً عن تكرار الخطاب التقليدي الوعظي الناصح  بتجنّب الطائفية والقبلية والعنصرية، التي ابتليت بها مجتمعات عديدة، وبينها مجتمعاتنا العربية، بما فيها مجتمعنا الكويتي، فإنّ الأهم

الحرب: محاولة تحليلية ونظرة استشرافية

من الطبيعي أن يتركز اهتمام الرأي العام الشعبي في بلدان الخليج العربية تجاه الحرب المشتعلة في المنطقة على المشهد المباشر المتصل بما تتعرض له هذه

دبلوماسية “المبادئ الخمسة” الصينية

تتمسك الصين بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة كمرجعية وحيدة لحل النزاعات، تعزيزاً لرؤيتها القائمة على التعددية القطبية