
الحرب: محاولة تحليلية ونظرة استشرافية
من الطبيعي أن يتركز اهتمام الرأي العام الشعبي في بلدان الخليج العربية تجاه الحرب المشتعلة في المنطقة على المشهد المباشر المتصل بما تتعرض له هذه
أثار تصاعد الأزمات الجيوسياسية الراهنة في منطقة الشرق الأوسط تساؤلات جوهرية حول طبيعة الدور الصيني وحدوده؛ لاسيما فيما يتعلق بفرص الانخراط العسكري، وتداعيات النزاع على المصالح الاقتصادية الصينية، ومدى قدرة بكين على لعب دور الوسيط لإنهاء الصراع. وفي مقابل القراءات التي فسرت الحذر الصيني كدليل على الانكفاء أو محدودية التأثير، يرتكز الموقف الرسمي لبكين على عقيدة سياسية ثابتة ترفض منطق الأحلاف العسكرية والحروب، مفضلةً تكثيف القنوات الدبلوماسية مع الأطراف الفاعلة للدعوة إلى ضبط النفس والوقف الفوري للعمليات العدائية والعودة إلى المسار التفاوضي.
وتستند هذه الرؤية الاستراتيجية إلى مرجعية تاريخية تمتد لأكثر من سبعة عقود، متمثلة في “مبادئ التعايش السلمي الخمسة” التي تشكل حجر الزاوية في السياسة الخارجية الصينية منذ طرحها عام ١٩٥٣. وتتحدد هذه المبادئ في: الاحترام المتبادل للسيادة وسلامة الأراضي، وعدم الاعتداء، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والمساواة القائمة على المنفعة المتبادلة، وصولاً إلى التعايش السلمي. ولم تعد هذه المبادئ مجرد توجهات دبلوماسية، بل جرى دسترتها لتصبح التزاماً قانونياً وسياسياً حاكماً لعلاقات الصين الدولية، مما يفسر تمسك بكين بـ “الحياد النشط” ورفضها الانجرار إلى الاستقطابات العسكرية الحادة.
وعلى الرغم من التحولات البنيوية في السياقين الداخلي والخارجي، حافظت جمهورية الصين الشعبية على ثبات مبادئها الدبلوماسية، داعيةً المجتمع الدولي إلى تعزيز التعاون المشترك لتفعيل هذه الأطر. وقد تجلى هذا النهج في السياسة الخارجية الصينية تجاه الأزمات الدولية، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط؛ حيث طرحت بكين مبادرات سلمية متعددة لتسوية النزاعات الإقليمية، وفي مقدمتها الصراع العربي – الإسرائيلي. وبينما حظيت هذه المبادرات بترحيب الجانب الفلسطيني، واجهت عقبات نتيجة المواقف الإسرائيلية الرافضة.
وفي إطار دورها كفصيل دولي وسيط، تكللت الجهود الصينية في ١٠ مارس ٢٠٢٣ بإبرام اتفاق تاريخي لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، منهياً قطيعة دامت سبع سنوات. وقد نص الاتفاق على إعادة فتح البعثات الدبلوماسية في غضون شهرين، مع التأكيد في البيان الثلاثي المشترك على الالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وفي طليعتها احترام السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. كما استهدفت المبادرة تفعيل الأطر القانونية السابقة، وتحديداً اتفاقية التعاون الأمني (٢٠٠١) والاتفاقية العامة للتعاون الاقتصادي والتقني والثقافي (١٩٩٨).
ولضمان تنفيذ الاتفاق وتجاوز الصعوبات الإجرائية، استحدثت بكين آلية مؤسسية للمتابعة عبر “اللجنة الثلاثية المشتركة”، التي عقدت اجتماعين دوريين: الأول في الرياض (نوفمبر ٢٠٢٤)، والثاني في طهران (ديسمبر ٢٠٢٥)، بحضور دبلوماسي صيني رفيع، مما يعكس حرص الأطراف على استدامة المسار الدبلوماسي وتكريس الاستقرار الإقليمي.
ومؤخراً اتسم الموقف الصيني حيال الأزمة الراهنة بالاستمرارية؛ حيث ركزت المقاربة الصينية منذ الأسبوع الأول على احتواء التصعيد والحيلولة دون انزلاق المنطقة نحو حالة من الفوضى الشاملة. وفي هذا السياق، فعلت بكين أدواتها الدبلوماسية عبر جولة مكوكية أجراها مبعوثها الخاص لشؤون الشرق الأوسط، ‘تشاي جيون’ (Zhai Jun)، شملت دولاً إقليمية محورية هي: الإمارات، والسعودية، والكويت، والبحرين، وقطر، ومصر. وقد توجت هذه التحركات بلقاء الأمين العام لجامعة الدول العربية، “أحمد أبو الغيط”، في إطار سعي الصين لبناء توافق إقليمي يدعم الاستقرار ويمنع تفاقم الصراع.
تتمسك الصين بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة كمرجعية وحيدة لحل النزاعات، تعزيزاً لرؤيتها القائمة على التعددية القطبية. وفي هذا السياق، جاء رفض بكين الانضمام إلى “مجلس السلام” الذي استحدثته إدارة الرئيس ترامب، تأكيداً على عدم اعترافها بآليات دولية موازية للمنظمة الأممية. كما حافظت بكين على موقفها المستقل برفض الاستجابة للدعوات الأميركية للانخراط عسكرياً في النزاعات القائمة، ولم يطرأ أي تغيير على ثوابتها السياسية إثر قرار واشنطن تأجيل الزيارة الرئاسية التي كانت مقررة في أواخر مارس الماضي.

من الطبيعي أن يتركز اهتمام الرأي العام الشعبي في بلدان الخليج العربية تجاه الحرب المشتعلة في المنطقة على المشهد المباشر المتصل بما تتعرض له هذه

استمرار غياب أفق سياسي، وتآكل شرعية الأطراف المحلية، وتصاعد الغضب الشعبي، كلها عوامل قد تعيد إنتاج دورة جديدة من التوتر، ما يجعل المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة تتراوح بين تثبيت الأمر الواقع لفترة طويلة أو انفجار جديد يعيد خلط الأوراق

اخرجوا إلى الشوارع للاحتجاج على الهجوم الإمبريالي على فنزويلا، ابحثوا عن الحقيقة عبر الاستماع إلى قيادة الثورة البوليفارية، تحدّوا الرواية السائدة، وتعلّموا من — واستلهموا — القوة الحيّة للحركة الكومونية

إن “مجلس السلام” ربما يتحول إلى أداة إضافية في يد الكيان الصهيوني، كون المجلس قد تم تشكيله بقرار الإدارة الأميركية التي تتشارك مع الكيان في حرب الإبادة والتطهير العرقي في قطاع غزة.



