ترامب ومخاطر استراتيجية تجاه القضية الفلسطينية العربية

توج دونالد ترامب انتصاره وانتصار الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية والكونغرس باحتفال ضخم في بالم بيتش بفلوريدا حيث منتجعه ومقره الفخم، حضره كبار قيادات ومسؤولي الحزب الجمهوري وقيادات حملته الانتخابية.

في هذا الاحتفال ردد ترامب عباراته المشهورة “دعونا نجعل أميركا عظيمة مرة أخرى” و”أميركا أولاً” وعرض ملامح من برنامجه لتحقيق ذلك على الصعيدين الداخلي والخارجي. 

بعد ذلك بدأت مكالمات وبيانات التهنئة تتدفق على الرئيس ترامب حيث جرى إعلان أو تسريب محتواها كمؤشر على طبيعة العلاقات المتوقعة ما بين بلدان وزعماء هذه الدول والولايات المتحدة في ظل قيادة ترامب. لكن الأهم هو سلسلة المشاورات والاتصالات المكثفة ما بين ترامب وفريق عمله مع قيادات الحزب الجمهوري وخصوصاً أولئك الذين احتفظوا بمواقعهم أو الذين فازوا في مجلس الشيوخ ومجلس النواب وحكام الولايات، وذلك من أجل اختيار أعضاء إدارته القادمة وكبار المسؤولين واختيار الفريق الانتقالي قبل وقت كاف من بداية ولايته في 20 يناير 2025.

ومن خلال تصريحات الرئيس المنتخب ترامب ونائبه فانس، ومكالماته مع زعماء منطقة الشرق الأوسط والبلدان العربية، وتعييناته للمناصب ذات العلاقة بإدارة السياسة الخارجية والأمنية والاقتصادية والتجارية مع هذه البلدان يمكن أن نتبين ملامح استراتيجية أميركا في ظل رئاسة ترامب تجاه ما يعرف بالشرق الأوسط الكبير، أي الوطن العربي وجواره، وفي قلبه قضية فلسطين وتفرعاتها، والأكثر إلحاحاً الحرب “الإسرائيلية” – الأميركية الجارية منذ أكثر من عام ضد قطاع غزة.

الحلف الأميركي – “الإسرائيلي”

تستند العلاقات الأميركية – “الإسرائيلية” على قاعدة ذهبية هي أن الولايات المتحدة الأميركية أهم حليف وداعم للكيان الصهيوني منذ قيامه في 1948 وأنها تصوغ وتفرض سياستها في منطقة الوطن العربي والشرق الأوسط، بل والعالم لضمان تفوق “إسرائيل” عسكرياً وانتصاراتها في حروبها المتتالية وقضمها لفلسطين وتوسعها في المحيط العربي لفلسطين، وفرض الخضوع والتطبيع العربي مع الكيان المحتل، وبالتالي فإن الاستراتيجية الأميركية والصهيونية متطابقتان في تمزيق ونهب وإخضاع الوطن العربي للهيمنة الأميركية والصهيونية. وآخر تجليات هذه الاستراتيجية هي حرب الإبادة الصهيونية الحالية بشراكة أميركية كاملة في قطاع غزة.

ترامب وصفقة القرن 

خلال فترة رئاسته الأولى 2017- 2020 قدم الرئيس ترامب لـ “إسرائيل” وللحركة الصهيونية ما لم يقدمه رئيس أميركي في التاريخ. لقد تبنى ما يعرف بصفقة القرن ومفادها تصفية القضية الفلسطينية نهائياً ودعم الكيان الصهيوني في الاستيطان والضغط لتهجير الفلسطينيين من فلسطين المحتلة وترجمة لذلك عمد ترامب لدعم سياسة التهويد ونقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة واعترف بسيادة “إسرائيل” على الجولان المحتل.

وفي سبيل فرض اعتراف وتطبيع علاقات بعض الدول العربية بالكيان المحتل قاد ما يعرف بالاتفاق الابراهيمي والذي طبعت فيه دول عربية علاقاتها مع “إسرائيل” والعمل لتوسيع التطبيع ليشمل دولاً عربية وإسلامية أخرى. لقد تم ذلك في ظل حكومة “إسرائيلية “يمينية عنصرية متطرفة”، يرأسها الصهيوني المتطرف نتنياهو حيث جمعته مع ترامب رؤية مشتركة واحتفظا بعلاقات خاصة حتى بعد أن فشل ترامب في تجديد رئاسته. 

استكمال صفقة القرن

طوال حملته الانتخابية كانت صفقة القرن وما قدمه ترامب “لإسرائيل” وتأكيده بأنه الصديق المؤتمن “لإسرائيل” واليهود والحركة الصهيونية في العالم في مركز اهتمام حملته الانتخابية. وبالمقابل فقد تدفقت على حملته الانتخابية التبرعات السخية من اللوبي “الإسرائيلي” والأغنياء اليهود. من هنا موقفه الشرس ضد الحركة الاحتجاجية الطلابية الجامعية والأهلية المعارضة للسياسة الأميركية وحرب “إسرائيل” والمناصرة لشعب فلسطين، ووصمه المقاومة الفلسطينية واللبنانية وإيران بالإرهاب. 

لا شك أن اللوبي “الإسرائيلي” لعب دوراً حاسماً في انتصار ترامب وحزبه الجمهوري في هذه الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة. كما أن نتنياهو يفضل ترامب والحزب الجمهوري بتوجهاته الحالية على هاريس والحزب الديمقراطي ولذلك أفشل جميع مبادرات الإدارة الأميركية لوقف حرب الإبادة في غزة ولبنان رغم انها لصالح الكيان المحتل لئلا تضاف إلى رصيد هارس والحزب الديمقراطي.

 وبالمقابل فقد كانت الأصوات التي من أصول عربية وإسلامية وما يسمى بالتيار التقدمي الأميركي منقسمة على نفسها وفي مأزق ما بين التصويت لمرشحة الديمقراطيين كمالا هاريس نائبة الرئيس جو بايدن التي شاركت حكومتها “إسرائيل” في حرب الإبادة لأكثر من عام ورفضها حتى الدعوة بإيقاف تسليح الكيان الصهيوني وإيقاف الحرب، ودونالد ترامب المرشح الجمهوري الذي طالب نتنياهو بإنهاء الأمر بسرعة وانتقد مساعدوه الإدارة الديمقراطية ما يدعونه تقصيراً في دعم “إسرائيل” وضغوطاً على نتنياهو، وأيد توسع “إسرائيل” على حساب العرب واكمال صفقة القرن. واكتفى ترامب بالقول إنه يسعى للسلام في الشرق الأوسط دون التزامات محددة.

من خلال مكالمات التهنئة مع المنتصر ترامب كان نتنياهو سبَّاقاً بتهنئة ترامب وتم التأكيد على التحالف الاستراتيجي ما بين الكيان الصهيوني وأميركا والعلاقات الشخصية التي تربط الصديقين وانجازات ترامب لصالح “إسرائيل” في ظل قيادتهما. وذكر أن نتنياهو عين سفيراً جديداً “لإسرائيل” الملائم لمرحلة ترامب. أما مكالمات ترامب مع بعض الزعماء العرب فإنها أكدت على العلاقات الاستراتيجية لدولهم مع أميركا وتطلعهم لتعزيزها في عهده دون المطالبة بوقف حرب الإبادة “الإسرائيلية” بمشاركة أميركا فيها. وبالنسبة لمكالمة الرئيس الفلسطيني محمود عباس فقد كشف الجانب الفلسطيني عن فحواها ومطالبته ترامب بالعمل لوقف حرب الإبادة وتحقيق سلام دائم وشامل في الشرق الأوسط لكن ترامب وفريقه لم يذكروا ما قاله ترامب للرئيس الفلسطيني محمود عباس في تجاهل متعمد لذلك.

الكيان الصهيوني بقيادة نتنياهو يتصرف بثقة أكبر بعد انتصار ترامب في الاستمرار بحرب الإبادة وتوسيعها بدعم ومشاركة أميركية، رغم حديث ترامب العابر عن السلام في المنطقة.  

ملامح استراتيجية ترامب

بدأت ملامح استراتيجية ترامب تجاه القضية الفلسطينية العربية تتضح من خلال التعيينات للمواقع القيادية في إدارته خصوصاً المعنيين بقضايا الشرق الأوسط والمواقف تجاه أهم جوانب هذه القضية وتطوراتها.

  1. لا يؤيد ترامب إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة إلى جانب “إسرائيل”، بل أنه يؤيد استمرار حرب الإبادة ضد الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية وتهجير سكان غزة إلى سيناء وضم الضفة الغربية إلى “إسرائيل” وإجبار أكبر عدد منهم على النزوح. حتى أن ترامب في إحدى مقابلاته أشار إلى الخارطة وقال “انظر إسرائيل صغيرة، فيما محيطها من الدول واسع”. مما يعني تأييده لتوسع “إسرائيل” في المحيط العربي. 
  2. بالنسبة للبنان، لم يعد مطلب “إسرائيل” الالتزام بالقرار الأممي 1701 بل هزيمة “حزب الله” وضمان تجريده من السلاح. ان ما يعرضه (الوسيط) الأميركي – الإسرائيلي هوكستاين بوقف لإطلاق النار وانسحاب إسرائيلي، مقابل انكفاء “حزب الله” لما وراء نهر الليطاني، رهن بحرية “إسرائيل” بالتصرف عسكرياً فيما تعتبره خرقاً للاتفاق، هو مشروع “إسرائيلي “وبموافقة من بايدن وترامب.
  3. لقد سبق لترامب أن ألغى الاتفاق النووي مع إيران والذي توصلت إليه الوكالة الدولية للطاقة النووية وفرض عقوبات قاسية بحقها واغتالت أميركا سليماني قائد فيلق القدس واشتركت مع “إسرائيل” في عمليات أمنية داخل إيران. لذا فإن ترامب يهدد إيران باعتبارها المسؤول الأول عن تهديد الاستقرار في المنطقة وأكد ليس على بقاء القوات الأميركية في العراق بل تدعيمها لمواجهة احتمال الحرب معها، وهو ما تسعى إليه “إسرائيل”.
  4. في تعاطي ترامب مع الدول العربية، فإنه سيضغط لتطبيع الباقين لعلاقاتهم مع “إسرائيل” والتخلي نهائياً عن المطالبة بدولة فلسطينية ولو منزوعة السلاح وبدون سيادة وتوطين الفلسطينيين وتصفية القضية الفلسطينية. كما سيعمل لإقامة نظام شرق أوسط جديد إقليمي تهيمن عليه أميركا وتكون فيه “إسرائيل” القوة الإقليمية العظمى حسب الرؤية الصهيونية مع العمل للتوسع “الإسرائيلي” نحو إقامة “إسرائيل” الكبرى.

أميركا وتحصين “إسرائيل”

أما الجديد في هذه الأوضاع فهو قرار المحكمة الجنائية الدولية بملاحقة نتنياهو ووزير دفاعه السابق غالانت، والذي أحدث دوياً هائلاً في الكيان المحتل وأميركا والعالم. وخلافاً لما يتوجب من ترحيب بالقرار عالمياً، فقد أخذت أميركا، الرئيس بايدن والرئيس المنتخب ترامب، موقف الرافض للقرار والمهدد لكل دولة تتعاون في تنفيذه وفي مقدمتهم هولندا مقر المحكمة في لاهاي. كما أن أميركا استخدمت الفيتو للمرة الرابعة هذا العام في مجلس الأمن لإحباط قرار يدعو لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى في غزة مقابل بقية الأعضاء الـ 14 في مجلس الأمن.

هل هذا قدر مكتوب على المقاومة الفلسطينية واللبنانية وحلفائهما؟ وهل هو قدر محتوم على الأمة العربية وشعوب المنطقة؟ بالطبع لا، فإنه بالرغم من خسائر المقاومة والشعبين الفلسطيني واللبناني و”محور المقاومة” الجسيمة، فإن خسائر الكيان الصهيوني وحليفه أميركا لا سابق لها. كما ان الانشقاق في المعسكر الغربي بشأن قرار المحكمة الجنائية الدولية والمعارضة الواسعة للدعم الغربي المشين للكيان الصهيوني مؤشر إيجابي مهم. ومن هنا فنجاح المخطط الصهيوني – الأميركي ليس قدراً والصراع مفتوح على مختلف الاحتمالات.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

السودان.. حصاد العام 2024 

عبثية الحرب تتجلى في أنها تدور داخل سكن المواطنين الأبرياء في أسواقهم ومدارسهم وبيوتهم وكل أماكن تجمعاتهم.

فلسطين 2024: بانوراما الوحشية الجديدة

إنها تحديات العام الجديد وعلى أبواب مرحلة جديدة تتشكل ملامحها في خضم التحوّلات التي تطرح أهمية المراجعة النقدية والحفاظ على الحقوق والثوابت الوطنية، والتعامل مع المتغيرات المحيطة بحذر وجدية وشعور عالٍ بالمسؤولية.

مراسيم وقرارات سحب الجنسية في الكويت.. تفسير لنصوص قانونية محل خلاف وجدل

شهدت الكويت خلال الأشهر الأخيرة صدور العديد من المراسيم والقرارات بسحب الجنسية الكويتية وفَقْدها وإسقاطها عن آلاف المواطنين والمواطنات، وهي في الوقت الحاضر قد تجاوزت ١٨ ألفاً وقابلة للزيادة